قصص وروايات

ابناء اختي

أصبحت الواصي على أبناء أختي العشرة بعد وفاتها… وبعد سنين، بنتها الكبيرة بصّتلي أخيرًا وقالت: “يا خالو… أنا جاهزة أقولك الحقيقة اللي حصلت لماما.. ماما عايشه وكانت بتيجي تزورنا وانت مش بتشوفها”
دلوقتي عندي ٤٤ سنة، ومن سبع سنين وأنا بربي عشر عيال مش ولادي.

أختي “ليلى” ماكنتش مجرد أخت بالنسبالي… دي كانت أغلى حد في الدنيا. بعد وفاة جوزها بسنتين، كانت شايلة الحمل كله لوحدها، وبتجري بين شغلها وبيتها وعيالها العشرة، لحد ما الحياة بهدلتها.
وأنا كنت دايمًا جنبها.
في الليلة اللي اختفت فيها، بنتها الكبيرة “مريم” كانت معاها في العربية. وكان عندها وقتها ١١ سنة بس.
بعدها بساعات، البوليس لقى العربية واقفة جنب الترعة. باب السواق كان مفتوح… وشنطة ليلى لسه جوه العربية… لكن هي نفسها اختفت.
فرق البحث فضلت تدور أيام كاملة.
ومالاقوش أي أثر.
أما مريم… فلقوها ماشية لوحدها على الطريق الزراعي، حافية ورجليها كلها طين، ومرعوبة بطريقة تقطع القلب.
ومن يومها… سكتت.
أسابيع كاملة من غير ما تنطق كلمة.
ولما بدأت تتكلم أخيرًا، كانت بتكرر نفس الجملة كل مرة: “مش فاكرة.”
وماحدش ضغط عليها.
في النهاية… استخرجنا شهادة وفاة لأختي، واتدفنت من غير حتى ما نعرف إيه اللي حصلها بجد.
بعدها بكام شهر، دخلت في حرب في المحكمة عشان أخد حضانة العيال. ناس كتير قالوا إني مجنون. ويمكن فعلًا كنت.
بس ماقدرتش أسيبهم يضيعوا.
السنين عدّت بسرعة.
الصغيرين كانوا كل شوية يسألوا عن أمهم… وكل واحد فيهم كان ناقصه حتة جواه.
واتعلمت أعمل كل حاجة… أطبخ لكتيبة كاملة، أذاكر لعيال في ابتدائي وإعدادي وثانوي، وأصحى مفزوع في نص الليل على صوت كوابيسهم وعيطهم.
ماحاولتش في يوم آخد مكان أمهم.
أنا بس… فضلت موجود.
أما مريم… فكبرت أسرع من اللازم. شالت مسؤوليات أكبر من سنها، وربّت إخواتها وهي نفسها لسه طفلة.
وكنت فاكر إنها بدأت تتخطى اللي حصل.
فاكر إننا كلنا اتخطيناه.
لحد الأسبوع اللي فات.
دخلت عليا أوضة المكتب بهدوء غريب… وشها جامد بطريقة خوفتني.
وقالت: “يا خالو… لازم نتكلم.”
سيبت كل اللي في إيدي فورًا. وقلت بقلق: “مالك يا مريم؟”
رفعت عينيها وبصّتلي مباشرة.
وقالت: “الكلام عن ماما.”
قلبي اتقبض فجأة.
سألتها: “مالها؟”

2
ابناء اختي

خدت نفس طويل… وصوتها بدأ يتهز: “أنا… أنا أخيرًا جاهزة أقولك الحقيقة اللي حصلت الليلة دي.”
الدنيا كلها سكتت حواليا.
إيديا بردت.
وبصّيتلها بعدم استيعاب: “حقيقة إيه؟”
لكن اللي قالته بعدها… كان كفيل يخليني أحس إني مش قادر آخد نفسي.
مريم بلعت ريقها، وعينيها اتمَلّوا دموع وهي بتقول بصوت مرتعش:
“ماما… ماماتش يا خالو.”
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
فضلت باصصلها مش قادر أستوعب. “إيه؟!”
هزت راسها وهي بتعيط: “هي سابتنا… ومشيت.”
قلبي دق بعنف. “مشيت مع مين؟!”
مريم ضمت إيديها لبعض كأنها بتحاول تسند نفسها: “كان فيه راجل… كانت تعرفه من فترة. كنت بشوفه أوقات يكلمها في التليفون وهي مستخبية… وفي اليوم ده أخدتني معاها بالعربية عشان تقابله.”
أنا كنت سامع… بس عقلي رافض يصدق.
أختي؟! ليلى اللي كانت بتموت نفسها عشان عيالها؟!
مريم كملت وهي منهارة: “وقفنا جنب الترعة… وهو كان مستني بعربيته. ماما كانت بتعيط جدًا… وحضنتني وقالتلي إني لازم أبقى قوية عشان إخواتي.”
حسيت بغصة خنقتني.
“قالتلي إنها تعبت… وإنها مش قادرة تكمل… وإنها أخيرًا لقت فرصة تبدأ حياة جديدة.”
سكتت لحظة ومسحت دموعها: “وبعدين طلبت مني أقول إني مش فاكرة أي حاجة.”
غمضت عيني بعنف وأنا حاسس بوجع رهيب في صدري.
مريم بصّتلي بخوف: “أنا كنت صغيرة يا خالو… وخوفت.”
“خوفت لو قلت الحقيقة… ياخدونا من بعض.”
دموعها نزلت أكتر: “إحنا كنا عشرة… ومحدش كان هيقبل بينا كلنا. كانوا هيوزعونا على بيوت وأماكن مختلفة… وأنا ماكنتش عايزة إخواتي يضيعوا.”
سكتت وهي بتشهق: “ولما إنت أخدتنا عندك… مقدرتش أتكلم بعدها. كل سنة كانت بتعدي كان الموضوع بيبقى أصعب.”
أنا ماكنتش قادر أتكلم.
كل السنين دي… كل الحزن… العزا… القهر اللي عيشناه…
وأختي كانت عايشة؟!
سألتها بصوت مبحوح: “وهي… عمرها ما حاولت تعرف عنكم حاجة؟”
مريم هزت راسها ببطء. “في الأول كانت بتبعت رسايل من أرقام غريبة… تطمن علينا. وبعدها اختفت تمامًا.”
حطيت إيدي على وشي وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا.
لكن وسط الوجع كله… كان فيه حاجة واحدة أوضح من أي حاجة.
بصّيت لمريم، للبنت اللي شالت فوق طاقتها سنين طويلة.
وقلت بهدوء: “إنتِ مالكيش ذنب.”
انهارت في العياط فورًا. “كنت خايفة تكرهني.”

3
ابناء اختي

قومت حضنتها بقوة لأول مرة من سنين.
وقلت وأنا دموعي بتنزل: “إنتِ أنقذتي إخواتك… وفضلتي شايلة السر لوحدك عشان تحافظي عليهم.”
فضلت تعيط في حضني وهي بتقول: “أنا تعبت يا خالو… تعبت أوي.”
ربتّ على شعرها وأنا ببص لباب الأوضة اللي وراه تسعة أطفال نايمين مطمنين…
وفجأة فهمت الحقيقة اللي ماخدتش بالي منها طول السنين دي.
ليلى يمكن سابتهم…
لكن أنا لا.
وأيًا كان اللي حصل… دول بقوا عيالي أنا.
عدّى حوالي شهر بعد اعتراف مريم…
والبيت كله اتقلب لصمت غريب. مريم بقت منطوية، والصغيرين حسّوا إن فيه حاجة مستخبية عنهم، حتى لو محدش قالهم الحقيقة كاملة.
أما أنا… فكنت كل ليلة أفضل صاحي، ببص في سقف الأوضة وأسأل نفسي: ليه يا ليلى؟ إزاي أم تسيب عشرة عيال وتمشي؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى