قصص و روايات

لما كملت الستين

في صباح عيد ميلادي الستين، فتحت باب شقتي، فوجدت ستين زهرة دوّار شمس تملأ مدخل البيت. كان فيه شخص واحد بس وعدني بعدد زي ده. محمود. أول حب عرفه قلبي. الولد اللي مات وهو عنده خمستاشر سنة. بدأ اليوم بهدوء غريب. السما كانت ملبدة بالغيوم، وأنا قاعدة لوحدي على ترابيزة المطبخ بشرب الشاي.

 

عدّى تلات سنين من وقت طلاقي، وبقيت متعودة على الهدوء.

مقالات ذات صلة

وأحيانًا، كنت حتى بحبه.

بنتي نهى اتصلت بيا قبل ما أخلص الشاي.

— كل سنة وإنتِ طيبة يا ماما. إحنا لسه متفقين على العشا النهارده، صح؟

— طبعًا يا حبيبتي.

— الستين سنة دي مناسبة كبيرة.

ضحكت بهدوء.

— الستين مجرد رقم لما تكون الست وصلت لمرحلة محدش بقى يفتكر يجيب لها ورد.

سكتت نهى لحظة، وبعدين قالت:

— متقوليش كده يا ماما. إنتِ قضيتي سنين كفاية وإنتِ مصدقة إنك تستحقي أقل من اللي تستاهليه.

كانت عندها حق.

أنا كنت متجوزة راجل اسمه كمال، خانني مرات أكتر مما أحب أفتكر.

وكنت بسامحه مرة ورا مرة، لأن الوحدة كانت بتخوفني أكتر من الخذلان.

عدّت عقود قبل ما ألاقي الشجاعة إني أسيبه.

بعد ما قفلت مع نهى، سرحت أفكاري في مكان ما راحتلوش من سنين.

رجعت لمحمود.

كنا ساكنين في القاهرة، في نفس الشارع، وتلات بيوت بس كانت فاصلة بين بيتنا وبيته.

كنا أصحاب من قبل ما نكون فاهمين أصلًا يعني إيه حب.

في الصيف اللي كنا فيه عندنا خمستاشر سنة، كان كل شيء لسه بيبان أبدي.

في يوم وإحنا ماشيين في منطقتنا، عدّينا قدام محل ورد صغير في شارع جانبي.

قلت له بهزار:

— لما أبقى عندي ستين سنة، غالبًا هبقى ست عجوز محدش بيفتكر يجيب لها ورد.

وقف محمود فجأة.

وبص لي كأنه اتضايق فعلًا.

— لأ، أنا هجيب لك ستين زهرة دوّار شمس.

ضحكت.

— واحدة لكل سنة؟

— بالضبط.

— هتنساني قبلها بكتير.

— مستحيل.

مد إيده ناحيتي.

— اتفقنا؟

مديت إيدي وصافحته.

بس محمود ماضحكش.

كان بيتكلم بمنتهى الجدية.

— ستين زهرة دوّار شمس. أوعدك.

وإحنا عندنا خمستاشر سنة، كنا فاكرين إن خمس وأربعين سنة هي بس اللي واقفة بين الوعد ده وبين تنفيذه.

لكن بعد شهور قليلة، حصلت الكارثة.

في ليلة من ليالي الصيف، كان فيه احتفال في منطقتنا، وحصل عطل في الألعاب النارية تسبب في حريق كبير.

محمود ما رجعش البيت.

كان عنده خمستاشر سنة.

ومن يومها، فضل الدخان والنار يطاردوني في أحلامي سنين طويلة.

لكن أغرب حاجة إني عمري ما حكيت لحد عن وعد دوّار الشمس.

لا لأهلي.

ولا لأصحابي.

ولا حتى لكمال، الراجل اللي اتجوزته بعد كده.

الوعد ده كان خاص جدًا.

هش جدًا.

كان حاجة بيني وبين محمود.

وعشان كده، في صباح عيد ميلادي الستين، كنت متأكدة تمامًا إن مفيش حد تاني ممكن يعرف عنه.

خلصت الشاي، وقمت ناحية باب الشقة عشان آخد الجرنال اللي بيتساب قدام الباب.

فتحت الباب.

واتجمدت مكاني.

دوّار الشمس كان في كل حتة.

ستين زهرة بالضبط، متوزعة قدام باب شقتي وعلى جانبي مدخل الدور، وباقات صغيرة متراصة على السلم المؤدي للدور.

البتلات الصفراء كانت مغطية حتى جزء من دواسة الباب.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

بدأت أعد.

— واحد… اتنين… تلاتة…

صوتي كان بيرتعش وأنا بقرب من النهاية.

— تمانية وخمسين… تسعة وخمسين… ستين.

ستين بالضبط.

رجلي ما بقتش شايلاني.

همست:

— ده مستحيل.

محدش يعرف.

محدش.

وبعدين لاحظت حاجة ورا أكبر باقة.

صندوق خشب صغير.

قديم.

آثار الزمن باينة عليه.

ومتربط بشريط أصفر لونه بهت.

الورد صدمني.

لكن الصندوق خوّفني.

دخلت بيه الشقة وحطيته على ترابيزة المطبخ.

فضلت كام دقيقة ببص له من غير ما ألمسه.

وبعدين همست:

— افتحيه.

إيدي كانت بتترعش وأنا بفك الشريط.

جواه ورقة متنية، ومحطوطة فوق قطعة قماش قديمة.

فتحت الورقة.

وأول ما شفت الخط…

عرفته فورًا.

خط محمود.

طلع مني صوت ما بين شهقة وبكا.

أول سطر كان مكتوب:

«لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا نفذت وعدي في الآخر.»

هزيت راسي.

— لأ.

دموعي غطت الكلام.

— إنت ميت. ده مستحيل يكون حقيقي.

وللحظة مرعبة، افتكرت إن حد ممكن يكون بيعمل فيا مقلب قاسي.

لكن إزاي؟

محدش يعرف الوعد.

محدش غير محمود وأنا.

وفجأة…

سمعت تلات خبطات على باب الشقة.

دق.

دق.

دق.

الورقة وقعت من بين صوابعي.

— مين؟

مفيش رد.

مشيت ببطء في الطرقة، وفتحت الباب.

راجل كان واقف قدامي.

أكبر في السن.

شعره كله أبيض تقريبًا.

لكن رغم كده، كان فيه حاجة مألوفة جدًا.

نفس العينين.

نفس شكل الفك.

ولثانية واحدة مستحيلة، قلبي صدق إن محمود واقف قدامي بعد ما بقى عنده ستين سنة.

لكن عقلي رجعني للحقيقة.

قلت بصوت مرتعش:

— إنت أخو محمود.

هز راسه بهدوء.

— أيوه. أنا حسام. أخوه الأكبر.

— وأنا آسف لو خوفتك.

بصيت للورد.

— إنت اللي عملت ده؟

— أيوه.

— عرفت إزاي؟

بص ناحية الباقات.

— ممكن أدخل؟ الموضوع محتاج كلام كتير.

دخلته.

وقعدنا على ترابيزة المطبخ.

الورقة كانت بينا.

قال حسام:

— أمي ماتت من كام شهر. وبعد وفاتها، كنت بنضف البيت وبفضي حاجاتها القديمة. لقيت صندوق أحذية قديم مليان حاجات تخص محمود.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى