عام

عضة كلب

أمل مستحيل: كيف أنقذت شجاعة أم وعالم كيميائي طفلاً من مصير محتوم؟ في صيف عام 1885، تعرّض طفلٌ صغير يبلغ من العمر تسع سنوات لإصابات بالغة إثر مفاجئ من كلبٍ مصاب بداء السعار أربع عشرة مرة. وفي ذلك الزمن، كانت هذه الإصابة تعني شيئًا واحدًا فقط: مواجهة مصير صحي محتوم لا نجاة منه.

 

لكن أمّه رفضت تماماً أن تستسلم للنهاية، فحملت ابنها المصاب وسافرت به عبر فرنسا كلها بحثًا عن رجلٍ تداولت الألسن أنه يملك أملاً مستحيلًا في مختبره البسيط.

 المفاجئ والأمل الغائب
كان الصبي يُدعى جوزيف ميستر، وحين هاجمه الكلب فجأة في إحدى قرى فرنسا، تسبب له في جروح بالغة وعميقة في يديه وساقيه وفخذه، قبل أن يتمكّن الأهالي من إبعاده. وفي ذلك الوقت، لم يكن هناك أي علاج متاح لداء الكلب؛ فبمجرد أن تبدأ الأعراض في الظهور على المصاب، يصبح عاجزاً تماماً عن المقاومة.

كانت طبيعة هذا المرض صعبة للغاية وتفوق الوصف، حيث تؤدي إلى حادة وشلل تام، ولم يكن لدى الأطباء في تلك الحقبة ما يقدّمونه لمساعدة المرضى سوى الدعم النفسي والانتظار.

لكن والدة جوزيف تمسكت بالأمل؛ إذ سمعت عن عالمٍ بارز في باريس يُدعى لويس باستور، كان يعمل وقتها على تطوير علاجٍ تجريبي متطور لم يُجرَّب على أي إنسان من قبل. لم يكن باستور طبيبًا بشرياً، بل كان عالم كيمياء متفوقاً، والجميع حوله كانوا يخشون المغامرة الطبية حتى لا تؤثر على حياة الطفل قبل أن ينقذه العلاج. ورغم كل تلك المخاوف، حزمت الأم أمتعتها وأخذت ابنها وسافرت به إلى باريس.

ليلة تاريخية غيرت مجرى الطب
حين وصل جوزيف إلى معمل باستور، كان العالم الفرنسي يشعر بتردد وضغط شديدين؛ فاللقاح التجريبي حقق نجاحاً كبيراً على الحيوانات، لكن لم يسبق استخدامه في القطاع البشري ولو لمرة واحدة. وإذا فشلت التجربة، فقد يخسر باستور سمعته وحياته المهنية بالكامل.

بعد فحص الصبي بعناية، أجمع الأطباء المحيطون به أن حالة جوزيف ستتدهور بشكل كامل بدون خوض هذه التجربة الفريدة. وفي مساء 6 يوليو 1885، شهد العالم إعطاء أول جرعة تحصين تجريبية في التاريخ ضد داء الكلب لإنسان.

نقطة التحول: تبعت هذه الجرعة 13 جرعة أخرى خلال الأيام التالية، بينما كان باستور يتابع حالة الطفل ليلًا ونهارًا بقلق وترقب حقيقي، وكان كل ارتفاع طفيف في درجة حرارة الصبي يثير مخاوف الفريق العلمي.

النجاة الكبرى وصناعة المستقبل
لكن الرعاية والجهد العلمي آتيا ثمارهما؛ مرّت الأيام، ثم الأسابيع، واستقرت حالة الصبي تماماً دون ظهور أي أعراض للمرض. وبذلك، أصبح جوزيف ميستر أول إنسان في التاريخ ينجو من هذا الداء الخطير بعد تعرّض مؤكد للعدوى.

انتشر الخبر العلمي المفرح في أوروبا والعالم كله، وبدأ الناس يتوافدون على العاصمة الفرنسية باريس من كل حدب وصوب حاملين أبناءهم المصابين طلبًا للأمل والشفاء. ومن تلك اللحظة التاريخية، تغيّرت مفاهيم الطب الوقائي وعلم اللقاحات إلى الأبد.

أما جوزيف نفسه، فقد منحه الله العمر حتى سن الرابعة والستين، وعاد لاحقًا بعد سنوات طويلة ليعمل بكامل فخره داخل معهد باستور نفسه؛ المكان الذي احتضنه وأنقذ حياته في طفولته. كل هذا التحول العظيم حدث لأن أمًا شجاعة رفضت الاستسلام، ولأن عالمًا فذاً خاطر بكل شيء من أجل إنقاذ طفلٍ واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى