لمدة ثلاث شهور حماتي

بعدها طلع راجل في الخمسينات، لابس بدلة سودة، ومعاه شنطة جلد.
دخل الشقة، وطلع كارنيه المحاماة، وسلم على عم توفيق.
وبعدين قال بهدوء
مين فيكم الأستاذة نادية؟
رفعت إيدي.
بصلي وقال
محتاج أتأكد الأول… الكيس ده محدش فتحه من وقت ما اتشاف؟
رد عم توفيق أبدًا.
تنفس الرجل الصعداء، وقال
كويس… يبقى كل حاجة لسه زي ما هي.
وقبل ما يكمل…
سمعنا صوت صراخ من تحت العمارة.
جرينا ناحية البلكونة.
لقينا تاكسي واقف.
والحجة خديجة نازلة منه مستعجلة، حتى الشنطة كانت واقعة من إيدها وهي بتجري.
أول ما دخلت الشقة، كانت أول مرة أشوفها بالشكل ده.
لا صوت عالي.
ولا أوامر.
ولا غرور.
دخلت وهي بتبص للكيس، وعينيها مليانة خوف.
قالت للمحامي
أنا وصلت… خلاص… متفتحوش.
رد عليها بهدوء
آسف… بعد ما كل الأطراف حضرت، مفيش سبب قانوني يمنع فتحه.
شهقت وقالت
لو اتفتح… حياتنا كلنا هتتغير.
ساد صمت ثقيل.
وبدأ المحامي ينحني ناحية الكيس…
ومد إيده يفك أول عقدة فيه…توقفت أنفاسنا جميعًا.
المحامي فك أول عقدة… ثم الثانية… ثم فتح الكيس ببطء شديد.
لكن بدل ما يمد إيده لجواه، رفع رأسه وقال
قبل ما أي حد يشوف اللي فيه… لازم أسأل سؤال واحد.
بص للحجة خديجة مباشرة.
حضرتك لسه مصرة إن الكيس ده ملكك؟
سكتت.
وشها كان شاحب، وإيديها بتترعش.
كرر السؤال
جاوبي.
بعد ثوانٍ طويلة، قالت بصوت خافت
أنا… كنت بحافظ عليه بس.
رد المحامي فورًا
إذن حضرتك بتقري إنه مش ملكك.
الكلمات وقعت في الشقة كأنها صخرة.
محمد، اللي كان وصل في اللحظة دي بعد ما عرف اللي بيحصل، بص لأمه باستغراب.
وقال
إيه اللي مش ملكك يا أمي؟
ما ردتش.
فضلت تبص للكيس.
المحامي لبس قفازين من شنطته، وأخرج أول شيء من داخله.
كان ملفًا قديمًا، ملفوفًا في كيس بلاستيك سميك لحمايته من الرطوبة.
ثم أخرج ظرفًا بنيًا مغلقًا بالشمع.
وبعده علبة معدنية صغيرة عليها آثار صدأ.
كل واحد في الشقة بدأ يتخيل ألف احتمال.
لكن الحجة خديجة صرخت فجأة
إوعى تفتح الظرف!
التفت إليها المحامي وقال بهدوء
واضح إن ده بالذات هو اللي خايفة منه.
محمد قرب من أمه لأول مرة وهو مش فاهم أي حاجة.
يا أمي… إيه الموجود في الظرف؟
رفعت عينيها إليه، وكان واضح إنها بتصارع نفسها بين إنها تتكلم أو تفضل ساكتة.
وفجأة…
رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه.
ابتعد خطوتين ورد بصوت منخفض، ثم عاد إلينا وقال
في شخص في الطريق إلى هنا… وقال إنه صاحب الحق الحقيقي في الحاجات دي.
سألته بسرعة
مين؟
هز رأسه وقال
رفض يقول اسمه في التليفون… وقال إنه أول ما يوصل، الحقيقة كلها هتظهر بعد أقل من عشر دقائق، سمعنا جرس الباب.
دخل رجل في أواخر الستينيات، تبدو عليه ملامح الوقار والتعب.
بمجرد أن رأته الحجة خديجة، انخفض بصرها ولم تستطع أن تنطق بكلمة.
قال المحامي اتفضل يا حاج… اتعرف بنفسك.
قال الرجل بهدوء أنا أخو صاحب البيت القديم في أسوان… والملف ده أعرفه كويس.
فتح المحامي الملف أمام الجميع.
كان بداخله إيصالات أمانة، وعقود، وأوراق تثبت أن الحجة خديجة كانت تحتفظ بأمانات تخص أسرة الرجل منذ سنوات، بعد وفاة شقيقه، على أن تعيدها لأصحابها عندما يطلبونها.
لكنها لم تُعدها.
وبدلاً من ذلك، ظلت تنقلها معها من مكان إلى آخر، وتخفيها تحت مرتبتها خوفًا من أن يراها أحد أو تضيع منها.
أما الظرف البني، فكان بداخله مبلغ مالي قديم وبعض المشغولات الذهبية الخاصة بتلك الأسرة، محفوظة كما هي.
ساد الصمت.
نظر محمد إلى أمه وقال بحزن ليه يا أمي؟ لو دي أمانة… ليه مخبيّاها كل السنين دي؟
انفجرت الحجة خديجة في البكاء لأول مرة، وقالت كنت خايفة أسلمها فتضيع… وكل مرة أقول بكرة… لحد ما السنين جريت.
قال الرجل بهدوء الأمانة مكانها عند أصحابها، مش تحت مرتبة.
تم تسليم الأمانات بحضور المحامي، ووقع الجميع على محضر استلام حتى تُغلق المسألة نهائيًا.
ثم التفت محمد نحوي، والدموع في عينيه.
قال أنا ظلمتك… وسكت لما كان المفروض أتكلم. خسرت بيتنا قبل ما أخسر مراتي.
قلت له بهدوء البيت مش أربع حيطان… البيت احترام. ولما الاحترام راح، البيت راح معاه.
طلب مني فرصة جديدة.
قلت له لو فعلاً عايز تبدأ من جديد، يبقى البداية مش بالكلام… البداية بالمواقف.
بعد أسابيع، استأجر محمد شىقة صغيرة قريبة من شىقتي، وبدأ يحاول يصلح أخطاءه بالفعل، لا بالوعود.
أما الحجة خديجة، فعادت إلى أسوان بإرادتها هذه المرة، بعدما أدركت أن السيىطرة على بيوت الأبناء لا تصنع مكانة، وأن الكلمة الجىارحة قد تهدم بيتًا كاملًا.
أما أنا…
ففي أول ليلة داخل شقىتي الجديدة، شربت كوب شاي على الأرض وسط الكراتين.
كانت الشىقة أصغر من القديمة.
لكنها كانت أوسع مكان شعرت فيه بالراحة منذ سنوات.
تمت.








