شاف امه

الراجل بعد عن ودني وهو لسه مبتسم نفس الابتسامة اللي بتقبض القلب، ورجع خطوتين لورا وسند على عصايته وبصلي من فوق لتحت بنظرة كلها تحدي.
الدنيا لفت بيا.. الساحة والناس والأنوار اللي حوالين المسجد كلها اتداخلت في بعضها. بصيت لأمي اللي كانت غرقانة في دموعها على الرصيف، وبقت بتبص للراجل بذهول وخوف، وكأنها هي كمان أول مرة تسمع الكلام ده. أمي زعقت بصوت مبحوح وهي بتترعش:
— «أنت بتقول إيه يا علوان؟ غلطة مصطفى إيه؟ مصطفى عاش طول عمره راجل شريف وميعرفش الحرام.. أنت هتبتلي عليه وهو في دار الحق؟»
علوان ضحك بسخرية وقال وهو بيبص لأمي:
— «يا حبة عيني يا أم شريف.. طول عمرك نية وماشية ورا قلبك. مصطفى فهمك إنه شال شيلتك ودارى على سرك، وفهمك إن البعد هو الحل عشان ابنك يكبر نضيف.. بس الحقيقة إن مصطفى كان بيلعب بيكِ وبيّ وبالمكتوب كله عشان يداري على المصيبة الكبيرة اللي عملها هو.. المصيبة اللي لو الولد ده عرفها، هيهد كل اللي بناه في ثانية واحدة».
أنا مكنتش قادر أستحمل أكتر من كده، الغموض كان ، والشك بدأ ينهش في صورة أبويا.. الراجل اللي كنت بشوفه أعظم راجل في الدنيا، السند والبطل اللي ضحى بشبابه عشاني. مسكت علوان من دراعه بكل قوتي وزعقت فيه وسط ذهول الناس اللي بدأت تلتفت لينا:
— «خلصنا وأنطق! أبويا عمل إيه؟ إيه الغلطة اللي بدأت يوم ما أنا اتولدت؟ قسماً بالله لو ما نطقت وحكيت كل حاجة حالا لأكون هادد الدنيا فوق دماغك!»
علوان نفض إيدي من عليه ببرود، وعدل طاقيته، وقرب مني خطوة واحدة، وبص في عيني الخضرا قوي وقال بنبرة هادية ومرعبة:
— «أبوك مصطفى زمان مكانش بيخلف يا شريف.. واليوم اللي أمك ولدت فيه في المستشفى الحكومي القديم، ابنه الحقيقي مات بعد الولادة بساعة واحدة.. أبوك مكانش قادر يستحمل الصدمة ولا النظرة في عيون الناس، وفي نفس الليلة دي، كانت فيه ست غلبانة تانية بتولد في السرير اللي جمبهم.. ست ماتت وهي بتولد، وأبوك بفلوسه ونفوذه بدل النمرة، وخد الواد الصغير وكتبه باسمه وسجلّه في الصحة.. الواد ده اللي هو أنت يا شريف! أنت مش ابن مصطفى.. ولا حتى ابن الست الغلبانة اللي قاعدة تشحت تحت رجليك دي!»
الكلمات نزلت عليا اتمكن من قلبي.. الصدمة شلت لساني، وأمي صرخت صرخة هزت الساحة كلها وهي بتقول: «لأ.. لأ يا علوان كدب!!».. وفي اللحظة دي، وأنا باصص لعلوان بذهول، لقيت راجل تاني لابس جلابية بيضا بيقرب مننا بسرعة ومن غير ما يتكلم، قام مطلع مطواة من جيبه وغرسها في بطن علوان وهو بيقول: «ده تمن السكوت يا علوان.. السر ده معاك النهاردة!»
علوان وقع على الأرض والدم بدأ يغرق أسفلت الساحة، والناس بدأت تصرخ وتجري في كل مكان، وأنا واقف في النص مشلول، مش عارف أبص لعلوان اللي، ولا للراجل اللي وسط الزحمة، ولا لأمي اللي مش أمي!
علوان وقع على الأرض، والناس بدأت تتلم وتصرخ: «يالحقوا يا ناس راجل !».. الساحة اللي كانت من دقيقة هادية ومطمنة، اتتحولت لخرابة من الجري والخوف.
أنا مكنتش حاسس برجلي، كنت واقف في النص زي الصنم. عيني رايحة لعلوان اللي بيفرفر وبيرفص على الأسفلت بيمشي بين رجلينا، ورايحة للزحمة اللي بلعت الراجل أبو جلابية بيضا في ثانية وكأن الأرض انشقت وبلعته.
لقيت إيد بتترعش وبتمسك في بنطلوني بكل قوتها.. بصيت تحت، لقيتها هي. الست اللي عشت سبعة وعشرين سنة فاكرها أمي، والنهاردة عرفت إنها يمكن تكون غربية عني.. بس نظرة عيونها الخضرا، نفس عيوني، مكانتش بتقول كدة! كانت بتنهج وتصرخ وهي حاطة إيدها على قلبها:
— «شريف.. متصدقوش.. علوان كداب.. كداب وعايز يخرب بيتك ويفضح أبوك.. أنت ابني.. أنت حتة مني يا ابني!»
شلت إيدها عني براحة، وأنا حاسس إن أي لمسة دلوقتي بتوجعني. رجعت خطوتين لورا، وبصيت لخطيبتي أسماء اللي كانت واقفة بعيد ووشها أصفر زي الليمونة ومش قادرة تنطق من منظر الدم ومن الكلام اللي سمعته.
في وسط الهيصة دي، وصوت سرينات الإسعاف والشرطة بدأ يظهر من بعيد ويقرب من الساحة، لقيت أمي (أو الست دي) بتطلع ورق مطبق ومتبهدل من كيس قماش قديم كانت مخبياه تحت هدومها، وقامت رامياه في حجري وهي بتقول بصوت مخنوق من البكا:
— «لو مش مصدقني.. خد ده.. ده ورق المستشفى الحقيقي اللي أبوك خبّاه عن علوان وعن الدنيا كلها.. اقراه وأنت هتعرف مين فيهم اللي كان بيحميك ومين اللي كان عايز يدبحك!»
خدت الورق وإيدي بتترعش، وجيت أفتح أول صفحة.. وفجأة، لقيت أمي بتمسك رقبتها، وعينها برقت لفوق، ونفَسها اتقطع ووقعت على سِيفها على الرصيف، من غير ما تنطق ولا كلمة زيادة!








