منوعات

يوم خروج عمي

2
عمي هشام ما اتحركش خطوة واحدة ناحيتي. ولا حتى ابتسم.

بالعكس.. أول ما عرفني، وشـه اتغير. عيونه اتملت رعب وغضب في نفس الوقت.

رجع خطوة لورا كأنه شاف عفريت، ورفع إيده في وشي بحدة وقسوة ما شفتهاش في حياتي من بني آدم، وزعق بصوت شاحج ومبحوح طلع بالعافية من زوره:

مقالات ذات صلة

​«إنت إيه اللي جابك هنا؟! ارجع.. ارجع مكان ما جيت يا حازم!!»
​اتسمرت في أرضي. أكن حد ضربني بالقلم على وشي.

​«عمي.. أنا حازم! أنا جيت أخدك بالعربية، الطريق طويل وأنا…»
​ بصوت طالع بالعافية، بس كل كلمة فيه كانت زي :

​«مش عايز أراك! مش عايز أشوف حد منكم! إنتوا إيه.. ما بتفهموش؟! امشي من قدامي فوراً قبل ما أعمل حاجة أندم عليها!»
​مسك شنطته القماش بصرامة، ولَف ظهره ليا ومشي بفركة كعب ناحية أول الشارع، يتكعبل في خطواته وعينه على الأرض، كأنه بيهرب مني.. مش بيهرب من !

​وقفت في نص الطريق، الناس المحيطة بيا بدأت تبصلي باستغراب. الريح كانت بتطير التراب حواليا، وأنا واثق إن دموعي كانت خلاص نازلة بس مش حاسس بيها من الشلل اللي صابني. هو ده العم اللي بعت كل حاجة وجيت له؟ هو ده الراجل اللي أنا ضحيت بعلاقتي مع أبويا وأمي عشان أستقبله؟

​مشيت وراه بشويش من غير ما يحس. كان ماشي ، ودخل الموقف العمومي القريب من . قعد على دكة خشب مكسورة مستني ميكروباص. قربت منه تاني بالراحة، وقعدت على نفس الدكة بس من الناحية الثانية.

​هو حس بيا. ما بصليش،

بس أيده كانت بترتعش وهو ماسك الشنطة.
قلت له بصوت مكسور:

​«طب ليه؟ يفيد بإيه كل ده؟ أبويا طردني من البيت عشان جيتلك.. العيلة كلها اعتبرتني خاين عشان ما رضيتش أسيبك تطلع لوحدك.. تقوم إنت تعمل فيا كدة؟ هو إيه اللي حصل زمان يا عمي؟ إيه السر اللي خلى الكل يكرهك وإنت تكرهنا للدرجة دي؟ قضية الشيكات دي ما تزعلش حد كدة!»
​عمي هشام فضل ساكت. كان بيبص للفراغ، وبعد دقيقة طويلة أوي، مسح وشـه بإيده المرتعشة، وطلع تنهيدة  حسيتها طالعة من قعر .

​بصلي أخيراً، ولأول مرة أشوف في عينيه الدموع.. بس مش دموع ضعف، دي دموع قهـر.

قال بصوت واطي ومبشوم:

​«إنت غبي يا حازم.. غبي وأحين منك ما شفتش. فاكر نفسك بطل؟ فاكر إنك جاي تنقذ عمك الطيب من ظلم العيلة ؟»
​«أمّال إيه الحقيقة؟ فهماني!»

​قرب مني وشـه، وريحته كانت طالعة شوك وسجاير مكتومة، وقال بهمس مرعب:

​«الحقيقة إن الشيكات والقضية والأموال العامة دي كانت بتاعت أبوك إنت!.. مش بتاعتي أنا!»
​الكلمة نزل عليا زي الصاعقة. حسيت الدنيا بتدور بيا.

​«إنت بتلخبط يا عمي.. بتقول إيه؟»
​ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها مرار الدنيا كله:

​«أبوك زمان دخل في تجارة شمال مع ناس واصلين، ودبس نفسه في شيكات بمليونات. كان هيدخل السجن ويضيع، وشركته تتقفل وببيته يتخرب.. وإنت وأمك تتردوا في الشارع. أبوك جه بكى تحت رجلي زمان يا حازم.. قال لي “يا هشام إنت مالكش عيال ولا زوجة، أنا عندي حازم وأمه هيروحوا فين؟ شيلها عني وأنا هتكفل بيك وبكل حاجة لحد ما تخرج”.»
​بلعت ريقي بصعوبة، وحسيت بريق ناشف زي الحطب:

​«وإنت.. إنت وافقت؟»
​«وافقت عشانك إنت.. وعشان أخي. لبست القضية وشيلت العشر سنين من عمري في السجن. بس اللعبة ما خلصتش هنا.. الاتفاق كان إنه يفضل يزورني، ويدفع المحاميين، ويراعي العيلة. عارف أبوك عمل إيه بعد أول سنة؟»
​سكت، ومسح دمعة خانته ونزلت على خده المكرمش.

​«أبوك خاف.. خاف إن الناس تعرف إن القضية أصلها بتاعته لو فضل يزورني أو يسأل عني. اتأفق مع باقي العيلة – عمتك وعمك الكبار – إنهم يمسحوني من حياتهم خالص. أقنعهم إن وجودي وصمة عار في العيلة، وإن التبرؤ مني هو الحل الوحيد عشان محدش ينبش ورا القضية ويعرف الحقيقة! أبوك شسّلني ذنبه، وبعدها رمى طوبتي ودفن اسمي وهو حي عشان يحمي نفسه!»
​حسيت رأسي بتلف. الأوكسجين قل من حولي. الصور كلها بدأت تترتب في دماغي زي المكعبات.. الصورة الجماعية اللي شالوه منها، صمت أبويا، تحذير أمي، والرسالة اللي جتلي على التليفون من ساعات!

 

​عمي كمل بصوت يقطّع القلب:

​«أنا لما شفتك النهاردة.. ما كنتش خايف منك يا حازم، أنا كنت خايف عليك! أبوك لو عرف إنك جيتلي وفهمت.. مش هيسيبك. أبوك بقى شخص ثاني خلاص، الشخص اللي يبيع أخوه عشان يسلم نفسه، يقدر يبيع أي حد. أنا خايف يدمر مستقبلك زي ما دمر عمري. أنا ما رضيتش أحضنك عشان ما أتعودش عليك تاني.. أنا طالع من هنا ماليش حد، ومش عايز منكم حاجة. ارجع يا حازم.. ارجع لأبوك، ومثّل إنك ما شفتنيش، ومثّل إنك بتكرهني زي ما هما بيكرهوني، عشان تعرف تعيش وسطهم!»
​الراجل قام وقف، الميكروباص كان وصل وركن في الموقف. مسك شنطته المتهالكة، وبصلي بصة أخيرة فيها كل معاني الحنان القديم اللي كنت فاكره، وقال:

​«افتكر كلمة عمك.. التعليم مفيش فيه توفير، بس النذالة.. ليها ألف باب وباب. أوعى تطلع زيهم يا حازم.»
​ركب الميكروباص، والباب الاتقفل بصوت عالي، والميكروباص مشي وساب وراه عفرة غطت الطريق.

​قعدت على الدكة لوحدي. التليفون في جيبي بدأ يهتز تاني.

طولته.. لقيت اسم “أبويا” ينور على الشاشة.

رديت المرة دي.

صوت أبويا جه من الناحية الثانية، عصبي ومشدود وفي نبرة تهديد:

​«إنت فين يا حازم؟ وصلت لعمك ولا لسة؟ أوعى تكون كلمته يا ولد!»
​بصيت للصحراء الممتدة قدامي، وحسيت إن الولد الصغير اللي كان بيقع في الترعة مات النهاردة، وإن حازم الجديد هو اللي واقف على رجليه.

​تنفس بصوت هادي، وقلت ببرود يخوف:

​«لا يا بابا.. ما قصرتش. وصلت، وشفته.. وفهمت كل حاجة.»
​السكوت ساد الناحية الثانية من الخط. أبويا ما نططقش، بس كنت سامع صوت أنفاسه العالية والارتباك اللي حل عليه.

​كملت كلامي وأنا بفتح باب عربيتهم اللي اتكتبت بدم عمي:

​«أنا راجع يا بابا.. بس مش راجع بيتك. أنا راجع عشان أخد حاجتي.. ومفيش حد في العيلة دي هشوف وشه تاني.»
​قفلت السكة في وشه، ورميت التليفون على الكرسي

اللي جنبي، ودست بنزين.. وأنا عارف إن الطريق اللي قدامي مش مجرد تمانمية كيلو راجعهم، ده طريق جديد خالص هبدأه لوحدي

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى