عام

فلاح لقي طفلة

حسن كان ساكن لوحده في بيت صغير من الطوب اللبن من ساعة  والدته من تمن سنين. كان قليل الكلام، محترم في قريته الصغيرة، لكن غالبية الناس ما كانوش حاسين بوجوده من الأساس، كأنه ضل خفيف بيمر كل يوم من غير ما يسيب أثر. الترعة كانت معروفة بمياها الغادرة، لكن حسن كان حافظ كل حجر فيها. في الصباح ده، الضباب كان لسه مغطي الزرع وهو نازل بجرادل الطين بتاعته. قبل ما يوصل للمية، ريحة غريبة وقفته. مش ريحة تراب  ولا ورق ناشف، ريحة دافية ومختلفة. بعد ثواني، سمع صوت ضعيف جدًا، صوت أقرب لأنين مكتوم. ساب الجرادل ومشي ناحية شجرة كافور عجوزة على

 

الشط. هناك، بين الجذور البارزة، لقى طفلة صغيرة. كانت ملفوفة في قماشة غريبة، كفن أحمر مطرز يدوي بخيوط دهبية، حاجة غالية وجميلة جدًا ومش متناسقة خالص مع الطين والبرد والبيئة القاسية دي. البنت كانت لسه مولودة من ساعات، بتحرك إيدها الصغيرة في الهوا بتدور على أي دفا. حسن اتجمد مكانه، الدنيا وقفت حواليه للحظة، وبإيدين  من البرد والمفاجأة، شالها. كانت بتوزن حوالي اتنين كيلو بس، لكن في حضن الراجل الوحيد ده، حس إنها تقيلة كأنها وزن الدنيا كلها، وكأن روحه اللي كانت مطفية رجعت تنبض من تاني.

من غير ما يفكر مرتين،

جرى على بيته، ركب حماره وساق بأقصى سرعة لعيادة القرية. هناك كانت موجودة الحاجة فاطمة، ممرضة القرية وحكيمتها من ستاشر سنة، الست اللي كل الناس بتثق فيها وبتعتبرها سىىرها. أول ما شافت حسن وإيديه المرتجفة وهو شايل البنت بالكفن الأحمر، عينيها وسعت ووشها بهت للحظة، نظرة غريبة ما فهمهاش حسن وقتها، لكنها بسرعة تمالكت نفسها وسيطرت على الموقف وبدأت تدفي البنت وتفحصها.
المعركة اللي بدأت بعد كده عشان حسن يقدر يخلي البنت معاه كانت قاسية. واجه جلسات مع الرعاية الاجتماعية،

وتحقيقات، ونظرات استغراب واحتقار من بعض الناس إزاي راجل أعزب وفقىىير وعايش لوحده هيربي طفلة رضيعة. لكن الحاجة فاطمة وقفت جنبه، وشهدت لصالحه، وبذلت مجهود كبير عشان تقنع المسؤولين، وبعد شهور من الورق والروتين المرهق، أخد حسن حق الرعاية المؤقتة. سماها “نور”، لأنها ببساطة كانت النور الوحيد اللي شق عتمة أيامه، والسبب اللي خلاه يضحك من قلبه لأول مرة من سنين.

الأيام جريت، والشهور بقت سنين. عشر سنين كاملة مرت على اليوم ده. نور كبرت وبقت ضل حسن في الأرض وفي البيت. كانت بتجري حافية بين العيدان، ضحكتها بتملى الفضا، وبتتعلم تقرأ وتكتب، وحسن كان بيحرم نفسه من اللقمة عشان يجيب لها أحسن حاجة يقدر عليها.

حياتهم كانت بسيطة، فقيرة، لكنها مليانة رضا وحب صافي مافيهوش أي مصلحة. الحاجة فاطمة كانت دايماً موجودة في الصورة، بتزورهم كل فترة، وتطمن على نور، وحسن كان بيعتبرها زي والدته ومخبأ أسراره، وممتن ليها طول العمر إنها ساعدته يخلي نور في حضنه. لكن القدر كان مخبي اختبار أقسى من كل اللي فات. في يوم من أيام الشتا، كان حسن

 

بينضف صندوق خشب قديم فوق الدولاب عشان يطلع بطاطين تقيلة لنور. وهو بيقلب في الكراكيب، لقى القماشة الحمرا المطرزة اللي نور كانت ملفوفة فيها يوم ما لقاها. نور لمحته وهو ماسكها، وسألته ببراءة عن القماشة الحلوة دي. حسن حس بغصة في قلبه، وقرر لأول مرة ياخد القماشة ويروح للحاجة فاطمة، يسألها يمكن بحكم خبرتها في بيوت القرية تعرف التطريز ده بتاع مين، أو مين العيلة اللي ممكن تكون رمت بنتها بالشكل ده.

لما دخل حسن على الحاجة فاطمة وطلّع القماشة، حصلت حاجة غريبة. أول ما عينيها وقعت على الكفن الأحمر، وشها جاب ألوان، إيديها ارتعشت بشكل ملحوظ، وبلعت ريقها بصعوبة. حاولت تداري ارتباكها بسرعة وقالتله بصوت مهزوز إن دي مجرد قماشة غجرية قديمة مالهاش أصل ولا فصل، وإن الأفضل يحرقها عشان ما تفكرش البنت بماضيها. لكن حسن، بحكم فطرته كفلاح متعود يقرأ علامات

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى