يوم خروج عمي

اليوم اللي عمي خرج فيه من ، العيلة كلها تصرفت كأن الراجل ده عمره ما كان موجود في الدنيا اصلا، بس انا خدت عربية ابويا وسوقت أكتر من تمانمية كيلو عشان أروح أستناه وأستقبله ، بس لما شافني محضنيش ولا كلمني اللي عمله خلاني فهمت ليه محدش كان عايز يجي يستقبله !!!
…
اليوم اللي عمي خد فيه حريته، الجروب بتاع العيلة على الواتساب كان فيه هدوء يخنق.
عمتي رمت في الجروب صورة متصورة قدام باب ، وكتبت فوقيها ببرود:
«بكرة الساعة تمانية الصبح، هيخرج.»
الرسالة من هنا، والجروب اللي كان شغال رغي… فجأة.
ولا مخلوق رد.
بعدها بسبع تمان دقايق، عمتي راحت رميا كلمة كمان:
«اللي حابب يروح يجيبه يروح… أنا عن نفسي معنديش وش أروح بيه.»
عمي الكبير اتحجج إنه مشغول ومش فاضي.
ابن عمي قال الشركة مش راضية تديله إجازة.
أما أبويا بقى، فكتب كلمتين بس:
«مش رايح.»
أمي بصتلي وقالت بصوت هادي كدا:
«وإنت كمان يا حازم… بلاش تحط نفسك في الموقف ده ولا تحط إيدك في إيده.»
هزيت
رأسي وقلت: «حاضر يا أمي»، ووطيت رأسي وكملت أكل.
بس بيني وبين نفسي… القرار كان خلاص اتأخذ.
…
الغدا اليوم ده كان يغُم، مفيش حد طايق يفتح بقُه بكلمة.
بس ما قدرتش أفض٠٠ل ساكت، وسألت:
«هو بجد يا بابا… بكرة مفيش حد خالص رايح يستنى عمي؟»
إيد أبويا بالمعلقة اتسمرت في الهواء.
بصلي بصة كلها تحذير وشر:
«وإنت بتسأل السؤال ده ليه إن شاء الله؟»
«يعني… الراجل لسه طالع من السجن، على الأقل المفروض يلقى حد في وشـ…»
قبل ما أكمل جملتي، أبويا في الكلام:
«حازم! بلاش تعمل فيها شيخ العرب وتدخل في اللي مالكش فيه!»
وأمي كملت على كلامه:
«هو إنت نسيت اللي عمك عمله زمان ولا إيه؟»
أنسى؟ إزاي أنسى!
عمي “هشام”… أخو أبويا الصغير.
من عشر سنين، اتورط في قضية أموال عامة وشيكات وشغل قضايا، ودخل بسببها كنت عارف انه غلط بس مش لدرجة الللي عيلتي عملوه
من اول ما ، مفيش حد في البيت بقى ينطق اسمه.
الصورة الجماعية المتعلقة في الصالة مش محطوط فيها.
عزومات العيد واللمة، مفيش له كرسي فيها.
كأن بني آدم بالاسم ده اتسحب من الوجود.
بس ذكرياتي أنا… مش بتتمسح بسهولة.
لما كان عندي اتناشر سنة وأنا بتنطط على سور الترعة في البلد ووقعت فيها، هو اللي نط بجلابيته وجابني من الميه.
ركبته اتخبطت في حجر، كان مغرق بنطلونه، بس كمل وهو شيلني وراميني على البر.
ولما جيت أدخل ثانوي وكانت دروس الرياضة غالية وأبويا مزنوق، كان يجي بالليل من غير ما حد ياخد باله، يحط الفلوس في شنطتي ويضحك ويقولي:
«التعليم مفيش فيه توفير يا حازم… الفقر له حل، إنما الجهل ملوش علاج يا ابن أخويا.»
صح… هو غلط ودخل .
ومقدرش أقول إنه مظلوم ولا ملاك.
بس كمان مقدرش أبيع كل اللي عمله عشاني بارد كدا!
أبويا بصلي فترة طويلة، وبعدين ضحك ضحكة استهزاء:
«بلاش وجع دماغ ونغمة الجميل الرخيص دي.»
«مهما كان يا بابا ده أخوك…»
رد عليا بكلمة ناشفة:
«أنا معنديش أخ بالاسم ده من زمان.»
وأمي زودت:
تصحى بكرة تطلع على شغلك في الميعاد، وبلاش وجع دماغ ومشاكل ملهاش لازمة.»
هزيت رأسي: «تمام… حاضر.»
أول ما شافوني وافقت، حسيتهم اتنفسوا الصعداء.
بعد الأكل، قمت الأطباق وبدأت أغسلها.
صوت الميه وهي نازلة من الحنفية كان عالي، بس بالرغم من كده، سمعت أبويا وهو بيهمس لأمي في الصالة:
«عينك عليه يا … الولد ده دماغه ناشفة وممكن يعمل حركة مجنونة.»
ما نطقتش ولا كلمة.
مسكت التليفون بالراحة.
عنوان العمومي كان متسجل عندي على الخريطة من فترة.
تمانمية وسبعطاشر كيلو… سكة تسع أو عشر ساعات بالعربية.
قعدت أبص للرقم كتير.
لحد ما البيت كله طفى النور ودخلوا يناموا.
فتحت الدرج بشويش خالص.
سحبت مفتاح العربية بتاعة ابويا
من غير ما أنور إضاءة.
من غير ما أعمل أي صوت.
وأنا واقف عند الباب، عيني جت بالصدفة على صورة العيلة المتعلقة على الحيطة.
في الصورة… مفيش مكان لـ “هشام”.







