عام

عزاء زوجي

بعد يوم واحد بس من وفاه جوزي، رجعت البيت لقيتهم غيروا الكوالين، وحماتي عمالة ترص حاجتها وتفرش وكأن البيت بيتها. قالتها لي في وشي بكل برود إنتي مجرد زوجة مفيش في إيدها وصية، ومحدش ليه حق هنا غيرنا. بصيت لها وأنا في قمة هدوئي، وابتسمت.. عشان هما من كتر لهوجتهم نسيوا تفصيلة واحدة، بس هي اللي فيها الخلاصة.
جوزي مكنش كمل 24 ساعة ميت، وأمه كانت خلاص بدأت تمسح وجودي.
رجعت من مصلحة التجهيزات بنفس الفستان الأسود اللي رحت بيه المشرحة عشان أتعرف على جــ,ثه دانيال. كنت شايلة ملف ورق في إيدي وصداع في دماغي كان هياكلني، لدرجة إني حسيت إن الوجع مابقاش في قلبي بس، ده بقى في

جسمي كله. الشرطة كلمتني الساعة 6 إلا ثلث الصبح اليوم اللي قبله؛ دانيال عربية نقل خبطته وهو سايق شاحنته على الطريق السريع. وعلى الظهر، كنت بمضي على أوراق وعيني مش شايفة من كتر الدموع. وبالليل، كنت برد على صواني الأكل، وواجب العزا، والأسئلة البايخة اللي ملهاش لازمة عن هو ساب أموره مترتبة ولا لأ؟.

كان عنده 39 سنة.. كنا فاكرين إن لسه العمر قدامنا طويل.
ركنت عربيتي

قدام البيت قبل الغروب بشوية، ومن قبل ما أنزل عرفت إن فيه حاجة غلط.
نور البوابة كان منور، ودانيال طول عمره كان يكره سيرة إن النور يفضل قايد بالنهار. وبعدين شوفت القفل النحاس بتاع الباب.. كان جديد بيلمع.
قلبي انقبض.
طلعت السلم، حطيت مفتاحي في القفل، لقيت المفتاح بيلف على الفاضي. جربت تاني.. مفيش فايدة. لثانية واحدة وقفت قدام باب بيتي متنحة، وكأنني غلطت في العنوان وجيت بيت ناس تانية.
وفجأة سمعت أصوات جوه.. ضحك.. وصوت رزع درف المطبخ.
خبطت خبطة واحدة قوية.

بعد دقيقة، الباب اتفتح، ولقيت قدامي حماتي جوديث، واقفة ولابسة المريلة بتاعتي، وكأنها صاحبة البيت بقالها سنين، مش الست اللي كانت بتدخل البيت مرتين في السنة بس عشان تطلع القطط الفطسانة في طبيخي.
وراها، الشنط كانت مرصوصة جنب ترابيزة السفرة. فوط المطبخ بتاعتها هي كانت متعلقة على إيد الفرن بتاعي. وحتى صورتها هي ودانيال يوم تخرجه، شالت صورتنا بتاعة الفرح وحطتها مكانها على الرخامة.
مبقتش عارفة بيتي.
بصت لي جوديث نظرة كلها شماتة ورضا عن النفس، وبعدين عينيها جت على المفتاح اللي في إيدي.
قالت لي ده مابقاش يفتح خلاص.
أنا بجد افتكرت إني سمعت غلط نعم؟ بتقولي إيه؟.

فتحت الباب حتة صغيرة بس عشان تفرَّجني على فاتورة النجار اللي مغير الأقفال وهي محطوطة على الترابيزة، وكأنها بتوريني وصل سوبر ماركت. وقالت غيرت الأقفال النهاردة بعد الظهر.. كان لازم أعمل كدة.
صوتي اتهز وأنا بقول لها لازم؟ ده جوزي لسه ميت إمبارح!.
ردت ببرود يجمّد الدم أيوة، وبما إنه مات من غير ما يسيب وصية، يبقى لازم الأمور تمشي صح.. البيت ده بقى ملك العيلة دلوقتي.
فضلت مبلمة فيها.
وفجأة ظهر سكوت، أخو دانيال الصغير، من وراها وهو شايل صندوق من صناديق التخزين بتاعتي. صندوقي أنا! اللي كنت شايلاه في الدولاب وحاطة فيه كوفيات الشتا وألبومات الصور القديمة.
مقدرش حتى يحط عينه في عيني.

ربعت جوديث إيديها وقالت إنتي مجرد زوجة غريبة مالكيش وصية.. وعيلة الدم هي اللي ليها الأولوية.
القسوة اللي كانوا بيتعاملوا بيها كانت منظمة قوي، لدرجة إني فهمت فجأة إن الموضوع ده مش وليد اللحظة. دول خططوا لكل ده وأنا لسه بجهز في كفن ابنه!
بصيت من وراها على المطبخ؛ كانت رصت بطرمانات التوابل بتاعتها جنب توابلي، وعلبة الدوا بتاعتها جنب مكنة القهوة. وعلى الترابيزة كان فيه نوتة مكتوب في أولها اسم دانيال وتحتها لستة طلبات العربية، العدة، الخزنة، مفتاح شاليه البحيرة، وباسوردات الحسابات.

كانوا بيجردوا حياتي كلها.
قربت جوديث مني ووطت صوتها بكلمات زي السم نصيحة مني، لمي لبسك الشخصي وامشي من هنا بالذوق قبل ما الموضوع يقلب بقلة أدب.
منطقتش بولا كلمة.
فضلت واقفة مكاني على السلم بهدوم العزا السودة، وببص للست اللي افتكرت إن كسرة قلبي هتخليني ضعيفة.
وبعدين.. ابتسمت.

عشان هما من كتر لهفتهم، وطمعهم، وثقتهم الزيادة في نفسهم.. نسيوا حاجة واحدة، بس مهمة فوق ما يتخيلوا.
الحاجة اللي هما نسيوها كانت بسيطة قوي..
البيت ده ملكي أنا.
مش ملكي بالحب ولا بالعشرة.. لأ، ملكي بالقانون.
من تلات سنين، لما شغل دانيال في المقاولات اتعثر ودخل في مشاكل في العقود، اضطرينا نعيد جدولة التمويل العقاري عشان نلحق البيت ونقلل الفوائد. وبما إن سجلي الائتماني كان أقوى ودخلي كمحاسبة قانونية كان أضمن، البنك اشترط إن العقد الجديد والملكية يبقوا
باسمي أنا بس. دانيال وقتها مضا على ورق تنازل الملكية في المكتب بنفسه، وفاكرة إني وقتها كنت بهزر معاه وبقوله ده أرخم ورق رومانسي ممضيه في جوازنا.
الظاهر إن أمه مكنتش تعرف المعلومة دي خالص.
كان ممكن أقول لها الكلام ده وأنا واقفة على السلم.. كان ممكن أرزع الحقيقة في وشها وأتفرج على لونها وهو بيبهت.. بس لا، فضلت مبتسمة.

قلت بهدوء يا سكوت.. ممكن تديني الموبايل من شنطتي؟.
بص لي باستغراب، بس اداني الموبايل.
جوديث رفعت راسها لفوق بصلف وقالت طلبي البوليس براحتك، مش هيفيدك في حاجة.. قانون المواريث واضح زي الشمس.
قلت لها تمام.. طالما واضح يبقى خلينا واضحين.
رجعت خطوتين لورا، فتحت الملفات اللي شايلاها على الموبايل، وطلعت عقد الملكية المسجل، وورق البنك، وسجلات الضرائب العقارية. وبعدها طلبت رقم النجدة وبلغت عن تغيير أقفال غير قانوني ومنع صاحبة البيت من الدخول من ناس غُرب.
وش جوديث بدأ يتهز لأول مرة.
برطمت وقالت يا عيلة تافهة وبتحبي الدراما.. ده بيت ابني!.
رديت لأ.. ده كان بيتنا، ودلوقتي ده بيتي أنا.
سكوت بص لأمه بحدة وقال ماما.

بس هي طنشته وقالت دانيال عمره ما كان يرمي أمه في الشارع!.
بصيت لها لثانية طويلة وقلت يبقى كان لازم يقول لك البيت باسم مين قبل ما تروحي تأجري نجار يغير الكوالين.
الكلمة دي نزلت عليها زي الصاعقة.
الراحة اللي حسيت بيها وقتها مكنتش نُبل مني، بس كانت حقيقية جداً.
البوليس وصل بعد ثلث ساعة. وطول ما إحنا مستنيين، جوديث كانت عمالة تروح وتيجي في الصالة زي الملكة اللي مش مصدقة إن مملكتها ضاعت. سكوت كان بيحاول يوشوشها بس هي كانت شايطة ومش سامعة حد. كانت خلاص نقلت هدومها في دولاب المدخل وبدأت تعيد ترتيب المطبخ.. بجاحتها كانت لدرجة تخلي الواحد ينبهر!
لما العساكر سألوا عن إثبات الملكية، ادتهم الموبايل والبطاقة اللي عليها نفس العنوان.

جوديث بدأت تلقي خطبة عن صلة الرحم والأرامل وحقوق الورثة وحماية أملاك العيلة من الغرباء.. وده كان مضحك قوي، خصوصاً إني كنت متجوزة ابنها بقالي 11 سنة!
واحدة من الضباط، كانت في سني تقريباً، قرت الورق مرتين وبعدين قالت بكل برود يا مدام، البيت ده متسجل بالكامل باسم السيدة مرسر الزوجة. إنتي مالكيش أي سلطة إنك تغيري الأقفال دي.
جوديث بؤها اتفتح من الصد,مة.

سكوت رجع لورا وكأنه بيقول أنا ماليش دعوة باللي هيحصل.
ربعت إيدي وقلت دلوقتي أحب أدخل بيتي.
النجار اضطر ييجي تاني بالليل عشان يفتح الباب.
وطول ما جوديث واقفة في مدخل البيت عمالة تبرطم عن المحامين والخيانة، لمحت من الشباك حاجة تانية محطوطة على ترابيزة المطبخ النوتة اللي فيها باسورات حسابات دانيال البنكية.
وقتها بس أدركت إن خطتهم مكنتش على البيت بس..
دول كانوا عاوزين يقلبوني في كل حاجة.
أول ما رجعت دخلت بيتي، الصدمة خبطت فيا على مراحل.

أول مرحلة كانت الوجع.. كوباية القهوة بتاعة دانيال كانت لسه في الحوض من الصبحية اللي سبقت وفاته. جاكيتته لسه متعلقة جنب باب الجراج. البيت ريحته لسه خشب وزيت مواتير، وريحة المسحوق اللي كان دايمًا يصمم إنه ريحة النضافة الحقيقية. الحزن هدني لدرجة إني اتسندت على الرخامة عشان بس أقدر أصلب طولي.
المرحلة التانية بقى كانت الواقع..
جوديث وسكوت مدوا إيديهم في كل حاجة.
أدراج المكتب في أوضة دانيال كانت مفتوحة. دولاب الملفات القفل بتاعه مكسور. الخزنة الصغيرة اللي ضد الحريق في أوضة نومنا كانت مجرورة لوسط الأوضة. وعلى ترابيزة المطبخ، جنب النوتة دي، لقيت ظرف أصفر فيه صور من حسابات شركته، وعقد الشاليه، وورق تأمين قديم.
هما مكنوش جايين يعزوا.. هما كانوا جايين يصطادوا.

كلمت صاحبتي المحامية إليز قبل حتى ما ألع جزمي. وعلى ما وصلت، كنت صورت كل حاجة زي ما سابوها بالظبط.. النوتة، الخزنة اللي اتحركت، أرقام الحسابات المتصورة، فاتورة النجار، وحتى شنطة جوديث اللي كانت لسه مفتوحة في أوضة الضيوف.
إليز لفت في البيت لفة واحدة، وبعدين بصت لي وقالت كويس إنك وثقتي كل ده قبل ما تلمسي حاجة.. ده اللي هينقذك.
قلت لها ينقذني من إيه؟.
قالت لي من محاولاتهم التانية، ومن إنهم يمدوا إيديهم على ممتلكات مالهمش حق فيها.
وكان عندها حق.
دانيال مات من غير وصية فعلاً، بس مكنش سايب أموره سداح مداح. بوالص التأمين على الحياة وحسابات المعاش كانت باسمي أنا ك مستفيد. حساباتنا البنكية المشتركة بتتنقل ليا تلقائي بصفة البقاء للأقوى. أما نصيبه في الشركة فده هيدخل في الميراث فعلاً، بس جوديث واضح إنها يا إما مش فاهمة القانون، يا إما كانت بتعشم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى