وهي عندها ٦٦ سنة

الجزء الثاني خيوط الصوف الأصفر
لنفهم كيف وصلت فاطمة إلى هذا السرير الطبي وهي تحمل حفاضات الأطفال، يجب أن نعود بالزمن إلى الوراء، سبعة أشهر كاملة قبل هذا اليوم. في بيتها القديم بحي الجمالية القاهري العتيق، كانت فاطمة تعيش وحيدة في شقة واسعة، جدرانها تحمل صورًا قديمة لزوجها الراحل عبد الحميد، وصورًا لأبنائها الثلاثة وهم أطفال يبتسمون ببراءة اختفت تمامًا عندما كبروا.
منذ ۏفاة زوجها قبل خمس سنوات، تحولت الشقة إلى سجن صامت. الأبناء الذين أفنت عمرها في تربيتهم وتدريسهم حتى تخرجوا وتزوجوا، صاروا زوارًا ثقلاء. لم يكن أحد منهم يطرق بابها شوقًا إليها أو رغبة في الاطمئنان على صحتها التي بدأت تتداعى بفعل السكري وضغط الډم. كان ماجد، الابن الأكبر، يأتي فقط عندما تضيق به السبل المالية، يدخل الشقة وعينه
على الأثاث القديم واللوحات، ويسألها بوقاحة مبطنة يا أمي، البيت ده لو اتبع دلوقتي يجيب رقم كبير.. إحنا أولى بالفلوس دي عشان نكبر شغلنا بدل ما أنتِ قاعدة لوحدك في خمس أوض.
أما نهى، فكانت تأتي في زيارات خاطفة، تدعي أنها تطمئن على أدراج المطبخ والدولاب، بينما كانت تفتش في مصاغ أمهما القديم، تأخذ قطعة ذهبية بحجة أنها ستقوم بتنظيفها أو تلميعها، ولا تعيدها أبدًا. والصغير رامي، كان يتذكر أمه فقط عندما يتشاجر مع خطيبته، فيأتي ليبكي في حضنها ويدعي الانكسار لتمنحه ما تبقّى من معاش والده، وما إن تمتلئ محفظته حتى يغادر دون أن يلتفت وراءه، تاركًا إياها مع بقايا طعام وصحون متسخة.
في إحدى ليالي الشتاء الباردة، قبل سبعة أشهر، كانت فاطمة تقف أمام حوض المطبخ تغسل كوبًا من الشاي. فجأة، شعرت بمغص حاد يجتاح أسفل بطنها، مغص مألوف للغاية، أعاد إلى ذاكرتها آلام المخاض التي عاشتها ثلاث مرات. وفي نفس اللحظة، شعرت بركلة قوية، حركة عڼيفة من الداخل كأن كائنًا صغيرًا يستدير في رحمها. من شدة المفاجأة والألم، سقط الكوب من يدها ليتناثر شظايا على بلاط المطبخ.
وقفت فاطمة مذهولة، يدها على بطنها، ودموعها تنهمر. يا رب.. إيه ده؟ ده مستحيل.. أنا عندي ستة وستين سنة! أنا عدت السن ده من زمان، همست لنفسها بړعب. في اليوم التالي، ذهبت سرًا إلى وحدة صحية قريبة. قامت طبيبة شابة بفحصها وعملت لها تحليل ډم مبدئي، وجاءت النتيجة غريبة؛ كانت هناك نسب من هرمونات معينة ترتفع عادة في حالات الحمل أو الاضطرابات الغدية الشديدة. الطبيبة الشابة، لقلة خبرتها وخۏفها من المشهد، قالت لها بارتباك يا حاجة، التحليل ده غريب جدًا.. بطنك فيها انتفاخ والنسب دي مش طبيعية لسنك، لازم تروحي فورًا لدكتور نسا كبير يعمل لك أشعة متطورة.
لكن فاطمة لم تذهب. لم يكن عدم ذهابها بسبب الإهمال أو الخۏف من المړض.. بل كان بسبب شيء آخر تمامًا الأمل. فكرة أن هناك روحًا تنمو بداخلها، كائنًا لن يخذلها، طفلًا لن يطلب منها مالًا بل سيطلب حضنها، كانت بمثابة طوق النجاة لنفسيتها المحطمة. لقد اختارت بفطرتها البسيطة أن تصدق المعجزة على أن تصدق المړض.
نزلت إلى سوق العتبة، واشترت شلات من خيوط الصوف الأصفر الدافئ. جلست في صالتها المظلمة، وتحت ضوء مصباح واهن، بدأت تنسج شرابات صغيرة وقبعات دقيقة للأطفال. كانت كل غرزة تغزلها تصاحبها دعوة أو مناجاة لبطنها المنتفخة أنا هستناك يا حبيبي.. مش هسيبك، والناس لو قالوا عليا مچنونة، أنا هكون أمك اللي هتحميك من الدنيا دي كلها. تواصلت مع بائع روبابيكيا واشترت منه سرير أطفال خشبيًا مستعملًا، نظفته بيديها المرتعشتين ودهنته بطلاء أبيض، ووضعته في زاوية غرفتها.
لكن الجيران بدأوا يلاحظون بطنها التي تكبر، وهدومها التي ضاقت، وحديثها المستمر مع نفسها. ذات يوم، التقطت إحدى الجارات صورة لفاطمة وهي تشتري مستلزمات أطفال، ونشرتها على صفحة محلية على فيسبوك مع تعليق ساخر العالم بيتهبل.. ست عندها 66 سنة في حارتنا مقتنعة إنها حامل في الشهر السابع وبتجهز للسبوع!. انتشر المنشور كالڼار في الهشيم، حتى وصل إلى هواتف أبنائها. كانت الڤضيحة بالنسبة لهم لا تُحتمل، ليس خوفًا على صحتها، بل لأن أصدقاءهم ومعارفهم بدؤوا يتصلون بهم ساخرين. هنا، تجمّع الأبناء الثلاثة واقتحموا شقتها، وأجبروها على النزول لعيادة الدكتور شريف، لينهوا هذه المهزلة كما سموها.






