رجعت الجمعه بالليل

رجعت الجمعة بليل من غير ما أبلغ حد، وكنت فاكر إني هفاجئ مراتي وابني اللي لسه مولود. كنت مختصر سفري ورجعت قبل معادي، وشايل معايا شنط مليانة هدايا لبس شتوي للبيبي، كريمات وأدوية تساعد مراتي بعد العملية، وكام هدية لأمي وأختي. مكنتش أعرف إن أول مفاجأة مستنياني أنا.
أول ما فتحت باب الشقة، حسيت إن في حاجة غلط. الضلمة مالية المكان، والجو ساقعة، ومفيش ريحة أكل ولا أي إحساس إن في حد عايش هنا. فجأة سمعت صوت عياط البيبي جاي من المطبخ، فجريت عليه.
لقيت مراتي قاعدة على كرسي بلاستيك، لابسة بيجامة خفيفة، ووشها شاحب، وماسكة مكان جرح العملية القيصرية بإيديها. قدامها كوباية نودلز سريعة التحضير باردة، وابني ملفوف في بطانية خفيفة وهو بيترعش من البرد.
بصتلي بذهول وقالت
إنت… رجعت؟
حاولت تقوم، لكن جسمها خانها، فلحقتها قبل ما تقع.
بصيت حوالي وسألتها
فين أمي؟ وفين أختي وجوزها؟ مش هما المفروض معاكي؟
نزلت عينيها للأرض وقالت بصوت مكسور
سافروا يقضوا الويك إند… وقالولي أتصرف بأي حاجة موجودة.
فتحت التلاجة، لقيتها فاضية تمامًا. لا أكل، ولا لبن للبيبي، ولا حتى شوربة لست خارجة من عملية.
كل اللي لقيته ورقة سايبينها بيقولوا فيها إننا نتصرف من الموجود.
مراتي مسكت إيدي وقالت
أرجوك… بلاش تعمل مشكلة. هي هتقول إني وقعتك عليها.
من غير ما أتكلم، طلعت موبايلي وصورت كل حاجة التلاجة الفاضية، الأكل البارد، آثار الدم على هدومها، والورقة اللي سابوها.
بعدها لفيت ابني في الجاكيت بتاعي، وشلت مراتي ونزلت بيها على المستشفى.
وإحنا في الطريق، فتحت تطبيق البنك، وألغيت كل الكروت البنكية اللي كانت مع أمي وأختي وجوزها.
كانوا وقتها قاعدين بيتفسحوا ومبسوطين، ومفكرين إن فلوسي ملهاش آخر… لكن مكانوش يعرفوا إن كاميرات الشقة كانت مسجلة كل حاجة، وإن اللي هيحصل بعد رجوعهم هيقلب حياتهم رأسًا على عقب.
وصلنا المستشفى، وهناك انقلبت الأمور لخلية نحل. الأطباء تحركوا بسرعة فور رؤية الحالة، ودخلت زوجتي غرفة العناية الفورية لتقييم الجرح الذي كاد ينفتح من الجهد والبرد، بينما تم إدخال الرضيع لدفئه وفحصه للاطمئنان على عدم إصابته بنزلة برد حادة.
في تلك اللحظات، كان هاتف زوجتي لا يهدأ من رنين اتصالات والدتي وأختي، اللتين بدأتا تشعران بالقلق ليس حزنًا عليها، بل لأن البطاقات البنكية توقفت فجأة في منتصف سهرتهما بالساحل الشمالي. تركت الهاتف يُبرق دون إجابة، واتجهت فورًا لتحرير محضر رسمي بإثبات حالة إهمال طبي وأسر جسيم وعرض حياة طفل حديث الولادة ورضيع للخطر، مدعومًا بكل الصور والفيديوهات التي وثقتها فور دخولي الشقة، بالإضافة لتقرير المستشفى المبدئي عن حالة الزوجة والطفل.
في صباح اليوم التالي، عادت الثلاثي أمي، أختي، وزوجها إلى البيت وهم في حالة هستيرية من الغضب بسبب توقف الكروت وبحثًا عني وعن الأموال. فتحوا باب الشقة، ولم يكن في انتظارهم سوى رجال الأمن ومعهم محضر رسمي واستدعاء فوري للتحقيق، بناءً على البلاغ الذي تقدمت به مدعومًا بالأدلة القاطعة من كاميرات الشقة التي أثبتت تركهم لزوجتي وحدها تمامًا دون طعام أو رعاية لأيام رغم العمليات الجراحية الدقيقة.
حاولت والدتي كالعادة قلب الطاولة ولعب دور الضحية، وصرخت في وجه الضابط قائلة إن زوجتي دلوعة ولا تحمل المسؤولة، لكن المحقق قاطعها ببرود وهو يعرض على شاشتها مقطع الفيديو الذي يوثق حالة البيت، ورقة التهديد والتعليمات القاسية، وصورة ابني وهو يترعش من البرد، بجانب تقرير المستشفى الطبي الرسمي. تصاعدت الصدمة على وجوههم حين أدركوا أن الأمور تجاوزت العتاب العائلي لتصل إلى ساحات القضاء بتهمة تعريض حياة قاصر وخارج من عملية جراحية للخطر العمدي والإهمال الجسيم.
أما زوج جو أختي، فحاول التدخل بلهجة استعطاف وطلب الحل الودي، خاصة بعد أن علم أن الكروت البنكية تم تجميدها نهائيًا، وأنني وكلت مكتب محاماة دولي لتتبع كافة المصروفات السابقة وتحويل الحسابات تمامًا بعيدًا عن متناولهم، مع رفع قضايا نفقة ومساءلة قانونية صارمة لكل من تورط في هذا الجفاء.
بعد أيام ثلاثة، اطمأننت تمامًا على استقرار حالة زوجتي الصحية والنفسية، وخرجت هي وابني من المستشفى ليتوجها إلى منزل جديد قمت بتجهيزه سريًا قبل سفري ليكون مفاجأة حقيقية لهما، بعيدًا عن أي نفوذ أو سموم عائلية محيطة.
وفي المقابل، كانت المفاجأة الأقسى بانتظار العائلة؛ فقد وجدوا
أنفسهم محاصرين بقضايا قانونية، وديون تراكمت عليهم في رحلتهم بعد توقف الدعم المادي المفاجئ، والأهم من ذلك سقوط قناع الزيف والمثالية الذي طالما اختبئوا خلفه أمام المجتمع والعائلة، ليجتمع الجميع على حقيقة واحدةأن من يزرع القسوة والإهمال، لا حصد له سوى العزلة التامة والندم الأبدي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








