عام

5 عيال

وإخواتها كمان مشيوا على نفس الخطى؛ كبروا وهمّا شاربين المسؤولية من صغرهم، وعارفين قيمة كل قرش بيدخل البيت وقيمة التعب اللي تعبته عشانهم. مابقوش يطلبوا زي بقية العيال، ولا بقوا يضغطوا عليا.. بالعكس، بقوا يموّتوا نفسهم في المذاكرة، ويقعدوا يشرحوا لبعض ويذاكروا لبعض عشان ينجحوا بتفوق ويوفروا عليا تمن الدروس الخصوصية والمراكز. كانوا بيعملوا كل ده بحب وتحدي، وعيونهم كلها أمل إنهم يردوا لي الجميل.
أما هو.. الراجل اللي رمانا عشان يعيش حياته ويدور على راحته، فالأيام دارت بيه. مع الوقت، بطل يجي خالص.. مابقاش يقدر يحط عينه في عين عياله اللي بيكبروا وينجحوا من غيره،

وبقى يكتفي بجروب على الواتساب أو تحويل بنكي يبعت فيه الفلوس كل أول شهر وهو ساكت. القرشين اللي كان بيجي يذلنا بيهم وهو لابس على السنْجة، بقوا يتبعتوا في رسالة ناشفة مفيهاش أي روح.
بقيت أبص حواليا في الصالة وأنا شيفاهم متجمعين؛ اللي بيذاكر، واللي شغال على اللاب توب، واللي بيساعدني في البيت.. وأبتسم وأقول في سري العزوة اللي كنت بتدور عليها يا ابن الناس، أنا اللي صنعتها بصحتي وصبري وصراحتهم معايا.. وأنت اللي طلعت من الدنيا دي لوحدك، ومابقاش ليك مكان وسطنا.

السنين اللي مرت عليّ، دارت فيهم الدنيا دورتها وعوضتني عن كل ثانية قهر عشتها. الأيام والراحة النفسية غسلوا وشي، ورجعت لي روحي اللي كانت اتطفت؛ بقيت أقف قدام المراية وبدل الست الهلكانة، بقيت أشوف واحدة تانية خالص.. وشي نور، وجسمي ارتاح، والكل بقى لما يشوفني وسط عيالي يفتكروني أختهم الكبيرة مش أمهم من كتر ما شكلي صغر وراسي اترفع بيهم.
البيت اللي كان زمان مليان نكد وكسرة، بقى واحة من راحة البال، بيت دافي وماليان حب وسند. بعد ما كنت شايلة الهم لوحدي وبموت في اليوم مية مرة، بقيت عايشة فرحانة ومتهنية بولادي اللي كبروا وبقوا طول بعرض؛ مسؤوليتهم بقت أخف بكتير من الأول، لأنهم شالوا مسؤولية بعض معايا، وسندوا ضهري قبل ما يهدوني.

مقالات ذات صلة

حتى أبوهم.. بعد السنين دي كلها طلقني رسمي، وفي الآخر بطل يبعت القرشين اللي كان فاكر إنه بيذلنا بيهم! بس الغريب إني ما اتهزتش، ولا حتى فارق معايا مليم واحد منه، ومابقتش أسأل عن أخباره ولا أعرف دنيته فيها إيه.. مابقاش ليه مكان أصلاً في ذاكرتنا. عيالي كبروا وبقوا هما اللي بيكفوا البيت ويفيض، بكرامتهم وعرقهم.
الرحلة الطويلة دي جنيت ثمرتها في الآخر؛ ولادي اتخرجوا ورفعوا راسي للسما، كلهم ما شاء الله دخلوا كليات قمة وبيتخرجوا منها بتفوق. بنتي الكبيرة، صاحبة عمري وسندي، ربنا عوضها واتخطبت لدكتور في الجامعة بيعشق الأرض اللي بتمشي عليها، والابن الصغير خلاص في آخر سنة ليه في الكلية.

بقيت أمشي وسط الناس والكل بيشاور عليا ، الكل بيحسدني على حياتي وعلى أدب عيالي ونجاحهم وسندهم ليا. العزوة اللي كان جوزي بيحلم بيها ورماها عشان يشتري راحته، بقت هي تاجي وسندي في الدنيا.. وأنا اللي صنعتها بصبري، والحمد لله رب العالمين اللي نصرني وخلى نهايتي فرح وجبر خاطر.
وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة وسط ولادي في صالة بيتنا المنور، بنضحك ونرتب لفرح بنتي الكبيرة، والبيت مليان بهجة وحركة، والكل مشيلش هم حاجة. فجأة جرس الباب رن.. قمت أفتح وأنا مبتسمة، بس أول ما فتحت الباب، الضحكة اختفت من على وشي من الصدمة.

كان واقف قدامي راجل عجوز، ضهره منحني، وشه دبلان ومليان تجاعيد، وهدومه متبهدلة.. مفيش فيه أي أثر من الراجل الشيك اللي كان بيجي يرمي الفلوس بتكبر وريحة برفانه تسبقه. كان هو.. أبوهم!
بص لي بعيون مكسورة ومليانة دموع، وصوته كان بيترعش وهو بيقول سامحيني يا أماني.. سامحيني يا أم أولادي.
وقفت مكاني باردة، مش حاسة بكرْه ولا بحقد، حاسة بس بشفقة على منظره. سألته بمنتهى الهدوء عايز إيه يا ابن الناس؟ وجاي ليه بعد السنين دي كلها؟

 

بكى بحرقة وقال لي إن مراته التانية اللي اختارها عشان شكلها وجسمها، وعشان متخلفش، أول ما كبر في السن وبدأ يمرض ، وصحته تروح وفلوسه تقل، رمت حاجته برا وطردته، وقالت له إنها مش مجبرة تعيش مع راجل عاجز وتضيع عمرها معاه. قال لي وهو بيبكي عرفت قيمتك وقيمة العيال.. أنا ضيعت عمري في وهم، والنهاردة ملقتش حد يسأل عليا ولا يواسينى في تعبي.. أنا جاي وعايز ولادي يسامحوني ويقفوا جنبي، هما عزوتي.
في اللحظة دي، ولادي الخمسة كانوا واقفين ورايا، طول بعرض، رجالة وبنات يملوا العين. بصوا له بنظرات غريبة.. مفيهاش غل، بس مفيهاش أي مشاعر؛ لأنهم ببساطة ميعرفوش الراجل ده، هو بالنسبة لهم كان مجرد حوالة بنكية بتيجي أول الشهر وانقطعت، مش الأب اللي شال وحمى وسند.

بنتي الكبيرة قربت مني، حطت إيدها على كتفي بكل فخر، وبصت له وقالت بمنتهى الأدب والحسم إحنا مش هنرميك في الشارع، لأن أمنا علمتنا الأصول والدين، وإحنا بنخاف ربنا.. إحنا هنوفرلك مكان تعيش فيه، وعلاجك ومصاريفك هتوصلك لحد عندك كل شهر وأنت معزز مكرم.. بس مكانك وسطنا وفي قلوبنا مابقاش موجود، إحنا عشنا وتعبنا وكبرنا مع أمنا بس، وهي دي عزوتنا الوحيدة.

قفلنا الباب وبصيت لولادي وأنا دموع الفرحة والجبر في عيني. دارت الدنيا
ولفّت، والراجل اللي قفل الباب في وشي زمان عشان شكلي وجسمي هلكوا من الخلفة، رجع يدور على ريحة العيال اللي استكترهم عليا.. رجع وهو مكسور ووحيد، وأنا واقفة في قمة نجاحي، محاوطة ب 5 جبال، هما سندي وتأجي وعزوتي الحقيقية في الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى