في جلسة الطلاق

كنت حامل في الشهر الثامن لما القاضي حكم إني أطلع من الجوازة دي من غير مليم.. جوزي كان واقفلّي بابتسامة شماتة وثقة وعينه بتقولي وريني بقا هتعيشي إزاي أنتِ واللي في بطنك من غيري!، كتمت دموعي وكنت خلاص هخرج بقلب مكسور، لحد ما باب المحكمة ودخلت ست مليارديرة بتهز البلد كلها وقالت بنتي هتعيش أحسن بكتير من غيرك!.. اللي حصل بعد الكلمة !
قاعة المحكمة كانت خانقة وريحتها مليانة توتر وقهرة؛ ابني اللي لسة في بطني وأنا في الشهر الثامن خبط برجليه الصغيرين في ضلوعي، كأنه حاسس باليأس والكسرة اللي مالية قلبي وروحي؛ خبطت شاكوش المستشار رنت في القاعة، والحكم نزل عليا زي التلج وجحد قلبي أنا، البنت الغلبانة اللي كبرت في ملجأ وماتعرفش ليها أهل وعاشت قسۏة الدنيا، هطلع من الجوازة دي وميش معايا الحبة والمليم! مفيش شقة، مفيش نفقة، مفيش أي حاجة! بصيت لشريف؛ الراجل الشيك اللي كان زمان بيحلف برأسي وبيقولي أنا أمانك وسندك، كان خلاص قلع القناع وبان وش الجبروت والندالة اللي جواه؛ رتب كل حاجة بالملي عشان يرميني وأنا في أضعف حالاتي وفي أواخر حملي! قرب مني على ترابيزة الخشب، وريحة البرفيوم الغالي بتاعه خنقتني وهو بيميل على ودني عشان يديني القلم الأخير وريني بقا هتعيشي إزاي من غيري يا رضوى.. أنتِ جيتي من مفيش، وراجعة للمفيش تاني!؛ مرار الذل والكسرة طفح في زوري، بس جزيت على سناني وضغطت ضوافري في كف إيدي لحد ما كانت هتنزل ډم؛ حلفت م أعيطش، وم أديش للندل ده متعة إنه يشوف دمعة واحدة نازلة من عيني! حطيت إيدي على بطني عشان أحمي ابني وقومت بالعافية من على الكرسي؛ مكنش ليا مخلوق في الدنيا، كنت أنا واللي في بطني بس، وخلاص خارجين للهوا الساقع برة المحكمة بجيوب فاضية وقلب مجروح؛ بس م لحقتش أوصل للباب! فجأة، الباب الخشب الكبير بتاع القاعة بقوة خلت كل اللي قاعدين يلفوا وشهم ! أربع ولابسين لبس حراسة خاصة دخلوا الأول وأمنوا المخارج؛ وبعدها دخلت هي.. الست شاهندة الألفي.. سيدة الأعمال المليارديرة اللي اسم عيلتها بيهز السوق والاقتصاد كله! كانت لابة عباية كشمير أبيض في غاية الشياكة، بس عيونها هي اللي وقفت دقات قلبي؛ عيون زرقاء صافية وحادة، ودي صفة وراثية نادرة جداً.. ونفس لون عيوني بالظبط! شاهندة م اِلتفتتش أصلاً لشريف اللي جرى عليها بلهفة وتمسح عشان يرحب بيها كأنه في الجو، ومشت بخطوات ثابتة وراسمة الهيبة لحد ما وقفت قدامي؛ في ثانية واحدة، وش الست القوية الجبارة اِختفى، وظهرت مكانها أم عيونها الزرقاء بتلمع بالدموع؛ مدت إيدها اللي مليانة خواتم ألماظ وبيرتعش، وحطت كفها الدافئ على خدي الشاحب؛ وهمست بصوت من كتر ۏجع السنين وقهرة تلاتين سنة مستخبية يا قلب أمك.. يا بنتي الغالية.. أخيرًا لقيتك!؛ عقلي وقف وم بقيتش مجمعة حاجة؛ بنتها؟ أنا؟ أنا البنت اليتيمة اللي كبرت في ملجأ! شريف طلع ضحكة وذهول وقال بنتك إزاي يا شاهندة هانم؟ رضوى دي ملهاش أهل ومقطوعة من شجرة!!…
يا ترى راندا هتعمل إيه بعد ما تكتشف إنها بنت أكبر مليارديرة في البلد، وإزاي شاهندة هانم وتاخد حق بنتها وتخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يذلها، وإيه السر اللي هيتكشف عن خطڤها
وهي صغيرة؟ اللي جاي قلبان ترابيزة واڼتقام يزلزل القلوب!
الجزء الثاني
في تلك اللحظة، توقف الزمن تماماً في قاعة المحكمة، وكأن الهواء نفسه قد تجمد، ولم يعد هناك صوت إلا دقات قلبي التي كانت تدق پعنف يكاد يسمعها الجميع. كنت أنظر إلى هذه السيدة العظيمة، شاهندة الألفي، المرأة التي تُذكر في كل مكان كرمز للقوة والثراء والنفوذ، والآن تقف أمامي، ويدها الدافئة تلمس خدي، وعيناها الزرقاوان تفيضان بالدموع، وتقول لي كلمة لم أتخيل يوماً أنني سأسمعها يا بنتي الغالية.. أخيراً لقيتك!.
عقلي كان يرفض التصديق، وقلبي يتراقص بين الحيرة والخۏف والأمل، وهمست بصوت مرتعش بالكاد يخرج من حلقي أنا.. أنا ملكش أهل يا سيدتي، كبرت في الملجأ، ومحدش قال لي إن لي أم أو أب، وكل ما أعرفه إنني وجدت طفلة صغيرة مرمية على باب الدار وهي عمري سنتين بس!.
ابتسمت شاهندة ابتسامة مليئة بالحزن والألم، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وقالت بصوت واضح وصل إلى كل زاوية في القاعة هذا هو السر الذي ظل مخفياً لثلاثين عاماً يا رضوى.. لم تكنِ ضائعة باختيار، ولم تكنِ يتيمة بلا أهل، بل خُطفتِ وأُبعدتِ عنا بيد من كان يفترض أن يحميكِ، من أجل حقد وطمع لا حدود لهما!.
في تلك اللحظة، صړخ شريف بصوت مرتفع يحاول أن يبدو واثقاً لكنه كان يرتجف خوفاً هذا كلام لا معنى له! كيف يمكن أن تكون ابنتك وأنتِ لم تعرفيها كل هذه السنوات؟ وكيف نصدق كلاماً لا دليل عليه؟!.
التفتت إليه شاهندة، واختفت نظرة الحنان التي كانت تملأ عينيها، وحلت محلها نظرة حادة وقاسېة، نظرة صاحبة نفوذ تعرف كيف تفرض وجودها وتكشف الحقائق. رفعت يدها، فأحضر أحد رجال الحراسة ملفاً جلدياً ضخماً مختوماً بختم ذهبي، ووضعته أمامها على الطاولة، وقالت بصوت قوي يهز الجدران الدليل موجود هنا، وسيظهر أمام الجميع في دقائق، وسيثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن رضوى الألفي هي ابنتي الوحيدة، ووريثة كل ما أملك من ثروة ومكانة واسم.
نظرت إليّ مرة أخرى، ومسحت يديها بلطف على بطني الحامل، وقالت لي بصوت هادئ ومطمئن لا تخافي يا روحي، أنا هنا الآن، ولن يلمسكِ أحد بسوء مرة أخرى، ولن تعودي أبداً إلى حياة الحرمان والذل التي عشتها، ولن يضيع حقك ولا حق ابنك القادم.
جلسنا على المقاعد، وطلبت شاهندة من القاضي بكل احترام وثقة سيدي المستشار، أرجو إيقاف تنفيذ الحكم الصادر مؤقتاً، وسنقدم لك الآن جميع التي تثبت النسب، وسنقوم فوراً بإجراء تحليل حمض نووي للتأكيد، وسنطلب منك إعادة النظر في كل ما تم، لأن ما حدث لهذه الفتاة ليس مجرد خلاف زوجي، بل هو ظلم واضح في الحقوق، وربما.
بدأت الحقائق تتساقط واحدة تلو الأخرى، وبدأ شريف يدرك أن الأرض تميد تحت قدميه، وأن ابتسامته الشماتية التي كان يتباهى بها قبل دقائق قد تحولت إلى ړعب حقيقي، وأن السلطة التي ظن أنه يمتلكها قد تلاشت فجأة أمام هذه الحقيقة المذهلة.








