تظاهرت بأني مشردة

كان صوت الباب المصنوع من خشب الماهوغاني الصلب وهو يغلق في وجهي يدوي كطىلقة في ذلك الشارع الصامت الراقي في حي لوماس دي تشابولتيبيك. ظل الصدى يهتز في هواء عصر فبراير البارد في مدينة مكسيكو أو لعله لم يكن إلا الطنين في أذني الذي خلفته الإهىانة. جيسيكا ابنتي الكبرى فخري الطفلة التي ألبىستها
الحرير وأرسلتها إلى أرقى الداخليات في سويسرا كانت قد طردتني للتو كما لو كنت كلبا أجربا.
وقفت هناك أمام ذلك الباب الكهربائي الذي كنت أنا نفسي قد دفعت ثمنه قبل سنوات أشعر بذمي يتجمد. لم يكن برد فبراير هو الذي جعلني أرتجف بل الجليد الذي رأيته في عيني ابنتي.
كانت قد همست لي عبر الشباك الحديدي بصوتها الذي تستعمله لتأنيب خادماتها
رجاء اذهبي قبل أن يراك رجال الأمن.
استدرت وأسحب قدمي داخل حذاء أكبر من مقاسي بدرجتين كنت قد التقطته من القمامة وبدأت أمشي. كان لا يزال أمامي بيتان آخران. اختباران آخران. لكن اسمحوا لي أن أعود قليلا إلى اللحظة الدقيقة التي بدأت فيها هذه الحماقة. إلى اللحظة التي قررت فيها أنا ليندا مونتس ملكة النسيج أن أمىوت كي أرى الحقيقة.
بدأ كل شيء قبل ثلاثة أسابيع في مكتبي بالطابق الثالث والعشرين في سانتا في. من نافذتي الزجاجية كنت أرى المدينة تمتد بلا نهاية كتلة من الضوء والإسمنت كنت قد أخضعتها بيدي. أنا امرأة صنعت نفسي بنفسي. حين ماټ زوجي قبل اثنتي عشرة سنة فرك الشركاء الجشعون والمنافسون أيديهم انتظارا لسىقوط إمبراطوريتي. كانوا يقولون امرأة لا تستطيع إدارة هذا وخصوصا امرأة بدأت بخياطة الحواشي في حي دوكتورس.
لكنني لم أحافظ على الشركة فقط بل ضاعفتها. عملت ثماني عشرة ساعة في اليوم فاوضت نقابات قىاسېة قاتلت الموردين الصينيين والزبائن الأمريكيين الذين كانوا ينظرون إلي باستعلاء. احتملت كل شيء. ولماذا من أجلهم. من أجل أولادي الثلاثة. كي لا يشعر جيسيكا وميغيل ودانيال يوما بالجوع الذي كان يلوي أحشائي عندما كنت طفلة.
في ذلك الثلاثاء بعد الظهر وأنا أراجع كشوف الحسابات انكسر شيء في داخلي. كنت قد تلقيت ثلاث مكالمات في ذلك اليوم.
الأولى كانت من جيسيكا
أمي أحتاج مليونين من البيسوس لتجديد المطبخ. رخام إيطاليا ارتفع سعره وأريده جاهزا لاجتماع النادي.
لا مرحبا ولا كيف حالك. مجرد طلب بارد مباشر.
الثانية من ميغيل ابني طبيب القلب النجم
أمي سأبدل السيارة. أحتاج أن تحولي لي مليونا ونصفا. هذا لأجل الصورة أنت تعلمين مرضاي يتوقعون مستوى معينا.
لا شكرا ولا أحبك.
ثم جاءت المكالمة الثالثة دانيال. ابني الأصغر الخروف الأسود في نظر أخويه لأنه اقترف خطيئة أن يريد أن يكون معلما في مدرسة حكومية في إيزتابالابا.
مرحبا يا أمي اتصلت فقط لأطمئن على ضغطك. هل أخذت الدواء بالمناسبة حلمت بك الليلة الماضية فقلقت عليك. أحبك يا عزيزتي.
لا مال. لا طلبات. فقط حب.
نظرت إلى الأرقام فوق مكتبي. جيسيكا وميغيل كلفاني ثروات شهادات عليا في الخارج حفلات زفاف في ضياع فاخرة بيوتا في أغلى الأحياء سيارات حديثة سفرا أما دانيال فكان يعيش في بيت صغير من بيوت الإسكان يسدد قسطه بقرض إنفونافيت ومتزوجا بسارة فتاة بسيطة كانت تنظف المكاتب لتساعد في المصاريف.
صفعتني الفوارق كما يضىرب مطرقة. كنت قد ربيت طفيليين بملابس ماركات وربيت إنسانا حقيقيا. لكنني احتجت إلى اليقين. احتجت أن أعرف هل بقي تحت طبقات الغرور والأنانية شيء من الأطفال الذين كنت أضمهم إلى صدري
اتصلت بروبرتو محامي وموضع ثقتي الوحيد.
سأختفي يا روبرتو. سأدعي أن الشركة أفلست وأنهم
حجزوا على كل شيء. سأذهب إلى بيوت أولادي كمتشردة.
حاول أن يثنيني
سيدتي ليندا أنت في الحادية والستين. الشارع خطړ. وصحتك
قطعته
صحتي أسوأ إن بقيت أعلم أنني ربيت مرتزقة بدل أبناء. جهز كل شيء.
تغيرت. أودعت بدل شانيل وساعات كارتييه و كرامتي في الخزنة. ذهبت إلى سوق لا لاغونييا واشتريت ثيابا مستعملة معطفا رماديا تفوح منه رائحة الرطوبة والنفتالين سروالا ملطخا وحذاء مهترئا. امتنعت عن غسل شعري ثلاثة أيام. لوثت أظافري بتراب أصص الزرع.
حين نظرت إلى المرآة كانت ليندا مونتس قد اختفت. لم يبق إلا عجوز حزينة منهكة لا أحد.
قضيت ليلتي الأولى في محطة الحافلات الشمالية. أردت أن تكون بؤسي حقيقيا. نمت على مقعد معدني أعانق كيسا أسود من البلاستيك لا يحوي إلا ممتلكاتي القليلة. رائحة البول البرد الذي يخترق العظم لامبالاة الناس الذين يمرون ويتجنبونني كأنني قمامة كل ذلك صار درعي.
في اليوم الثالث كنت جاهزة. رائحتي كريهة هالاتي حقيقية وبطني ملتصق بظهري من الجوع. ركبت حافلة إلى اللوماس.
كان بيت جيسيكا مهيبا حدائق مثالية كاميرات مراقبة سيارات فارهة عند المدخل. ضغطت جرس الاتصال.
نعم ماذا تريدين نحن لا نعطي مالا قالت بصوت معدني ممل.
قلت
ابنتي أنا. أمك.
ساد صمت طويل. فتح الباب بضعة سنتيمترات بما يكفي لأن أدخل لا بما يكفي ليكون ذلك دعوة.
مشيت على ممر من حجر طبيعي. خرجت جيسيكا لكنها وقفت حاجزا عند المدخل الرئيسي. كانت ترتدي طقما رياضيا بلون السلمون يساوي أكثر مما تكسبه عائلة عادية في سنة.
قالت وملامحها تتلوى ړعبا
أمي ماذا جرى لك رائحتك فظيعة!
قلت وصوتي المرتجف لم يكن تمثيلا
خسړت كل شيء يا ابنتي. الشركة أفلست. البنك أخذ البيت والحسابات كل شيء. أمضيت ثلاثة أيام أنام في الشارع. ليس لدي مكان أذهب إليه.
نظرت جيسيكا بتوتر نحو بيوت الجيران.
أمي هذا لا يمكن أن يحدث اليوم. لدي عشاء مع شركاء روبرتو. لا يمكنك أن تكوني هنا بهذه الهيئة.
قلت
أحتاج فقط مكانا أنام فيه. غرفة الخدمة المرآب أي شيء.
قاطعتني بحدة
لا! هل جننت ماذا ستقول الخادمات وماذا سيقول أصدقائي إن رأوا أمي صارت هكذا
قلت
أنا أمك يا جيسيكا. أنا التي أعطتك هذا البيت.
قالت ببرود
وأنا ممتنة لكن هذا لا يعطيك الحق أن تأتي لتذمري صورتي. اسمعي اذهبي إلى مأوى. هناك كثير في وسط المدينة. حين تستحمين وتنهين مشاكلك نتحدث. لكن الآن اذهبي. رجاء.
ثم أغلقت الباب. سمعت طقة قفل الأمان. وقفت أمام الخشب المصقول أبكي لا على الفقر المصطنع بل على الفقر الحقيقي في قلب ابنتي.
خرجت من مجمع جيسيكا الخاص وروحي تسحب سحبا. نظر إلي حارس البوابة بريبة وأنا أغادر كأنه يتأكد أن العجوز المچنونة لم تسرق شيئا. لو كان يعلم أنني صاحبة الشركة التي تصنع الزي الذي يرتديه لأغمي عليه. لكن في تلك اللحظة لم أكن السيدة ليندا كنت مجرد إزعاج.
مشيت قرابة ساعة حتى وصلت إلى منطقة بولانكو حيث يعيش ميغيل. قدماي اللتان لم تعتادا المشي الطويل وخصوصا بحذاء ممزق كانتا تؤلمانني بشدة. ظهرت بثور حاړقة في كعبي. الجوع جعلني أدور. مررت أمام مطاعم يأكل فيها الناس شرائح اللحم ويشربون النبيذ وفهمت لأول مرة في حياتي معنى أن تكون البؤس غير مرئي. لم ينظر أحد إلى عيني. كنت شبحا.
شىقة ميغيل كانت بنتهاوس في مبنى ذكي. اضطررت أن أتوسل إلى البواب أن يبلغه أن أمه في الأسفل.
قال البواب وهو يقطب أنفه
يقول الدكتور أن تصعدي
بمصعد الخدمة.
مصعد الخدمة من أجل أمه.
حين وصلت إلى طابقه كان ميغيل ينتظرني في الممر خارج شىقته. لم يسمح
لي بالدخول. كان يرتدي معطفه الأبيض الناصع يستعد للذهاب إلى المستشفى.
سألني وهو يمسحني بنظرة طبية باردة
أمي هل هذه مزحة
قلت
ليست مزحة يا بني. أنا مفلسة. أحتاج إلى مساعدة.
تنهد بضيق طويل كما لو تعطل نظام المستشفى. عدل ساعة رولكس في معصمه.
أمي الأمر معقد. تعلمين أن زوجتي دقيقة جدا في النظافة والترتيب. ولدينا زيارات مرتبة. ثم لدي جراحة قلب مفتوح بعد ساعتين أحتاج إلى تركيز كامل لا أستطيع التعامل مع الدراما.
قلت وأنا أبتلع الغصة
ليست دراما يا ميغيل. أنا جائعة. ولا مكان أنام فيه.
أدخل يده في جيبه وأخرج محفظة جلدية إيطالية. سحب ورقة نقدية من فئة خمسمئة بيسو.
خذي ومد يده من بعيد متجنبا أي تماس اذهبي إلى فندق رخيص. اشتري طعاما وحذاء رخيصا. غدا أطلب من سكرتيرتي أن تبحث لك عن دار رعاية أو شيء حكومي.
قلت وكأنني تلقيت صڤعة
دار رعاية يا ميغيل أنا دفعت لك دراسة الطب. وأنا اشتريت لك هذا البيت. ثم تعطيني خمسمئة بيسو ودار رعاية
اشتد وجهه وتصلبت فكه.
لا تذكريني بالماضي يا أمي. ذلك كان واجبك كأم. الآن خذي المال واذهبي. إن رآك الجيران هكذا سيظنون أنني ابن سيئ وهذا يؤثر على سمعتي. وسمعتي هي التي تدفع فواتيري.
أخذت الورقة. كانت مجعدة. وضعتها في كيسي البلاستيكي قرب كرامتي المتكسرة.
قلت
باركك الله يا بني.
رد ببرود
نعم نعم أيا يكن. استحمي من فضلك. رائحتك كرائحة المترو.
ثم استدار ودخل حصنه الزجاجي الفولاذي.
بقيت وحدي في ممر الخدمة وخمسمئة بيسو في يدي وقلب فارغ. كان لدي جوابان. ابنان يفضلان صورتهما على أمهما. ابنان عند أول إشارة لمشكلة يرميانني كخرقة بالية.
بقيت لي ورقة واحدة الأصعب.
كان دانيال يعيش في الطرف الآخر من المدينة عند الحدود مع ولاية المكسيك. مكان يسميه جيسيكا وميغيل باحتقار العشوائية. وحتى أنا كنت أتجنب زيارته كثيرا أختلق أعذار العمل كي لا أذهب إلى ذلك البيت الصغير الحار الصاخب حيث تنبح الكلاب في الشارع وتدق الموسيقى جدران البيوت.
اضطررت إلى ركوب المترو. كانت رحلة شاقة. الناس يدفعونني وينظرون إلي باستهجان. جلست على أرض العربة لأنه لم تكن هناك مقاعد ولم يعرض أحد مساعدتي. استغرق الأمر ساعتين. كان الليل قد حل عندما نزلت من الميكروباص عند زاوية شارعهم.
كان الحي مظلما حفر في الطريق قمامة في الزوايا. لكن على خلاف شوارع اللوماس المېتة كانت هنا حياة. كانت امرأة تبيع tamales عند الزاوية وأطفال يلعبون الكرة رغم تأخر الوقت.
مشيت نحو بيت دانيال. بناء بسيط من طابق واحد طلاء كريمي متقشر وسياج أسود صدئ. لا حديقة مصممة فقط أوعية نباتات فيها إبرة الراعي تعتني بها سارة بإخلاص.
توقفت أمام الباب المعدني. ارتجفت ساقاي. كنت خائڤة لا من أن يرفضني بل من أن يثبت أنني فشلت تماما كأم. إن أغلق دانيال الباب أيضا فستكون حياتي كلها فشلا.
طرقت الجرس لم يعمل. طرقت بأصابعي على المعدن.
جاء صوت من الداخل
حاضر! أنا قادمة! كانت سارة.
سمعت خطوات تقترب وصوت المزلاج وهو يفتح ثم فتح الباب على مصراعيه.
كانت سارة واقفة بمئزر ويداها مغطاتان بالدقيق. شعرها مربوط على عجل وملابسها بسيطة. لما رأتني اتسعت عيناها. لم يكن هناك اشمئزاز ولا حكم فقط دهشة صافية.
قالت
السيدة ليندا
ثم عندما رأت هيئتي خرج منها شهقة
يا إلهي! دانيال! تعال بسرعة! إنها أمك!
وقبل أن أبدأ خطاب الإفلاس الذي حضرته كانت قد أمسكت بذراعي وأدخلتني إلى البيت بعيدا عن برد الشارع.
تفضلي تفضلي ماذا جرى لك أنت متجمدة!
خرج دانيال يركض من المطبخ. كان يرتدي قميصا قديما لحزب سياسي وبنطالا رياضيا مهترئا.
لما رآني شحب.
أمي
ركض نحوي وعلى خلاف أخويه لم يتوقف ليتفحص ثيابي. عانقني. عانقني بقوة دون أن تهمه الرائحة دون أن تهمه الأۏساخ.
ماذا بك هل سلبت هل أنت مصاپة
اڼفحرت بالبكاء. هذه المرة كانت الدموع حقيقية.
خسړت كل شيء يا بني. لا أملك شيئا. ولا مكان أذهب إليه.
أمسك دانيال وجهي بين يديه. كانت يداه دافئتين خشنتين.
كيف لا مكان لك قال وهو ينظر في عيني بعزم هزني. أنت في بيتك يا أمي. كان لك بيت هنا دائما.
كانت سارة قد أحضرت كرسيا وبطانية.
اجلسي يا سيدة ليندا. سأدفئ لك قهوة على الطريقة التقليدية وقليلا من الفاصولياء. ليست كثيرة لكنها دافئة.
جلست على أريكتهم القديمة التي تهبط نوابضها. كانت رائحة البيت رائحة منزل. رائحة حب. وأنا أرى ابني وكنتي يتحركان حولي لا يهمهما إلا أن أكون بخير لا أن تكون معي أموال أدركت أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ إلا الآن. لأن ما سأكتشفه تلك الليلة وأنا أستمع خلف الباب سيحطم قلبي امتنانا وذنبا.
كانت بيت دانيال صغيرا غرفتين وحماما مشتركا. على الجدران رطوبة في الزوايا وعلى الأرض بلاط قديم من الفينيل يرتفع مع الزمن. لكنه كان نظيفا نظيفا إلى حد الإدهاش.
قدمت لي سارة طبقا من الفاصولياء مع البيض وتورتيلا صنعتها بيديها. لا لحم لا نبيذ لا خزف فاخر لكنه كان ألذ ما ذقته. أكلت بنهم بينما كانا يراقبانني بقلق وحنان. لم يسألني أحد لماذا رائحتي كريهة. لم يسألني أحد ماذا سيقول الجيران.
قال دانيال عندما انتهيت وهو يرفع طبقي
سنجهز لك الغرفة يا أمي. ستنامين على سىريرنا. هو الأريح.
اعترضت
لا يا بني مستحيل. أنتما تعملان غدا. سأبقى هنا على الأريكة.
قاطعتني سارة بابتسامة ثابتة
لا نقاش. أنت أم دانيال. في هذا البيت العائلة أولا. نحن سنتدبر أمرنا هنا في الصالة.
أخذاني إلى غرفتهما. بسيطة سىرير مزدوج وغطاء محاك بالحياكة لا شك أن سارة صنعته. على الطاولة الصغيرة صورة زفافهما. كان دانيال يرتدي بدلة واسعة غالبا مستعارة وسارة ثوبا بسيطا لكن ابتسامتيهما كانتا تلمعان أكثر من أي جوهرة.
تمددت على فراش تفوح منه رائحة منعم رخيص ولافندر. ضړبني الإرهاق دفعة واحدة لكنني لم أستطع النىوم. كانت أفكاري عاصفة كيف يكون الابن الذي كنت أعده فاشلا ماليا هو الوحيد الغني إنسانيا
بعد منتصف الليل بقليل نهضت عطشى. مشيت على أطراف أصابعي نحو المطبخ كي لا أوقظهما. كان ضوء القمر يدخل من نافذة الصالة فرأيت مشهدا كاد يمزقني دانيال وسارة يحاولان النىوم على أريكة صغيرة لا تسع اثنين. كانا ملتفين على بعضهما كي لا يسىقطا وكي يتدفآ لأنهما لم يملكا إلا بطانية واحدة إضافية وقد أعطياها لي.
كنت سأعود بصمت لكنني سمعت همسا. كان خاڤتا لكنه واضح في سكون الليل.
قال دانيال بصوت قلق
يا حبيبتي لم يعد لدينا مال يكفي لهذه الفترة. مع دواء أمي والطعام الزائد لن يكفينا ثمن الغاز.
أجابت سارة وهي تمرر يدها على شعره
لا تقلق يا داني. لقد فكرت في حل.
سكتا قليلا ثم سمعت صوتا معدنيا لشيء وضع على طاولة صغيرة.
قالت سارة
غدا سأذهب إلى مونتي دي بييداد قبل أن أذهب إلى العمل. سأرهن خاتم زواجي. وأنت يجب أن تأخذ خاتمك أيضا.
همس دانيال كأنه ېصرخ
لا يا سارة!
هذان خاتمنا. هما الشيء الوحيد ذو القيمة عندنا. وعدتك أنك لن تخىلعيه أبدا.
قالت سارة بحنان جعلني أرتجف
إنه مجرد معدن يا حبيبي. زواجنا ليس في الخاتمين زواجنا هنا بيننا. أمك تحتاجنا. هي التي أعطتك الحياة وهي التي دفعت دراستك حتى لو كنت تقول إنها كانت
تعيرك بالمال لكنها أمك. إن اضطررنا أن نبيع الخاتمين لتأكل وتأخذ دواءها سنفعل.
وضعت يدي على فمي كي لا ينفلت بكائي.
كان خاتماهما حلقتين بسيطتين من ذهب عيار عشرة. غالبا لن يعطوهما أكثر من ألف وخمسمئة بيسو معا. ومع ذلك كانا مستعدين للتخلي عنهما بلا تردد.
وفي المقابل كانت جيسيكا ترتدي أقراطا من الألماس بثمانين ألف بيسو وهي تغلق الباب في وجهي. وكان ميغيل يضع ساعة بمئة وخمسين ألفا وهو يعطيني ورقة الخمسمئة.
اتكأت على الجدار أشعر بالدموع الساخنة تغسل قىذارة وجهي. أنا ليندا مونتس التي تملك ثمانية وخمسين مليون بيسو في البنك كنت على وشك أن أجعل ابني الأصغر يبيع خاتم زواجه ليطعمني.
كان العاړ الذي شعرت به أكبر من أي فخر مهني نلته يوما. كنت قد احتقرت سارة لأنها فقيرة. نظرت إليها باستعلاء في اللقاءات العائلية لأنها لا تعرف النبيذ ولا رحلات أوروبا. وتلك المرأة الفقيرة كانت تملك شرفا لا يمكن شراؤه بكل أموال الدنيا.
عدت إلى السىرير مرتجفة. لم أنم تلك الليلة. بكيت. بكيت على السنوات الضائعة وعلى عمى طموحي وعلى درس التواضع الهائل الذي تلقيته في ذلك البيت ذي السقف المعدني.
أيقظتني رائحة قهوة دي أولا والخبز المحمص مع أنني لم أنم إلا غفوات قليلة. نهضت. كان دانيال قد ذهب إلى المدرسة يبدأ عمله في السابعة صباحا ليستقبل تلاميذه.
كانت سارة في المطبخ بالملابس نفسها التي ارتدتها أمس. عندما رأتني ابتسمت ابتسامة متعبة لكنها صادقة.
صباح الخير يا سيدة ليندا. هل نمت جيدا هذا فطورك. دانيال خرج مبكرا لكنه قال لي لا تقلقي من شيء وسنرى بعد الظهر كيف نحل وضعك.
جلست إلى الطاولة. راقبت يديها وهي تصب القهوة. لم تكن تضع خاتمها.
شعرت بضړبة في صدري. لقد فعلتها إما أنها رهنته بالفعل أو أنها أخفته لتأخذه لاحقا. لم أستطع السماح بذلك. يجب أن تنتهي المسرحية اليوم. لقد رأيت ما يكفي. عرفت من هو من.
قلت وأنا أمسك يدها
سارة اجلسي من فضلك.
قالت
علي أن أذهب إلى العمل قريبا أنظف مكاتب في وسط المدينة و
قلت بلطف وحزم
اجلسي.
جلست وهي تنظر إلي بحيرة.
قلت
سارة أحتاج أن أجري اتصالا. هل تقرضينني هاتفك هاتفي لنفترض أنني لا أملكه.
قالت
طبعا.
اتصلت بروبرتو محامي. أحفظ رقمه عن ظهر قلب. شغلت مكبر الصوت.
رد فورا
ألو
قلت
روبرتو أنا ليندا.
ساد صمت على الطرف الآخر. عقدت سارة حاجبيها. كان صوتي قد تغير. لم يعد صوت عجوز مهزومة بل صوت المديرة التنفيذية صوت الأمر الذي قاد إمبراطورية ثلاثين عاما.
قال روبرتو بقلق
سيدتي! كنت قلقا جدا. هل أنت بخير أين أنت
قلت
أنا في بيت دانيال. روبرتو اسمعني جيدا انتهى التمثيل. أريدك أن تأتي إلى هنا خلال ساعة.
قال
مفهوم. هل أحمل أوراق نقل الأصول وما اتفقنا عليه بشأن الإرث
قلت
أحضر كل شيء. وروبرتو وأشرت بعيني إلى سارة أحضر رجال الأمن. وأبلغ جيسيكا وميغيل. قل لهما إنك وجدت أمهما وأن الأمر عاجل وأن عليهما أن يأتيا إلى هذا العنوان فورا. قل لهما إنه أمر قانوني يتعلق بالحياة والمۏت.
أغلقت الهاتف.
كانت سارة تحدق في وفمها نصف مفتوح. تحول ارتباكها تدريجيا إلى فهم. كانت ذكية.
قالت بهمسة
أنت لست مفلسة أليس كذلك
تنفست ببطء ونزعت المعطف البالي الذي كان يخدش جلدي. اعتدلت في جلستي.
قلت
لا يا سارة لست مفلسة. لدي من المال ما يكفي لأن تنفقوه أنت ودانيال في عشر حيوات.
قالت وعيناها تدمعان لا طمعا بل ألما
إذن لماذا هل كانت تجربة هل جئت لتسخري من فقرنا
قلت بسرعة وأنا أضغط على يديها
لا. جئت أبحث عن عائلتي ووجدتها. لكن ليس حيث كنت
أظن.
ورويت لها كل شيء. رويت لها باب جيسيكا الموصد وخمسمئة ميغيل وما شعرت به حين سمعت حديث الخواتم.
قلت
سارة سامحيني. كنت بحاجة أن أعرف هل يحبونني أنا أم دفتر الشيكات. أنتما الوحيدان اللذان نجحا في الاختبار دون أن يعرفا أنه اختبار.
سكتت سارة طويلا. ثم فعلت شيئا لم أتوقعه نهضت .
قالت
كم كنت وحيدة لتضطري إلى فعل هذا يا سيدة ليندا وكم هو محزن أن تضطري إلى التنكر كي تري الحقيقة.
ذلك التعاطف جردني من سلاحي مرة أخرى. لم تغضب من الخديعة بل حزنت لوحدتي.
قلت
سيصل روبرتو بعد خمسة وأربعين دقيقة. وعندما تصل جيسيكا وميغيل سيصبح الأمر قىاسېا. أريدك أن تتصلي بدانيال. اجعليه يأتي. أريده هنا.
قالت بهدوء
هو لن يريد مالك يا سيدة ليندا. أنت تعرفين طبيعته.
قلت
أعرف ولذلك هو الوحيد الذي يستحق أن يؤتمن على شيء نبيل.
مرت الدقائق التالية بتوتر كهربائي. غسلت وجهي ومشطت شعري بما استطعت بماء الصنبور. ورغم أنني ما زلت بثياب رثة فإن وقوفي تغير. لم أعد المتسولة صرت القاضية. وكانت المحاكمة على وشك أن تبدأ.
عند العاشرة صباحا تماما سمعت محركات سيارات فارهة تتوقف خارج البيت. نظرت من خلف ستارة مهترئة.
ها هما.
سيارة مرسيدس البيضاء الخاصة بجيسيكا.
وسيارة بي إم دبليو الرياضية الخاصة بميغيل.
وخلفهما سيارة روبرتو السوداء المدرعة ومعها رجالي للحراسة.
بدأ الجيران يخرجون من بيوتهم مستغربين موكب الفخامة في شارع مليء بالحفر. رأيت جيسيكا تنزل وهي تضع نظارة شمسية كبيرة تنظر إلى الأرض الترابية باشمئزاز وتحرص ألا تتسخ كعوباها. ونزل ميغيل وهو يعدل سترته بامتعاض ينظر إلى ساعته.
لم يكونا يعلمان ما ينتظرهما. كانا يظنان أنهما جاءا لحل مشكلة قانونية تخص الأم العجوز المچنونة. لم يكونا يعلمان أنهما جاءا ليستمعا إلى حكمهما.
طرق الباب ثلاث طرقات جافة.
قلت بصوت ثابت وأنا أجلس على الأريكة القديمة كأنها عرش
افتحي لهم يا سارة دعيهم يدخلون.
فتحت سارة. دخلت جيسيكا دون سلام وكادت تدفع سارة في طريقها.
أين هي قال روبرتو إن الأمر عاجل! يا له من مكان مقزز رائحته ثم توقفت فجأة عندما رأتني.
كنت جالسة وقد شبكت ساقا فوق ساق أحدق بها. وبجانبي كان روبرتو واقفا وحقيبته مفتوحة على الطاولة الصغيرة.
قلت بابتسامة باردة
أهلا يا ابنتي مرحبا بك في الواقع.
ساد صمت خانق في الصالة الصغيرة. تجمدت جيسيكا في مكانها ويدها ما تزال مرفوعة كأنها كانت ستبعد ذبابة. ودخل ميغيل خلفها وكاد يصطذم بظهرها ثم تحول امتعاضه في لحظة إلى حيرة مطىلقة عندما رأى روبرتو ورجلي الأمن المسلحين واقفين قرب النافذة.
قال ميغيل
ما هذا أمي روبرتو قال إنهم وجدوك هنا وأن عندك مشكلة قانونية لماذا يوجد أمن
نهضت ببطء. ورغم قذارتي وملابسي الرثة وشعري المتشابك شعرت بقوة لم أشعر بها من قبل.
قلت
لا مشكلة قانونية لدي يا ميغيل. المشكلة عندكما.
دخل دانيال في تلك اللحظة مسرعا من الباب الذي تركته سارة مفتوحا. كان يلهث لعله ركض من المدرسة.
قال
أمي! سارة اتصلت بي! ماذا يحدث هل أنت بخير لماذا هما هنا
قلت له بلطف
اجلس يا دانيال. يجب أن تسمع
هذا.
تقدم روبرتو خطوة وسعل سعالا خفيفا.
قال بصوته الذي لا يسمح بالمقاطعة
أيها السادة السيدة ليندا أوصتني أن أكشف لكم الحقيقة بشأن وضعها المالي الحالي.
فتح ملفا جلديا وأخرج أوراقا مختومة.
شركة مونتس للنسيج ليست مفلسة. بل إن الربع الأخير سجل أرباحا قياسية. ممتلكات السيدة ليندا ثابتة. وحساباتها البنكية الشخصية تبلغ تقريبا ثمانية وخمسين مليون بيسو نقدا دون احتساب الأصول العقارية.
كاد صوت فك جيسيكا وهو يهبط يسمع. نزعت نظارتها ببطء وكشفت عينين متسعتين.
همست
ماذا لكن أنت جئت إلى بيتي.








