عام

المجنون

كان هناك رجل مجنون يتجول دائماً في شوارع الحي. كلما رآني، كان يشير مباشرة إلى بطني ويصرخ بصوت عالٍ: “أنا المسؤول عن هذا الحمل! أنا الأب الحقيقي للطفل الذي تحملينه!” اسمي ماريانا لوبيز. متزوجة من زوجي دانيال هيرنانديز منذ خمس سنوات، لكننا لم نرزق بأطفال طوال تلك المدة، حتى أكد المستشفى أخيراً بعد فحوصات طويلة أنني حامل.

 

قبل ذلك كنت أعيش في خوف دائم، أخشى أن يأتي يوم أضطر فيه إلى التبني، أو أن أكبر في العمر دون أن أتمكن من إنجاب طفل خاص بي.

في البداية كان أهل زوجي لطفاء معي، وخاصة حماتي التي كانت تعاملني بود واضح، لكن مع مرور الوقت، وبعد غياب الأطفال، بدأ موقفهم يتغير تدريجياً.

حتى أنهم قالوا لزوجي دانيال صراحة إنه ربما يجب أن يتزوج امرأة أخرى، لأنهم كانوا مقتنعين أن المشكلة تكمن فيّ أنا، وأنني السبب في تأخر الإنجاب.

قضيت ليالي كثيرة مستيقظة، أدعو من أعماق قلبي أن يذكرني الله أخيراً، وأن يمنحني طفلاً واحداً فقط، طفلاً أحتضنه وأشعر معه أن حياتي اكتملت.

والآن… أخيراً حدث ذلك.

عندما وصلت إلى الأسبوع الثامن من الحمل، طلبت من زوجي أن نخرج في نزهة مسائية قصيرة، فقد بدأت بطني بالكاد تظهر، وكنت أشعر بسعادة هادئة.

كان الشارع مزدحماً وقذراً، تنتشر فيه أكوام القمامة في بعض الزوايا، كما اعتاد العديد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية التجول في الحي.

وبينما كنا نسير، اقترب منا فجأة شاب شاحب الوجه، يرتدي ملابس ممزقة ومتسخة، وشعره أشعث بشكل واضح، ثم أشار إلى بطني وصاح بصوت مرتفع.

“أنا المسؤول عن هذا الحمل! أنا الأب الحقيقي لهذا الطفل!”

لم أشعر في حياتي كلها بمثل ذلك الخزي والإذلال الذي شعرت به في تلك اللحظة أمام الناس في الشارع.

ما الذي كان يدور في ذهن ذلك الرجل؟ هل كان يظن حقاً أن شيئاً حدث بيننا؟ أنا لم أره قط في حياتي من قبل.

صرخت فيه وأنا أرتجف من الغضب:
“من أنت أيها المجنون؟ هل تعرفني أصلاً؟ هل سبق أن التقينا؟ إذا كنت ستقول هذا الهراء فلا تورطني فيه!”

طلب مني زوجي أن أتجاهله فقط، فقد رأى بوضوح أن الرجل لا يبدو في كامل قواه العقلية، لذلك لا يجب أن نأخذ كلامه على محمل الجد.

تركناه خلفنا في الشارع، لكنه استمر يصرخ بصوت مرتفع بينما نبتعد:
“الزمن سيكشف الحقيقة! هذا الحمل لي وحدي! أنا الأب الحقيقي! وسأسترد حقي!”

بعد ثلاثة أيام ذهبنا إلى المستشفى لإجراء اختبار NIPP، وهو نوع من اختبارات الحمض النووي يمكن إجراؤه حتى أثناء فترة الحمل.

وعندما ظهرت النتائج أخيراً… تخيلوا ماذا حدث.

زوجي دانيال هو الأب الحقيقي للطفل.

تنفست الصعداء فوراً، لأنني كنت أعلم يقيناً أنني لم أكن مع رجل آخر في حياتي، ولم أكن قادرة حتى على التفكير في خـ,ـيانة زوجي.

ربت دانيال على يدي داخل غرفة المستشفى وقال بهدوء:
“عزيزتي، أخبرتكِ ألا تقلقي. ذلك الرجل ببساطة ليس في كامل قواه العقلية.”

أجبته بهدوء:
“كنت فقط بحاجة إلى إزالة أي شكوك. كان هناك أشخاص يراقبون ما حدث في الشارع، ولا أريد لأحد أن يظن شيئاً سيئاً عني.”

لكن رغم ذلك، لم أستطع النىوم تلك الليلة.

في كل مرة أغمض فيها عيني، كان وجه ذلك الرجل الشاحب المتسخ ذو الشعر الأشعث يظهر أمامي بوضوح وكأنه يقف أمامي من جديد.

لم تكن عيناه فارغتين مثل عيون المجانين الآخرين الذين رأيتهم من قبل في الحي.

بل كانتا حادتين بشكل غريب، وكأنهما تحاولان أن تخبراني بشيء لا أفهمه بعد.

همست وأنا أوقظ زوجي:
“دانيال… هل أنت مستيقظ؟”

أصدر صوتاً متعباً ثم استدار قليلاً وقال:
“ماريانا… إنها الثانية صباحاً. ماذا يحدث الآن؟”

قلت وأنا أجلس على السىرير:
“ذلك الرجل… كيف عرف أنني أحاول الإنجاب منذ خمس سنوات؟ وكيف عرف بالضبط أين يجدنا؟”

جلس دانيال بدوره وفرك عينيه بتعب قبل أن يجيب.

“ماريانا، هذا الحي صغير. الناس يتحدثون كثيراً. ربما سمع شيئاً من الجيران، أو ربما يقول هذا الكلام لأي امرأة حامل يراها.”

لكنني هززت رأسي ببطء.

قلت له:
“لكنه لم يقترب من المرأة التي تبيع الذرة في الزاوية، وهي حامل أيضاً. جاء نحوي مباشرة… نظر إليّ وكأن الأمر شخصي.”

أجابني بلطف محاولاً تهدئتي:
“أنتِ تبالغين في التفكير بسبب الضغط الذي سببه لكِ والداي. لدينا نتيجة فحص الحمض النووي موقعة من الطبيب. أنا الأب.”

ثم أضاف بهدوء:
“انتهى الأمر الآن. حاولي أن تنامي من أجل الطفل.”

لكن حتى عندما أغمضت عيني بعد ذلك، ظل سؤال واحد فقط يدور في رأسي بلا توقف.

هل كان يعرفني من قبل؟

هل كان مجنوناً فعلاً… أم أنه كان يعلم تماماً ما يقوله؟

إذا كانت نتيجة فحص الحمض النووي واضحة وتؤكد أن زوجي هو الأب الحقيقي…

فلماذا استمر ذلك الرجل في القول إن هذا الحمل يخصه هو؟

لم أنم مرة أخرى تلك الليلة.

في صباح اليوم التالي، بينما كنت أطبخ في المطبخ، عادت صورة عيني ذلك الرجل إلى ذهني مرة أخرى.

لم تكونا فارغتين أبداً.

ولم تشبها عيون شخص ضائع في جنونه.

كان هناك شيء ما بداخلهما.

ألم واضح… وكأنه يحاول أن يخبرني بشيء لم أفهمه بعد.

قلت لزوجي بينما كان يستعد للذهاب إلى العمل:
“إذا رأيته مرة أخرى… فسأتحدث معه.”

توقف فوراً ونظر إليّ بقلق واضح.

“ماريانا، لا تفعلي ذلك. أنتِ حامل، ونحن لا نعرف ما الذي قد يفعله ذلك الرجل.”

أجبته بهدوء:
“لن أقترب منه وحدي… لكنني بحاجة لمعرفة لماذا أنا بالذات.”

لم يرد هذه المرة، لكنني رأيت القلق واضحاً في ملامح وجهه.

مرت ثلاثة أيام كاملة منذ آخر مرة رأيت فيها ذلك الرجل.
في صباح هادئ خرجت وحدي إلى المتجر القريب لشراء الخبز، محاوِلة إقناع نفسي بأن كل ما حدث كان مجرد حـ,ـادث عابر.

لكن عندما اقتربت من زاوية الشارع… رأيته.

كان يجلس بجوار حاوية قمامة صدئة، ممسكاً بعلبة معدنية قديمة، رأسه منحني وعيناه ثابتتان على الأرض، كأنه يحاول الاختفاء عن العالم.

وفي اللحظة التي لمحني فيها، رفع رأسه ببطء ثم نهض على الفور، كأن ظهوري لم يكن مفاجأة له أبداً.

قال بصوت منخفض لكنه واضح تماماً:
“كنت أعرف أنك ستأتين.”

هذه المرة لم يكن يصرخ، ولم يكن صوته مليئاً بالجنون كما في المرة الأولى، بل بدا هادئاً بشكل غريب.

ابتلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بتوتر يسري في صدري.

سألته مباشرة:
“لماذا تقول إنك والد طفلي؟”

لم يجب فوراً.

ظل ينظر إلى بطني لبضع ثوانٍ طويلة، وكأنه يفكر في شيء عميق، ثم رفع رأسه ببطء وحدق مباشرة في عيني.

قال بهدوء:
“لم أقل إنني والد الطفل لأنني كنت معك… بل قلت ذلك لأنني صليت من أجلك.”

تجمدت في مكاني.

لم أفهم ما الذي يقصده.

قلت مرتبكة:
“ماذا تعني؟”

تنهد قليلاً، ثم تابع كلامه بصوت هادئ.

قال:
“لقد بكيتِ خمس سنوات كاملة. خمس سنوات كنتِ تمشين في هذا الشارع كل ليلة تقريباً، تنظرين إلى السماء وتطلبين من الله أن يمنحك طفلاً.”

ثم أضاف وهو يشير ببطء إلى الشارع الطويل خلفي:

“لقد رأيتكِ.”

شعرت بقشعريرة قوية تسري في جسدي.

كيف يمكنه أن يعرف ذلك؟

لم أخبر أحداً تقريباً بتلك اللحظات التي كنت أقضيها وحدي في الليل.

ثم أشار بيده إلى موقف الحافلات القديم أمام الكنيسة القريبة وقال:

“أنام هناك. منذ سنوات.”

صمت قليلاً، ثم تابع كلامه.

“كنت أسمع صلواتك كل ليلة تقريباً. كنت أسمع صوتك المرتجف وأنتِ تبكين وتطلبين من الله أن يمنحك طفلاً.”

خفض رأسه للحظة قبل أن يكمل.

“ليس لدي عائلة. لا زوجة، ولا أطفال، ولا أحد ينتظرني في هذا العالم.”

ثم رفع نظره نحوي مرة أخرى.

“ولهذا، كل ليلة تقريباً، عندما كنت أسمعك تبكين… كنت أقول لله:
إذا لم تمنحني أنا طفلاً… فامنحها هي واحداً.”

امتلأت عيناي بالدموع فوراً.

لم أكن أعرف ماذا أقول.

همس قائلاً بصوت خافت:

“لهذا عندما أقول إن هذا الطفل ابني… لا أعني أنني والده الحقيقي، بل أعني أنني صليت من أجله معك.”

لم أشعر متى بدأت دموعي تنهمر على وجهي.

كان هناك شيء صادق في كلماته جعل قلبي يرتجف.

سألته بصوت مرتعش:

“لكن… لماذا صرخت بذلك في الشارع أمام الجميع؟”

ابتسم ابتسامة خفيفة متعبة.

وقال:

“لأن لا أحد يستمع إلى كلام المجانين. لكنني أردت أن يسمع أهل السماء أن الله قد استجاب أخيراً.”

في تلك اللحظة فقط… نظرت إليه بطريقة مختلفة تماماً.

لم أعد أراه رجلاً مجنوناً يتجول في الشوارع.

بل رأيت رجلاً جريحاً… يحمل ألماً طويلاً لا يراه أحد.

سألته بلطف هذه المرة:

“ما اسمك؟”

أجاب بهدوء:

“غابرييل.”

في اليوم التالي عدت إلى نفس المكان، لكن هذه المرة لم أكن وحدي.

اصطحبت زوجي دانيال معي، وأحضرنا معنا طعاماً ساخناً وبعض الملابس النظيفة.

كان دانيال متفاجئاً جداً عندما سمع القصة كاملة.

بقينا نحن الثلاثة واقفين هناك للحظات طويلة في صمت.

ثم تحدث زوجي أخيراً.

قال بهدوء وهو ينظر إلى غابرييل:

“أنت لست والد طفلنا… لكنك كنت جزءاً من هذه المعجزة.”

ولأول مرة رأيت الدموع تسىقط من عيني غابرييل.

بعد عدة أشهر… أنجبت طفلاً ذكراً بصحة جيدة.

وعندما جاء وقت اختيار اسمه، لم أتردد.

أسميناه:

غابرييل دانيال هيرنانديز.

عندما سمع غابرييل ذلك الاسم لأول مرة، سىقط على ركبتيه خارج المستشفى.

لم يقل شيئاً.

فقط رفع رأسه نحو السماء… وشكر الله بصمت.

لم نتمكن من تبنيه.

ولم نستطع تغيير حياته بالكامل بين ليلة وضحاها.

لكننا بدأنا نفعل ما نستطيع.

ساعدناه في الانتقال إلى ملجأ، وساعدناه في الحصول على علاج طبي، ومع مرور الوقت بدأ النور يعود ببطء إلى عينيه.

وفي تلك اللحظة فهمت أخيراً الإجابة التي كنت أبحث عنها.

لم يكن رجلاً مجنوناً يريد تذمير حياتي.

بل كان إنساناً استخدمه الله ليذكرني بأن كل صلاة لا تكون وحدها أبداً.

ففي كل دعاء نرفعه إلى السماء… هناك قلوب خفية تصلي معنا دون أن نعرف.

وأحياناً يكون الأشخاص الذين نظن أنهم الأبعد عنا…
الفقراء، المتعبون، والذين يسميهم العالم مجانين…

هم الذين يقفون بصمت أمام السماء… ويطلبون معجزات لأجلنا.

 العبرة من القصة

لا تحكم على الناس من مظهرهم.

فبعض الأرواح المكسورة تحمل إيماناً أعمق بكثير مما نتخيل.

والمعجزات لا تأتي فقط من صلواتنا…

بل أحياناً تكون ثمرة قلوب أخرى انضمت إلى أملنا بصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى