قصص و روايات

المليونير جري علي المستشفي

الجزء الثاني
وقف عاصم قدام باب العناية المركزة، كأنه تمثال من حجر، ما كانش قادر يتحرك ولا ياخد نفسه بسهولة. كل ما عينه تقع على البنت الصغيرة اللي شكلها غريب تحت الأغطية والأنابيب المتصلة بجسمها، قلبه كان بيتقطع حتت حتت. البنت اللي كانت طول السنين ماشية على رجليها هادئة ما ترفع عينها فيه، اللي ما كانتش تطلب حاجة ولا تشتكي من تعب، دلوقتي هي ملقاة هناك مش قادرة تحرك إصبع واحد، وكل جهاز في الغرفة بيعلن عن مدى خطورة حالتها.

الدكتور طلع له بوجه متجهم، وقال بصوت حذر: “الحالة حرجة جداً يا باشا.. كسور في الضلوع، نزيف داخلي في البطن، ارتجاج قوي في المخ، وفقدان كمية كبيرة من الدم. هي تحارب الموت كل ثانية، ومش عارفين هتقدر تثبت ولا لا. الأجهزة بتدعمها دلوقتي، لكن الوضع ما زال خطيراً جداً”.

عاصم سمع الكلام ودمه اتجمد في عروقه، مسك الدكتور من كتفه بقبضة حديدية وقال بصوت مخنوق بالغضب والخوف: “تقولي إنها ممكن تموت؟ دي كانت هتموت عشان أنا! دي ضحت بحياتها كلها عشان تنقذني! ولازم تفضل عايشة.. مفهوم؟ كل ما تحتاجه من أموال أو أطباء أو تقنيات جابوه لها فوراً، ولا يهمك أي ثمن. لو حصلها مكروه، أنا اللي هكون ميت قبلها”. هز الدكتور راسه باحترام: “سنفعل كل ما بوسعنا يا باشا، ثق بنا”.

مقالات ذات صلة

الجزء الثالث
مرت الساعات ثقيلة كالجبال على عاصم، ما نامش ولا أكل ولا شرب، ظل قاعد في الممر قدام غرفة صابرين، كل دقيقة بتمر عليه كأنها سنة. في الصباح الباكر، جاء واحد من رجاله ومعاه كل التحريات اللي طلبها، وقف قدامه وقال باحترام: “كل حاجة جاهزة يا باشا. مكتب الاستشارات القانونية ده ملك لـ عزت العدوي، الراجل المعروف بقربه من كبار المسؤولين، واللي هو من ألد أعدائك في مجال العمل. كنا عارفين إن بينكم خلافات كبيرة بخصوص مشروعات الأراضي، لكن ما كانش عندنا دليل يثبت تورطه في أي حاجة غير قانونية. أما بخصوص القماش اللي معانا.. فهو من نوع الملابس الرسمية اللي بيصنعها المكتب لموظفيه، والطراز ده بالذات بيستخدمه فقط كبار المسؤولين عنده. ووجدنا أيضاً إن مدحت كان بياخد مبالغ طائلة كل شهر من حساب سري مرتبط باسم عزت العدوي”.

عاصم قام على رجليه ببطء، ووجهه كان جامداً كالصخر، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل دماراً كاملاً: “يعني الحكاية كلها واضحة.. عزت كان عاوز يخلص مني عشان ياخد كل المشروعات والصفقات، واستخدم مدحت لأنه كان يعرف إنه واثق فيه ومش هشك فيه أبداً. ولما فشلت المحاولة، أرسل رجاله يقتلوا صابرين عشان تسكت وتبقى الحقيقة مدفونة معاها.. وكل ده عشان طمعه وجشعه!”.

الجزء الرابع
بعد ثلاثة أيام، سمح الأطباء لعاصم يدخل يشوف صابرين. لما دخل الغرفة، كانت عيونها مفتوحة ببطء. أول ما شافته، حاولت تبتسم، لكنه جري ناحيتها بسرعة وطلب منها تفضل ساكنة. جلس جنبها ومسك إيدها، وقال بصوت دافئ مليء بالامتنان: “أنا مدين لكِ بحياتي يا صابرين.. أنتِ أنقذتيني مرتين.. ما كنتش أستاهل منكِ كل ده، وأنا آسف لأنني ما كنتش أقدر قيمتك ولا أشعر بوجودك قبل كده”.

صابرين بصت له بدهشة وقالت بصوت واهن: “لا يا باشا.. أنا ما عملتش إلا الواجب. كنت إنسان طيب معايا ومع أهلي، وكنت أحس بالأمان في بيتك. ما كانش ينفعني أتفرج وأنت بتموت قدامي وأنا أقدر أنقذك.. وكنت عارفة إنك هتجيب لي حقي وحق كل اللي حاولوا يقتلوني”.

الجزء الخامس والسادس
عاشت صابرين في كنف عاصم المنشاوي كفرد من عائلته، وقد تولى علاج أمها وتكفل بتعليم أخيها الذي أصبح مهندساً ناجحاً. تحولت حياتها من حياة الشقاء والخوف إلى حياة الكرامة والأمان. أما عزت العدوي فقد نال جزاءه العادل بعد أن اعترف مدحت بكل التفاصيل أمام النيابة، وتمت استعادة الأموال والأراضي المنهوبة.

ظلت قصة صابرين وعاصم تُروى كأجمل قصة تضحية ووفاء، تعلم الناس معنى الكرامة والشكر، وكيف إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وفي ليلة ممطرة مشابهة لتلك الليلة التي غيرت مجرى حياتهم، كانا جالسين معاً يشاهدان المطر من نافذة الغرفة، وقال عاصم بصوت مليء بالامتنان: “تتذكرين تلك الليلة؟ كنتِ مجرد شغالة في بيتي، واليوم أنتِ أغلى ما أملك في الدنيا. كل ما حدث كان ترتيباً ربانياً رائعاً”. ابتسمت صابرين وقالت: “نعم.. الله يكتب الخير دائماً حيث لا نحتسب، ويجعل من المحنة منحة، ومن كل شر خيراً كثيراً. الحمد لله الذي جمعنا على الخير والحق”.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى