عام

طلبوا منه مراته الحامل

كان واقف قدام نعش مراته سارة، اللي عندها 31 سنة وكانت حامل في شهرها السابع. حواليه ورد أبيض وشموع وناس بتردد كلام العزاء المعتاد، لكن هو ماكانش قادر يصدق إن كل حاجة انتهت بالشكل ده.
سارة كانت مُدرسة ابتدائي، من الناس اللي بتحب شغلها بجد، وكانت دايمًا تشتري احتياجات التلاميذ من فلوسها عشان محدش يحس بالنقص.
وفي بطنها كان يوسف، الطفل اللي أحمد كان مستنيه بفارغ الصبر.
الليلة اللي قبلها، الساعة 11 بالليل تقريبًا، جاله اتصال قلب حياته.
مدام سارة عملت حادثة على الطريق الصحراوي.
قالوله إن المطر كان شديد، والعربية اتزلقت وخبطت في سور خرساني، وإنها مىاتت في الحال.
كل حاجة كانت ماشية بسرعة غريبة وكأنها مترتبة من قبل.

لما وصل مكان الحادث ما سابوش يقرب، شاف عربيات الشرطة والأضواء منعكسة على الأرض المبلولة، وشاف عربية مراته متغطية بالكامل.
وشاف كمان كريم، أخو سارة الكبير.
كان واقف جنب الضباط، هدومه مبلولة من المطر، لكن ملامحه ماكانتش ملامح واحد خسر أخته.
كان متوتر… ومترقب.
قرب منه وقال
اللي حصل كان فظيع يا أحمد… بلاش تسأل كتير. خلاص، مفيش حاجة تتعمل.
الجملة دي فضلت ترن في دماغه طول الوقت.
دلوقتي، في المحرقة، كانت أم سارة قاعدة بتعيط وماسكة السبحة، بينما كريم واقف في آخر القاعة وعينه على موبايله كل شوية.
جه موظف ومعاه ورقة وقال

لازم تمضي هنا عشان نبدأ الإجراءات.
بص أحمد للقلم وكأنه سكىين.
وقال
عايز أشوفها مرة أخيرة.
الموظف حاول يعتذر، لكن أحمد أصر.
سكتت القاعة كلها.
كريم اتدخل بسرعة
بلاش يا أحمد… مش هتحب تشوفها بالشكل ده.
رد عليه من غير ما يبصله
إنت متقوليش سارة كانت عايزة

إيه.
فتحوا النعش.
وظهر وش سارة الشاحب، نايمة كأنها بتنام نوم عميق.
أحمد قرب منها وهو بيترعش.
وفجأة…
لاحظ حاجة.
بطنها اتحركت.
حركة بسيطة جدًا.
افتكر إنه بيتخيل.
لكن بعد ثواني…
البطن اتحركت تاني.
المرة دي أوضح.
رفع رأسه وهو بيصرخ
وقفوا كل حاجة! اتصلوا بالإسعاف! ابني عايش!
بعض العاملين قالوا إنها ممكن تكون غازات أو رد فعل طبيعي بعد الوفاة.
لكن أحمد ما سمعش كلام حد.
حط إيده على بطن مراته وقرب ودنه وهمس
يوسف… استحمل يا حبيبي… بابا هنا.
في اللحظة دي أم سارة وقعت على ركبها من الصدمة.
والكل اتراجع بخوف.
إلا كريم.
كريم أخد خطوة للخلف ناحية الباب.
وأحمد شافها.
وشاف في عينيه حاجة أخطر من الخوف.
شاف الذعر.
وفي ثانية واحدة فهم إن أخو مراته ما اتفاجئش من الحركة.
كأنه… كان عارف.
وبرا المكان بدأت صفارات الإسعاف تقرب.
وماحدش كان يعرف إن اللي جوه النعش مش مجرد سر عن الموت…
لكن بداية خيانة مرعبة هتقلب حياة العيلة كلها.
بقلم_زيزي_احمد
أحمد جرى ناحية المسعفين قبل ما العربية تقف بالكامل.
ابني عايش! أنا متأكد!
المسعفون دخلوا بسرعة، وبدأوا يفحصوا سارة قدام الكل.
القاعة كلها بقت ساكتة.
حتى صوت العياط وقف.
كل العيون كانت متعلقة بالطبيب وهو بيحط الجهاز على بطن سارة.
ثواني…

ثواني طويلة جدًا.
وفجأة الطبيب رفع رأسه وقال
لازم ننقلها المستشفى حالًا.
اتجمد أحمد مكانه.
يعني إيه؟
الطبيب ما ردش مباشرة.
لكن ملامحه كانت بتقول إن فيه حاجة خطيرة جدًا.
في اللحظة دي كريم حاول يخرج من الباب بهدوء.
لكن أحمد لمحه.
رايح فين؟
كريم اتوتر.
هروح وراكم المستشفى.
استنى مكانك.
لأول مرة كريم ما عرفش يبص في عينيه.
وهو بيتكلم كانت إيده بتترعش بشكل واضح.
المسعفون نقلوا سارة بسرعة للعربية، وأحمد ركب معاهم.
لكن قبل ما الباب يتقفل…
شاف حاجة غريبة.
تليفون سارة.
كان محطوط جوه النعش تحت الغطا.
رغم إن الشرطة قالت وقت الحادث إن كل متعلقاتها اتحرزت.
خطف التليفون بسرعة وحطه في جيبه.
ولما وصلت العربية لنص الطريق، فضوله غلبه.
فتح الموبايل.
كان مقفول ببصمة الوجه.
لكن بمجرد ما وجهه ناحية سارة…
الموبايل اتفتح.
أحمد بدأ يقلب في الرسائل.
وفي أول دقيقة لقى حاجة خلت الدم يهرب من وشه.
محادثة كاملة بين سارة وشخص مجهول محفوظ باسم
م ك

آخر رسالة كانت قبل الحىادث بساعة واحدة فقط.
لو أحمد عرف الحقيقة كلنا هنضيع.
وتحتها مباشرة رد
متقلقيش… بعد بكرة كل حاجة هتخلص.
إيد أحمد بدأت ترتعش.
نزل أكتر في المحادثة.
ولقى تحويلات مالية بمبالغ ضخمة.
وصور لمستندات.
ورسائل صوتية محذوفة.
لكن أخطر حاجة كانت صورة واحدة.
صورة متاخدة من كاميرا مراقبة.
الصورة فيها سارة…
وكريم…
واقفَين قدام شخص تالت.
شخص أحمد يعرفه كويس جدًا.
لدرجة إنه كان بيعتبره فرد من العيلة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الشخص نفسه…
الصدمة كانت في التاريخ المكتوب على الصورة.
لأن الصورة اتصورت بعد وفاة الشخص ده بثلاث شهور كاملة.
أحمد حس إن أنفاسه بتتقطع.
إزاي؟
إزاي واحد مات من شهور يظهر في صورة جديدة؟
وقبل ما يستوعب اللي شايفه…
وصل إشعار جديد على موبايل سارة.
رسالة جاية من نفس الرقم المجهول.
رسالة اتبعت حالًا.
وكان مكتوب فيها
عرفتوا تنقلوا الجثة قبل ما حد يفتح النعش؟
أحمد بص للرسالة…
ثم بص لسارة الممددة قدامه…
وحس لأول مرة إن الحادثة كلها يمكن ما تكونش حادثة أصلًا.
وإن الشخص اللي باعت الرسالة لسه ما يعرفش إن الخطة بدأت تنهار…
وإن أحمد بقى ماسك أول خيط في سر أكبر بكتير مما تخيل.
وفي نفس اللحظة…

رن تليفون سارة.
والاسم اللي ظهر على الشاشة خلّى قلب أحمد يقف من الرعب…
لأن المتصل كان مسجل باسم
يوسف.
رغم إن يوسف… لسه ما اتولدش أصلًا أحمد فضل باصص للشاشة كأنه مش مستوعب اللي شايفه.
يوسف يتصل…
إيده كانت بتترعش.
رد على المكالمة وهو حابس نفسه.
لكن ما اتكلمش.
جاله صوت راجل.
صوت خشن وواطي.
النقل تم؟
أحمد سكت.
الراجل كمل بسرعة
رد عليا يا كريم… إنت سامعني؟
كريم!
يعني صاحب الرقم كان فاكر إنه بيكلم كريم.
أحمد قفل الخط فورًا قبل ما الراجل يحس بحاجة.
وقلبه بقى يدق بعنف.
كل حاجة بدأت تتربط ببعضها.
كريم…
الرسائل…
والخوف اللي كان ظاهر في عينيه.
لكن السؤال الأهم كان
ليه الرقم متسجل باسم يوسف؟

فتح بيانات الرقم.
ولقى ملاحظات محفوظة تحت الاسم.
مجرد سطر واحد.
سطر قصير جدًا.
لكن معناه كان مرعب.
الملف الخاص بيوسف.
أحمد حس ببرودة بتسري في جسمه.
وقبل ما يلحق يفكر أكتر وصلوا المستشفى.
الدكاترة خدوا سارة بسرعة على غرفة العمليات.
وأحمد فضل واقف برا.
بعد حوالي نص ساعة خرج طبيب كبير في السن.
ملامحه كانت متجهمة.
حضرتك جوز المريضة؟
أيوة.
إحنا محتاجين نعرف بالضبط حصل إيه قبل الحادث.
ليه؟
الدكتور بص حواليه قبل ما يرد.
لأن فيه حاجة مش منطقية.
اتجمد أحمد.
إيه هي؟
الدكتور أخد نفس طويل.
إصابات الحادث موجودة فعلًا… لكن في آثار حقنة قوية جدًا في جسمها.
حقنة؟
نوع من الأدوية بيستخدم لتخدير الحيوانات الكبيرة أحيانًا.
أحمد حس الأرض بتميل تحته.
يعني سارة ما فقدتش السيطرة على العربية لوحدها.
حد خدرها.
حد كان عايز الحادثة تحصل.
وفي اللحظة دي لمح كريم داخل المستشفى.
كان واقف آخر الممر.
ولأول ما عينه جت في عين أحمد لفّ بسرعة ومشى.
أحمد جرى وراه.
لكن كريم اختفى وسط الزحمة.
وفجأة وهو بيدور عليه…
سمع صوت ست بتناديه.
أستاذ أحمد!
لف بسرعة.

كانت ممرضة.
وشكلها مرعوب.
حضرتك لازم تشوف الحاجة دي حالًا.
دخل وراها أوضة صغيرة.
الممرضة قفلت الباب.
وأخرجت ظرف بني قديم.
الظرف ده كان مربوط تحت هدوم مدام سارة.
أخده منها بسرعة.
وكان مكتوب عليه بخط إيد سارة
لو بتقرأ الرسالة دي… يبقى أنا فشلت.
شهق أحمد.
وفتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
الورقة كانت مليانة أسماء وتواريخ.
وفي آخرها جملة مكتوبة بخط مرتعش
لو حصلي حاجة… متصدقش كريم.
لكن تحت الجملة دي مباشرة كان
فيه اسم تاني.
اسم خلى أحمد يحس إن قلبه وقف.
لأن الاسم ما كانش لشخص غريب.
ولا لعدو.
ولا حتى لقريب بعيد.
كان اسم أبوه هو.
الحاج محمود أحمد عبدالعال.
أبوه.
الراجل اللي واقف دلوقتي برا المستشفى بيعيط على مراته وبيطبطب عليه.
والاسم كان متحطوط في أول القائمة…
كأنه أهم شخص في السر كله أحمد فضل ماسك الورقة بإيده، وعينيه ثابتة على اسم أبوه.
مش قادر يستوعب.

الحاج محمود؟
الراجل اللي عمره ما رفع صوته عليه؟
الراجل اللي كان بيعتبر سارة بنت من بناته؟
إزاي اسمه يبقى مكتوب في رسالة زي دي؟
رفع رأسه بسرعة للممرضة.
إنتِ متأكدة إن الظرف ده كان مع سارة؟
هزت رأسها.
لقيته متخبي كويس جدًا تحت بطانة هدومها، وكأنها كانت خايفة حد يلاقيه.
خرج أحمد من الأوضة وهو حاسس إن الدنيا كلها بتلف حواليه.
أول حاجة عملها إنه راح يدور على أبوه.
لقاه قاعد في آخر الممر، ساند رأسه على الحيطة.
أول ما شافه قام بسرعة.
طمني يا ابني… سارة عاملة إيه؟
أحمد بص له طويل.
طويل جدًا.
لدرجة إن الحاج محمود بدأ يتوتر.
مالك؟ بتبصلي كده ليه؟
لكن أحمد ما ردش.
لأنه في نفس اللحظة افتكر حاجة.
حاجة صغيرة جدًا كان نسيها من شهور.
قبل الحادث بحوالي أسبوعين…
سارة كانت مصممة إنها تقابله لوحده.
وكانت متوترة بشكل غريب.
قالتله وقتها
لو حصل لي حاجة… أوعى تثق في أي حد بسهولة.
ضحك وقتها وافتكرها مجرد مخاوف حمل.
لكن دلوقتي…
الكلام رجعله بكل تفاصيله.
وفجأة رن موبايله.
رقم خاص.
رد بسرعة.
وجاله نفس الصوت الخشن اللي كلمه قبل كده.
لكن المرة دي الراجل كان منفعل.
كريم اختفى!
اتسعت عيون أحمد.

الراجل كمل
وإنتوا فتحتوا النعش… صح؟
سكت أحمد.
اسمعني كويس… لو عايز تعرف الحقيقة، روح مخزن العائلة القديم قبل ما حد يوصله.
مين إنت؟
لكن الخط اتقفل.
في اللحظة دي بالضبط…
وصل إشعار على موبايل سارة.
رسالة جديدة.
من رقم مجهول.
وفيها صورة فقط.
أحمد فتحها.
واتجمد مكانه.
الصورة كانت متصورة من كاميرا مراقبة داخل المخزن القديم.
وتاريخها…
منذ عشر دقائق فقط.
وفي الصورة ظهر كريم.
لكنه ماكانش لوحده.
كان واقف قدام خزنة حديد ضخمة.
وبجانبه شخص لابس كاب أسود ومخبي وشه.
لكن الشيء اللي خلى أحمد يحس إن قلبه هيقف…
إن الشخص ده كان ماسك في إيده ملف مكتوب عليه بخط واضح
الحقيقة الكاملة عن يوسف.

وفي أسفل الصورة مباشرة، كان فيه تعليق مرسل مع الصورة
لو الملف ده اختفى… عمرك ما هتعرف ابنك الحقيقي مين.
وأحمد ساعتها حس إن السر اللي بيطاردهم من يوم الحادث أكبر بكتير من مجرد محاولة قتل…
وإن اسم يوسف نفسه يمكن ماكانش مجرد اسم طفل لسه ما اتولدش أحمد حس إن أنفاسه بقت تقيلة.
عمرك ما هتعرف ابنك الحقيقي مين.
الجملة كانت بتدور في دماغه بشكل مرعب.
إيه معنى ابنك الحقيقي؟
يوسف ابنه هو وسارة… صح؟
ولا فيه حاجة تانية مخبية عنه؟
بص للصورة مرة واتنين.
وكبرها على الموبايل.
ولاحظ تفصيلة صغيرة ما انتبهلهاش في الأول.
الخزنة الحديد كان عليها ملصق قديم باهت.
مكتوب عليه
مؤسسة الأمل لرعاية الأطفال.
الاسم ضرب في ذاكرته فجأة.
المؤسسة دي كانت دار أيتام قديمة اتقفلت من سنين.
والأغرب من كده…
إن سارة كانت بتروح هناك أحيانًا في أعمال خيرية قبل جوازهم.
لكنها عمرها ما حكتله تفاصيل كتير عنها.
وفجأة افتكر حاجة تانية.
مرة من حوالي سنة، صحي بالليل ولقي سارة قاعدة لوحدها بتعيط.
ولما سألها قالت
في أسرار لو طلعت هتوجع ناس كتير.
وقتها افتكرها بتتكلم عن مشاكل عائلية.
دلوقتي بقى مش متأكد من أي حاجة.
قرر يروح المخزن فورًا.
لكن قبل ما يخرج من المستشفى، استوقفه الدكتور.
وشكله كان أخطر من أي وقت فات.
أستاذ أحمد… لازم تيجي معايا.
دخل المكتب.
والدكتور قفل الباب.
وأخرج تقرير أشعة.
حطه قدامه.
في حاجة غريبة جدًا.
أحمد بلع ريقه.
إيه؟
الدكتور أشار لصورة الأشعة.
إحنا اكتشفنا إن سارة كانت عاملة عملية جراحية كبيرة من حوالي 8 شهور.
عملية إيه؟!
للأسف مش واضح نوعها بالكامل.
ثم أشار لمكان معين.
لكن الواضح إنها كانت متعمدة تخفيها عن أي حد.
أحمد اتجمد.

ثمان شهور؟
يعني وهي حامل تقريبًا.
إزاي ما عرفش؟
وإزاي ما قالتش له؟
خرج من عند الدكتور وهو تايه أكتر من الأول.
وركب عربيته وجرى على المخزن القديم.
المكان كان مهجور.
الحديد مصدي.
والتراب مغطي كل حاجة.
لكن باب المخزن كان مفتوح.
لسه مفتوح.
كأن حد دخل من دقائق.
أحمد دخل بحذر.
الظلام مالي المكان.
وفجأة سمع صوت حركة.
فرفع كشاف الموبايل.
وكانت الصدمة.
كريم.
واقف قدام الخزنة.
ووشه شاحب جدًا.
ولأول ما شاف أحمد رفع إيده وقال بسرعة
اسمعني قبل ما تحكم عليا!
إنت اللي عملت كده في أختك؟
لا!
يبقى كنت بتستخبى ليه؟
كريم بلع ريقه.
وبص حواليه بخوف.
لأن اللي قتل سارة موجود بينا لحد دلوقتي.
مين؟
كريم فتح الخزنة بسرعة.
وأخرج ملف سميك مليان أوراق وصور.
ثم رماه ناحية أحمد.
اقرأ أول صفحة.
فتح أحمد الملف.
وكان أول شيء فيه…
شهادة ميلاد.
لكن مش شهادة ميلاد يوسف.
ولا شهادة ميلاد سارة.
كانت شهادة ميلاد باسمه هو.
باسم
أحمد محمود عبدالعال.
لكن خانة الأب…

ماكانش مكتوب فيها اسم الحاج محمود.
كان مكتوب اسم راجل تاني تمامًا.
راجل أحمد عمره ما سمع عنه قبل كده.
وفي اللحظة اللي رفع فيها رأسه مصدومًا…
سمع صوت تصفيق بطيء جاي من آخر المخزن.
تصفيق شخص كان بيتفرج عليهم من البداية.
ولما وجه الكشاف ناحية الصوت…
ظهر رجل مسن خارج من الظلام.
وبجانبه…
الحاج محمود.
والاتنين كانوا بيبصوا لأحمد وكأن اللحظة اللي خافوا منها طول عمرهم وصلت أخيرًا أحمد حس إن رجليه مش شايلينه.
بص لأبوه… أو للراجل اللي كان فاكر إنه أبوه طول عمره.
الحاج محمود واقف ساكت، ووشه كله حزن وتعب.
أما الراجل الغريب فكان بيبتسم ابتسامة باردة خلت أحمد يقبض على الملف بقوة.
مين ده؟
سألها وهو بيبص للحاج محمود.
لكن اللي رد كان الراجل الغريب.
أنا اللي كنت المفروض تعرفني من زمان.
كريم اتراجع خطوة للخلف.
واضح إنه هو كمان كان خايف.
أحمد صرخ
حد يفهمني! سارة في المستشفى بين الحياة والموت، ومراتي كانت مخبية أسرار، وأنتوا واقفين تتكلموا بالألغاز!
الحاج محمود أخيرًا رفع رأسه.
وعينيه كانت مليانة دموع.
سامحني يا ابني.
الجملة نزلت على أحمد كالصاعقة.
طول عمره ما سمع أبوه بيقولها بالشكل ده.
سامحني لأننا كدبنا عليك.
سكت المكان كله.
ثم كمل بصوت مكسور
أنا مش أبوك الحقيقي.
أحمد حس إن الدنيا بتسود قدام عينيه.
لكن الحاج محمود أكمل بسرعة
بس أنا اللي ربيتك… وأنا اللي شلتك طفل بين إيديا… وعمري يوم ما فرقت بينك وبين روحي.
الراجل الغريب ابتسم وقال

لأن ابنك الحقيقي كان لازم يفضل مستخبي.
أحمد لف ناحيته بعىنف.
تقصد إيه؟
فتح الراجل ملفًا صغيرًا كان معاه.
وأخرج صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لطفل رضيع.
وعلى ظهرها تاريخ يرجع لأكثر من ثلاثين سنة.
ثم قال
أنت ماكنتش طفل عادي يا أحمد.
في اللحظة دي كريم شهق.
كأنه سمع الجملة دي قبل كده.
وأحمد بدأ يشعر إن كل الأسرار مترابطة بشكل مخيف.
تكلم!
الراجل قرب خطوة.
أنت كنت الشاهد الوحيد على جريمة حصلت يوم ولادتك.
أحمد بصله كأنه فقد القدرة على الفهم.
إزاي يعني؟!
لأن أمك الحقيقية ماتت وهي بتحاول تهرب بيك.
سكت لحظة.
ثم أشار للحاج محمود.
وهو أخدك ورباك باسم ابنه عشان ينقذك.
الحاج محمود أغلق عينيه.
واضح أن الكلام ده كان بيوجعه.
لكن قبل ما حد يتكلم…
سمعوا صوت موبايل بيرن.
الجميع التفت.
كان موبايل سارة.
الرقم ظهر على الشاشة.
والمرة دي الاسم كان واضح بالكامل.
يوسف الملف الرئيسي.
رن مرة.
مرتين.
ثلاث مرات.
ثم وصلت رسالة صوتية تلقائيًا.
أحمد ضغط تشغيل.
وفورًا خرج صوت سارة.
صوتها هي.

واضح جدًا.
لكن التسجيل كان قبل الحادث بأيام.
وقالت فيه
لو بتسمع الرسالة دي يا أحمد… يبقى أنا غالبًا
ماقدرتش أوصلك الحقيقة بنفسي.
تجمد الجميع.
حتى الراجل الغريب.
وسارة كملت
متصدقش أي حد… لا كريم… ولا عمي… ولا حتى أبوك.
ثم سكتت ثواني.
وأضافت بصوت مرتعش
لأن الشخص اللي بيدوروا عليه من أكتر من تلاتين سنة…
صمت قصير.
ثم قالت
هو يوسف.
الكل اتجمد.
وأحمد حس قلبه بيقف.
لأن يوسف… حسب كل اللي يعرفه… كان الجنين اللي لسه ما اتولدش.
لكن نبرة سارة كانت بتتكلم عن شخص حي.
شخص كبير.
شخص موجود بالفعل.
وفجأة انقطع التسجيل.

وكأن حد تعمد يمسح بقيته.
وفي نفس اللحظة بالضبط…
جالهم صوت باب المخزن بيتقفل بعنف من الخارج.
ثم صوت قفل حديدي ضخم.
حد كان حابسهم جوه.
وخطوات ثقيلة بدأت تقترب ببطء من الناحية التانية للمخزن…
كأن صاحبها كان مستني اللحظة دي من سنين طويلة تجمد الأربعة في أماكنهم.
صوت الخطوات كان بيقرب ببطء…
خطوة…
ثم خطوة تانية…
ثم ثالثة.
وكأن صاحبها متأكد إن محدش هيهرب.
أحمد مسك أقرب سيخ حديد كان على الأرض.
وكريم ابتلع ريقه بصعوبة.
أما الحاج محمود فبدا عليه الذعر لأول مرة.
الراجل الغريب همس
مستحيل…
إيه اللي مستحيل؟! صرخ أحمد.
لكن قبل ما يرد…
خرج شخص من بين الظلال.
رجل طويل.
شعره فيه خصلات بيضا.
وعينيه ثابتتين بشكل مرعب.
ولما شافه الحاج محمود…
رجع خطوتين للخلف.
إنت!
الرجل ابتسم.

وحشتوني.
أحمد بص حواليه.
واضح إن كل الموجودين يعرفوه.
إلا هو.
مين ده؟
لكن محدش رد.
الرجل مد إيده ناحية الملف اللي مع أحمد.
هات الملف.
لا.
الملف ده بيدمر حياة ناس كتير.
أحمد شد الملف لصدره.
والناس دي تستاهل.
ابتسامة الرجل اختفت.
وفجأة قال جملة خلت الدم يتجمد في عروق أحمد.
سارة ما عملتش حادثة.
الصمت نزل على المكان كله.
إحنا عارفين! صرخ أحمد.
لا… إنتوا لسه متعرفوش الحقيقة.
ثم بص للحاج محمود.
قولهم.
الحاج محمود أغلق عينيه.

وسقط جالسًا على صندوق خشبي قديم.
كفاية…
لكن الرجل صرخ فيه
قولهم الحقيقة كاملة!
دموع نزلت من عيون الحاج محمود.
ولأول مرة بدا كرجل منهار تمامًا.
سارة كانت هتكشف كل حاجة.
أحمد حس قلبه بيخبط بقوة.
إيه الحاجة؟
الحاج محمود رفع رأسه ببطء.
إن يوسف الحقيقي رجع.
اتسعت عيون أحمد.
يوسف الحقيقي؟!
أيوة.
كريم تدخل فجأة.

1 2الصفحة التالية
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى