كل ما اروح بيت ابني

كل ما أروح بيت ابني، ألاقي مراته بتحطلي الأكل في طبق فوم! ولما عرفت السبب، اكتشفت سر من الماضي ما كنتش أتخيل إنه يرجع تاني!
كل ما أروح بيت ابني، ألاقي مراته بتحطلي الأكل في طبق فوم، وبتقدّم لكل اللي قاعدين معانا في أطباق من النيش! سكتّ في الأول وقلت يمكن صدفة، لكن لما الموضوع اتكرر وقررت أعرف السبب، اكتشفت سر خلاني أتمنى إني ما سألتش أبدًا.
أنا أم عندي ابن وحيد، وكنت فاكرة إن بعد ما جوزي توفى وربيت ابني وكبرته لحد ما بقى راجل، خلاص تعبي انتهى، وإن اليوم اللي هشوفه فيه متجوز ومستقر هيكون أجمل يوم في عمري.
بس اللي ما كنتش أعرفه إن ابني اللي تعبت عشانه سنين، ممكن يكون سبب في وجع قلبي من غير ما يقصد، وإن مرات ابني اللي كنت فاكرة إنها مجرد بنت غريبة دخلت حياتنا من كام شهر، هتكون سبب في كشف سر قديم كنت فاكرة إنه اندفن للأبد.
أنا اسمي نادية، عندي ستين سنة، وابني الوحيد كريم عنده تلاتين سنة، ومتجوز من حوالي تلات شهور من بنت اسمها سلمى.
كريم هو كل حياتي بعد وفاة أبوه. تعبت في تربيته، واشتغلت وخدمت في بيوت الناس سنين عشان أعلمه وأشوفه أحسن واحد في الدنيا.
ولما اتخرج واشتغل، كنت حاسة إني ملكت الدنيا كلها.
ولما جه قالي إنه حب بنت وعايز يتجوزها، فرحت جدًا، وقلت أخيرًا هلاقي حد يونسني في كبرتي، وحد تاني يفرح ابني ويهتم بيه.
سلمى كانت بنت هادية، كلامها قليل، وبتتعامل معايا باحترام قدام الناس. أول مرة جت بيتنا، جابتلي علبة شوكولاتة وباست إيدي وقالتلي:
«إنتِ من النهارده أمي التانية يا طنط نادية، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك».
أنا يومها حضنتها ودموعي نزلت من الفرحة، وقلت لها:
«أنا مش عايزة منك غير إنك تحبي كريم وتخلي بالك منه، وربنا شاهد إني هعتبرك بنتي».
اتجوزوا، وبعد الفرح بأسبوع، كريم كلمني وقال لي:
«يا ماما، إنتِ قاعدة لوحدك ليه؟ البسي وتعالي اتغدي معانا».
روحت وأنا فرحانة، وكنت جايبة لهم صينية محشي عملتها بإيدي.
سلمى استقبلتني بابتسامة، وخدت مني الصينية، وقالت:
«تعبتي نفسك ليه يا ماما؟ ده إحنا اللي المفروض نعملك كل حاجة».
دخلت قعدت معاهم، ولما جه وقت الغدا، لقيت سلمى بتحط الأطباق على السفرة.
حطت قدام كريم طبق صيني أبيض، وقدامها طبق شبهه، وقدام أمها وأختها اللي كانوا موجودين أطباق عادية، وبعدين بصتلي وطلعت من المطبخ طبق فوم أبيض، وحطت فيه الأكل، وجابتلي شوكة ومعلقة بلاستيك.
أنا استغربت، بس قلت يمكن الأطباق خلصت، أو يمكن كانت مستعجلة ومخدتش بالها.
أكلت وسكت، وبعد الغدا سلمى لمت الأطباق، وأختها خدت طبق الفوم ورمته في الزبالة.
الموضوع عدى، وما فكرتش فيه كتير.
لكن بعد كام يوم، كريم عزم عليا تاني.
ورحت.
ونفس المشهد اتكرر بالحرف.
أطباق صيني لكل اللي قاعدين، وطبق فوم ليا أنا بس.
المرة دي بصيت لسلمى، لقيتها بتبصلي وبتبتسم ابتسامة صغيرة، ولما عيني جت في عينها، لفت وشها وكملت كلامها مع أمها.
قلبي اتقبض، بس قلت لنفسي: يا نادية، إنتِ ست كبيرة وعاقلة، مش كل حاجة تتفسر على إنها إهانة.
يمكن عندها سبب، يمكن أنا فاهمة غلط.
لكن الزيارة التالتة كانت أغرب.
لما دخلت المطبخ أجيب كباية مية، لقيت سلمى واقفة بتتكلم في التليفون، وأول ما شافتني سكتت بسرعة.
سمعتها قبل ما أدخل بتقول:
«أيوه يا ماما، هي جاية النهارده كمان… متقلقيش، أنا عارفة هتصرف إزاي».
ولما شافتني، قفلت المكالمة وقالت:
«محتاجة حاجة يا ماما؟»
قولتلها:
«لا يا بنتي، كنت جاية أشرب شوية مية».
ابتسمت، وعدت من جنبي، لكن وأنا خارجة من المطبخ سمعتها بتقول بصوت واطي:
«لسه فاكرة إنها هتفضل مش فاهمة».
وقفت مكاني.
مين اللي مش فاهمة؟ وإيه اللي لسه فاكره؟
كنت هارجع وأسألها، لكن كريم ناداني من الصالة، فرجعت وأنا بحاول أقنع نفسي إني يمكن سمعت غلط.
عدت الأيام، وبقيت كل ما كريم يعزمني أحس إني مترددة.
مش عشان مش عايزة أشوف ابني، بالعكس، ده أنا كنت بستنى مكالمته من الصبح.
لكن فكرة إني أروح بيت ابني وأقعد على سفرة أحس فيها إني أقل من كل اللي قاعدين، كانت بتوجعني.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع بنتي الكبيرة، حكيتلها اللي بيحصل.
بصتلي باستغراب وقالت:
«طبق فوم إيه يا ماما؟ هو إنتِ سألتيها ليه؟»
قولتلها:
«لا، ومش عايزة أحرج أخوكي. لسه متجوزين جديد».
قالتلي:
«طب ما يمكن عندها سبب، بس برضه لازم تفهمي منها».
كنت لسه هرد عليها، لكن تليفوني رن.
كانت سلمى.
قالت بصوت هادي:
«إزيك يا ماما؟ عاملة إيه؟ إحنا عاملين بكرة غدا، ونفسي تيجي».
استغربت إصرارها، وقلت لها:
«حاضر يا بنتي، إن شاء الله».
وقبل ما تقفل، قالت جملة خلتني أفضل أفكر فيها طول الليل:
«وعلى فكرة يا ماما، بكرة نفسي نقعد إحنا الاتنين شوية بعد الغدا، عشان في موضوع قديم محتاجة أتكلم معاكي فيه».
قولتلها:
«موضوع إيه يا بنتي؟»
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«هتعرفي بكرة».
وقفلنا.
فضلت طول الليل أفكر.
موضوع قديم إيه اللي سلمى عايزة تكلمني فيه؟
هي تعرف عني حاجة أنا مش عارفاها؟
ولا الموضوع له علاقة بمرات ابني ومعاملتها ليا؟
تاني يوم، لبست أحسن هدومي، وأخدت معايا علبة حلويات، وروحت بيت كريم.
أول ما دخلت، سلمى استقبلتني، وسلمت عليا، وبعدين خدتني من إيدي وقالت:
«تعالي يا ماما، اقعدي جنبي النهارده».
حسيت إني اتبسطت، وقلت يمكن أخيرًا هتتغير معاملتها.
كنا قاعدين على السفرة، وكان موجود كريم، وسلمى، وأمها، وأختها.
ولما جه وقت الأكل، قلبي وقع في رجلي.
نفس طبق الفوم.
نفس الشوكة والمعلقة البلاستيك.
لكن المرة دي، سلمى بنفسها حطت الطبق قدامي، وقعدت تبصلي من غير ما تتكلم.
أنا مسكت الشوكة، وبعدين حطيتها على السفرة.
وبصيت لها وقلت بهدوء:
«معلش يا سلمى، ممكن أسألك سؤال؟»
قالت:
«اتفضلي يا ماما».
قولتلها:
«هو أنا ليه كل مرة باجي عندكم باكل في طبق فوم، وإنتوا كلكم بتاكلوا في أطباق صيني؟ هو أنا عملت حاجة ضايقتك من غير ما أعرف؟»
كريم رفع عينه من طبقه، وبص لمراته باستغراب.
أم سلمى سابت المعلقة من إيدها.
وأختها اللي كانت بتضحك من شوية، سكتت فجأة.
أما سلمى، ففضلت باصة لي شوية، وبعدين قالت:
«لأ يا ماما، إنتِ ما عملتيش حاجة دلوقتي».
الجملة دي وقعت على قلبي زي الحجر.
دلوقتي؟
يعني إيه دلوقتي؟
قبل ما أسألها، كريم قال بانفعال:
«يعني إيه يا سلمى؟ هو فيه إيه؟ ماما بتسألك سؤال واضح!»
سلمى بصتله وقالت:
«مش كل حاجة ينفع تتقال قدام الناس يا كريم».
وبعدين قامت من مكانها، ودخلت أوضة النوم.
كريم قام وراها، وأمها فضلت باصة في الطبق، وأختها قامت دخلت المطبخ.
وأنا قاعدة لوحدي على السفرة، قدامي طبق الفوم اللي كنت فاكرة إنه مجرد إهانة صغيرة، لكن فجأة حسيت إنه بقى علامة على حاجة أكبر بكتير.
بعد حوالي عشر دقايق، كريم رجع ومعاه سلمى.
وشها كان شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
قعدت قدامي، وطلعت من درج السفرة ظرف بني قديم، وحطته بيني وبينها.
وقالت:
«قبل ما تحكمي عليا، لازم تشوفي اللي جواه».
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لكريم.
كان واقف مش فاهم حاجة، وبيقول:
«هو فيه إيه يا سلمى؟ إنتِ مخبية عني إيه؟»
لكنها مردتش عليه.
فتحت الظرف بإيد بتترعش، وطلعت منه صورة قديمة، وورقة مكتوبة بخط إيد، وإيصال أصفر لونه باهت من الزمن.
أول ما عيني وقعت على الصورة، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
الصورة كانت ليا.
أنا، من أكتر من خمسة وعشرين سنة، واقفة قدام بيت قديم، وجنبي ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
الست دي كانت اسمها منى.
منى اللي كانت بتشتغل عندي زمان.
منى اللي اختفت من حياتي فجأة، ومن يومها وأنا ما سمعتش عنها أي خبر.
رفعت عيني لسلمى، وقلت بصوت متقطع:
«إنتِ جبتي الصورة دي منين؟»
سلمى مسحت دموعها وقالت:
«دي صورة أمي… وأنا البنت اللي في حضنها».
حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.
بصيت لأم سلمى اللي كانت قاعدة على الناحية التانية من السفرة. ملامحها اتغيرت عن زمان؛ سنين الشغل والتعب كبرت وشها، وشعرها اللي كان أسود بقى أغلبه أبيض، عشان كده ما عرفتهاش من أول نظرة.
لكنها غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
كريم بصلي وقال:
«ماما، إنتِ تعرفي أم سلمى من زمان؟»
ما قدرتش أرد.
لأن عقلي رجع بيا لليوم اللي منى اختفت فيه من بيتنا، ولليلة اللي اكتشفت فيها إن علبة دهبي مش موجودة.
يومها كنت متأكدة إن منى هي اللي أخدتها.
اتصلت بيها، ولما مردتش، روحت بيتها، ولقيت البيت فاضي، والجيران قالولي إنها مشيت هي وبنتها.
أنا يومها اعتبرت إن ده دليل على إنها كانت غلطانة.
ومع مرور السنين، نسيت الموضوع، أو يمكن أقنعت نفسي إني نسيته.
لكن سلمى كانت بتبصلي دلوقتي بنفس النظرة اللي كانت بتبصلي بيها من أول زيارة.
نظرة واحدة عارفة حاجة أنا مش عايزاها تظهر.
قولتلها بصوت مخنوق:
«أمك أخدت دهبي ومشيت. أنا مش هكدب عليكي».
سلمى هزت راسها ببطء، وفتحت الورقة القديمة.
وقالت:
«أمي ما أخدتش دهبك يا طنط نادية».
وبعدين دفعت الورقة ناحيتي.
«دي الورقة اللي إنتِ كتبتيها بإيدك يوم ما حصل الخلاف بينك وبين أمي».
بصيت للورقة، ولقيت خط إيدي فعلًا.
لكن اللي كان مكتوب فيها خلاني أتجمد مكاني.
كانت ورقة بخط إيدي بتثبت إني استلمت من منى مبلغًا ماليًا، مقابل إنها سابت شغلها عندي، وإنها مش مطالبة بأي مستحقات تانية.
المبلغ كان كبير بالنسبة لوقتها.
لكن أنا عمري ما افتكرت إني دفعتلها فلوس.
قلت بذهول:
«الورقة دي ممكن تكون مش صحيحة!»
سلمى ردت بهدوء موجع:
«كنت عارفة إنك هتقولي كده».
وبعدين طلعت الإيصال الأصفر.
«ده إيصال قديم، عليه توقيعك وتوقيع شاهد. وأمي احتفظت بيه طول السنين دي، لأنها كانت عارفة إن اليوم اللي هتظهر فيه الحقيقة هييجي».
بصيت للإيصال، وحسيت إن ذكرياتي كلها بدأت تتلخبط.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، سلمى قالت جملة خلت كريم نفسه يرجع لورا.
«يا طنط نادية، أنا ما كنتش بحطلك طبق الفوم عشان أقلل منك… أنا كنت مستنية أشوف هتفتكري أمي لوحدك، ولا هتفضلي مصممة إنك الضحية الوحيدة في الحكاية».
كريم قال بانفعال:
«إنتِ بتقولي إيه؟! وإيه علاقة طبق الفوم بكل ده؟!»
سلمى بصتله، ودموعها نزلت تاني.
«علاقتها إنك طول عمرك فاكر إن أمك ست طيبة ومظلومة، وإن أي حد يزعلها يبقى هو الغلطان. وأنا كنت محتاجة أعرف إذا كانت تقدر تعترف بغلط قديم، ولا هتفضل تنكر لآخر لحظة».
أنا قمت من مكاني وقلت:
«كفاية! أنا مش فاهمة حاجة! عايزة أعرف الحقيقة كاملة!»
سلمى سكتت شوية، وبعدين بصت لأمها وقالت:
«ماما، احكي إنتِ».
منى رفعت وشها من بين إيديها، وبصتلي.
كان في عينيها وجع سنين، وجع أكبر من إني أقدر أستحمله.
وقالت:
«يا نادية، أنا ما كنتش جاية أطلب منك فلوس، ولا كنت عايزة أرجع أشتغل عندك. أنا كنت جاية من سنين عشان أقولك إن اللي حصل زمان كان ظلم، وإن بنتي كبرت وهي شايلة ذنب حاجة ما عملتهاش».
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
منى كملت:
«يوم ما اتهمتيني بأخذ دهبك، كنت أنا اللي لقيت علبة دهبك في درج التسريحة، وكنت هاجي أقولك. لكن قبل ما أقدر أتكلم، إنتِ دخلتي عليا وفضلتي تزعلي وتتهميني قدام الناس. ولما حاولت أوضحلك إني ماليش ذنب، قلتيلي لو ما مشيتش من البيت هتتصرفي معايا بطريقة تضرني».
«أنا؟! أنا عملت كده؟!»
قالت:
«أيوه. وبعدها بأسبوع، لقيت العلبة في شنطة هدومك القديمة، لما كنتِ بتجهزيها عشان توديها لبيت أختك.
كنتِ نسيتي إنك حطيتيها هناك».
حطيت إيدي على بقي.
افتكرت اليوم ده.
افتكرت إني لقيت علبة الدهب فعلًا، وإن وقتها قلت لنفسي إني يمكن كنت نقلتها ونسيّت.
لكن بدل ما أرجع لمنى وأعتذر، قلت لنفسي إنها أكيد كانت أخدتها ورجعتها لما قلقت.
أنا اللي صنعت الحكاية دي في دماغي، وصدقتها لدرجة إني نسيت إنها مجرد شك.
منى كملت بصوت مكسور:
«أنا مشيت من بيتك وأنا مكسورة. الناس في الشارع كانوا بيبصوا لي كأني عملت حاجة غلط، وأهلي نفسهم صدقوا إني مش أمينة. واضطريت أسيب شغلي، وأنقل من المنطقة، وأبدأ من الصفر مع بنتي».
سلمى مسكت إيد أمها وقالت:
«وأنا كبرت وأنا بشوف أمي بتعيط كل ما تسمع اسمك. كانت بتقول لي إنها مش عايزة ترد الأذى، لكنها نفسها تسمع منك كلمة واحدة: أنا ظلمتك».
أنا بصيت لسلمى، وقلت:
«طب وإنتِ اتجوزتي ابني ليه؟! كنتِ عارفة من الأول أنا مين؟»
سلمى سكتت لحظة، وبعدين قالت:
«أنا طبعًا عرفتك من أول مقابلة، وشوفتك في الخطوبة والفرح. لكن إنتِ ما عرفتيش أمي لما قابلتيها، لأن ملامحها اتغيرت جدًا من يوم ما سابت بيتك. الصورة القديمة هي اللي رجّعتلك شكلها زمان وربطتِ بين أم سلمى اللي قدامك ومنى اللي حصل معاها الخلاف زمان».
كريم بص لها بذهول.
«يعني إنتِ كنتِ عارفة كل ده وسكتي؟»
قالت:
«كنت محتارة. أنا ما كنتش عايزة أحمّلك مسؤولية حاجة حصلت قبل ما تتجوزني، ولا كنت عايزة أعيش عمري كله وأنا شايلة سر أمي. قلت يمكن لما أدخل بيتكم، ألاقي إن الحكاية مش زي ما أمي فاكرة، ويمكن ألاقي فرصة إن الحقيقة تظهر من غير ما أجرح حد».
وبعدين بصتلي وقالت:
«لكن من أول يوم، لما شفتك بتتكلمي عن أمي كأنها أخطأت في حقك، فهمت إنك لسه مصدقة نفس الحكاية. ولما جيت عندكم في زيارة، وسمعتك بتحكي لواحدة من قرايبك إنك طول عمرك ما ظلمتيش حد، قررت إني لازم أواجهك».
أنا قعدت على الكرسي، وكنت حاسة إن كل كلمة بتقولها بتكشف جزء من شخصيتي أنا كنت بداريه حتى عن نفسي.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه مش فاهمة إجابته.
قلت لها:
«طب طبق الفوم ليه؟ ليه كل المعاملة دي؟ ما كنتِ تقدري تتكلمي معايا من غير ما تعملي كده!»
سلمى نزلت عينيها، وسكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت:
«عندك حق. وأنا مش هبرر لنفسي. كنت زعلانة، وكنت عايزة أخليكي تحسي ولو بجزء صغير من الإحساس اللي أمي عاشته لما اتعاملتي معاها كأنها أقل من باقي الناس. لكن كل مرة كنت بحطلك الطبق، كنت برجع البيت وأنا مش مرتاحة. كنت بسأل نفسي إذا كنت كده بقيت شبه الشخص اللي زعلانة منه».
بصتلي وكملت:
«أنا غلطت لما استخدمت الطبق عشان أوجعك بدل ما أواجهك بالحقيقة. كان المفروض أتكلم معاكي من الأول، مش أسيبك محتارة ومكسورة الخاطر».
كلامها وجعني، لكنه كان صادق.
لأول مرة من يوم ما دخلت بيتها، حسيت إن فيه حد قدامي مش بيحاول يكسب نقاش، لكنه بيحاول يوصل للحقيقة.
كريم كان واقف ساكت، وعينيه بتتنقل بيني وبين سلمى وأمها.
وفجأة قال:
«يعني أنا اتجوزت واحدة من غير ما أعرف إن أمي كانت سبب في وجع أمها طول السنين دي؟»
سلمى ردت:
«إنت مالكش ذنب يا كريم، وأنا عمري ما حاسبتك على حاجة ما عملتهاش. لكن كان لازم تعرف الحقيقة».
كريم بصلي، وقال بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده:
«ماما، هو الكلام ده حقيقي؟»
فتحت بقي عشان أنكر، لكن الكلمات ما خرجتش.
لأني لأول مرة فهمت إن المشكلة مش في إنهم اتهموني، المشكلة إني كنت مستعدة أدافع عن نفسي حتى لو الحقيقة مش في صالحي.
بصيت لمنى وقلت:
«أنا مش فاكرة كل التفاصيل، لكن فاكرة إني اتهمتك، وفاكرة إني ما رجعتش أعتذرلك لما لقيت علبة الدهب. أنا مش هقدر أقول إني ما ظلمتكيش، لأن ده هيكون ظلم تاني ليكي».
منى بصتلي ودموعها بتنزل.
أنا قربت منها وقلت:
«سامحيني يا منى. أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هترجعلك السنين اللي ضاعت، ولا هتمسح كلام الناس اللي سمعتيه بسببي. بس أنا فعلًا آسفة».
منى ما ردتش بسرعة.
فضلت باصة لي، وبعدين قالت:
«أنا مش مستنية منك فلوس يا نادية، ولا مستنية ترجعيلي اللي فات. أنا بس كنت عايزة بنتي تعرف إن أمها ما كانتش غلطانة».
سلمى بكت من شدة التأثر، وكريم قرب منها يحاول يهديها، وأنا وقفت مش عارفة أعمل إيه.
فضلت باصة لمنى ومش عارفة أقول إيه.
كل اللي كنت محتاجة أقوله بقى واضح، لكن وضوح الحقيقة ما كانش معناه إن الوجع اختفى.
منى ما كانتش محتاجة ورق جديد يثبت براءتها قد ما كانت محتاجة تسمع مني اعتراف صريح إني ظلمتها.
قعدنا اليوم ده ساعات نتكلم.
كريم اعتذر لسلمى لأنه ما كانش عارف حاجة، وسلمى اعتذرتلي عن طبق الفوم، وأنا اعتذرت لمنى عن ظلم قديم كنت فاكرة إنه انتهى.
لكن الاعتذارات ما خلتش كل حاجة ترجع زي الأول في يوم وليلة.
منى كانت لسه موجوعة، وسلمى كانت لسه محتاجة وقت عشان تثق فيا، وأنا كنت محتاجة أتعلم إزاي أسمع الحقيقة من غير ما أحاول أدافع عن نفسي طول الوقت.
قبل ما أمشي، دخلت المطبخ، وجبت طبق صيني أبيض، وحطيته قدام منى.
وقلت لها:
«الطبق ده كان المفروض يتحط قدامك من خمسة وعشرين سنة، مش النهارده بس».
منى بصت للطبق، وبعدين بصتلي.
وقالت:
«أنا مش زعلانة من طبق يا نادية. أنا زعلانة من اليوم اللي حسيت فيه إن كرامتي ملهاش قيمة عند حد».
الكلمة دي فضلت ترن في ودني طول الطريق.
بعدها بأسبوع، اتصلت بسلمى وطلبت منها أزورهم.
قالتلي:
«تعالي يا ماما، البيت بيتك».
روحت، ولما دخلت لقيت السفرة جاهزة.
كل واحد قدامه طبق صيني.
وهي حاطة قدامي طبق زيهم بالضبط.
بصيت للطبق، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
سلمى قربت مني وقالت:
«أنا آسفة يا ماما. مش عايزاكي تفتكري إنك محتاجة تثبتيلي إنك تستاهلي طبق زي باقي الناس. كان المفروض أديكي احترامك من أول يوم، حتى وأنا زعلانة من اللي حصل زمان».
حضنتها، وقلت لها:
«وأنا مش عايزاكي تنسي وجع أمك عشان خاطري. كل اللي أتمناه إننا نبدأ من جديد، بس المرة دي من غير أسرار ولا أحكام مسبقة».
ومن يومها، علاقتنا بدأت تتغير.
مش بقينا أسرة مثالية، ولا كل الخلافات اختفت، لكن بقينا بنتكلم بدل ما نوجع بعض في صمت.
ومنى بدأت تزور بنتها من غير ما تحس إنها مضطرة تخبي وجعها أو تداريه.
أما أنا، فكل ما أشوف طبق الفوم في أي مكان، أفتكر إن فيه حاجات صغيرة ممكن تكون وراها حكايات كبيرة، وإن الإنسان ساعات بيقضي عمره كله يدافع عن صورته قدام الناس، وينسى يسأل نفسه إذا كان فعلًا على حق.
تمت…
#حكايات_واقعية #قصة_وعبرة #حكايات_من_الحياة




