قصص و روايات

جوزي كل اسبوع يعطر

وفي الصباح، قررت أطلب مقابلة مع “سلمى”، صاحبتي الدكتورة، وأحكيلها كل حاجة.

لكن وقتها ما كنتش أعرف إن كلامها هيكون بداية الحقيقية…

وإن الحقيقة اللي هعرفها بعدها هتخليني أشك في كل سنة عشتها مع جوزي.

مقالات ذات صلة

الجزء الثاني

جلستُ أمام “سلمى” في عيادتها، وكانت نبضات قلبي تكاد تُسمع من فرط التوتر. حكيت لها كل شيء بالتفصيل، منذ الليلة الأولى وزجاجة العطر المستوردة، مروراً بغضبه العارم لمجرد خروجي دون أن أتعطر، وصولاً إلى ذلك الدرج المغلق، والصور التي كان يتأملها في الفجر على شاشة كمبيوتره.

سلمى استمعت إليّ بإنصات شديد، ولم تقاطعني بكلمة واحدة. كانت ملامح وجهها تتغير مع كل تفصيلة أرويها، من الدهشة إلى القلق، وأخيراً إلى نظرة حزن عميقة أثارت الرعب في أوصالي.

صمتَتْ سلمى لثوانٍ بدت لي كأنها دهر، ثم عدلت نظارتها الطبية وقالت بصوت منخفض:

“يا فريدة… الكلام اللي هقوله لك ده محتاج منك تماسك. ياسر جوزك مش بيعمل كده من باب الحب والاهتمام الزايد زي ما كنتِ فاكرة، ولا الموضوع مجرد ذوق شخصي في العطور.”

ابتلعتُ ريقي بصعوبة وسألتها:

“أمال إيه يا سلمى؟ قوليلي ريحي قلبي، الصور اللي كان بيشوفها والتركيز ده معناه إيه؟”

تنهدت سلمى وقالت:

“ياسر بيعاني من حالة نفسية ونوع من الارتباط الشرطي القهري، وصورِك اللي كان بيشوفها ويركز فيها، كان بيقارنها بصور تانية… صور لزوجته الأولى اللي قبل ما يتجوزك!”

نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة. شعرت فجأة أن الهواء سُحب من الغرفة. زوجته الأولى؟ ياسر أخبرني قبل زواجنا أنه لم يتزوج من قبل، وأنني الحب الأول والأخير في حياته. كيف يكون قد تزوج زوجته دون أن أعلم؟

تابعت سلمى وهي تحاول تهدئتي:

“من سنين، وقبل ما يدخل حياتك، ياسر كان متجوز ست بيحبها لدرجة الجنون. الست دي تعرضت لحادثة صعبة وتوفت. ومن كلامك عن طقوسه معاكي، العطر ده بالذات، والتركيز على تفاصيل معينة في جسمك وفي الصور، هو مش شايفك أنتِ يا فريدة… هو بيحاول يعيد تجسيدها فيكي! العطر ده كان عطرها المفضل اللي مش بيقعد من غيره، والطقوس دي كانت طقوسها هي قبل ما . هو بيحاول يعيش مع نسخة تانية منها، ولما بتخرجي من غير العطر، والواقع بيفوقوه ويرجعوه للحقيقة اللي بيهرب منها… إنها .

لم أستطع استيعاب ما أسمعه. الأرض كانت تدور بي. هل عشت سنوات عمري كلها مجرد “بديلة”؟ مجرد جسد يوضع عليه عطر امرأة أخرى ليرضي هو خياله ومزاجه الخاص؟ كل تلك الرومانسية، البانيو الدافئ، زجاجات العطر الغالية، لم تكن لي… كانت لامرأة تحت التراب!

شكرت سلمى وخرجت من عيادتها وأنا أجر خطاي جرًا. الرؤية كانت ضبابية أمام عيني، والأسئلة في عقلي كالقنابل. كيف استطاع إخفاء هذا السر طوال هذه السنوات؟ وماذا يوجد في ذلك الدرج المغلق بالمفتاح؟

عدت إلى البيت، وكان ياسر في عمله. الغضب والخديعة حوّلاني إلى شخص آخر. لم أعد تلك الزوجة المطيعة التي تنتظر طقوس العطر كل أسبوع. توجهت مباشرة إلى غرفة مكتبه. نظرت إلى الدرج المغلق. لم يعد يهمني أن ينكشف أمري، كان يجب أن أعرف الحقيقة كاملة.

أحضرت أداة حادة وبدأت أحاول كسر قفل الدرج بكل ما أوتيت من قوة، والدموع تنهمر من عيني بغزارة. وبعد محاولات مستميتة، انكسر القفل الخشبي العتيق، وانفتح الدرج.

في الداخل، لم أجد مجرد أوراق. وجدت علبة قطيفة سوداء كبيرة. فتحتها بيد ترتعش، لأجد داخلها جواز سفر قديم لامرأة تشبهني إلى حد كبير، ووثيقة زواج تحمل اسم ياسر واسمها، وبجوارها زجاجة عطر فارغة تماماً من نفس النوع الذي يضعه لي كل أسبوع، ومذكرات صغيرة مكتوبة بخط يده.

فتحت المذكرات وقرأت السطور الأولى:

“اليوم مرت سنة على فراقك يا حبيبتي… حاولت كثيراً أن أعيش بدونك ولم أستطع. اليوم قابلت فتاة تشبهك كثيراً في ملامحك.. سأتزوجها، وسأجعلها أنتِ.. سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي.”

المذكرات من يدي، وشعرت بقشعريرة باردة جسدي كله. وفي تلك اللحظة بالذات، سمعت صوت الباب الخارجي للشقة يفتح، وصوت خطوات ياسر يقترب من غرفة المكتب وهو ينادي عليّ بنبرته الهادئة المعتادة:

 

“فريدة… أنا رجعت يا حبيبتي، وجبتلك معايا زجاجة العطر الجديدة.”

تصلبتُ في مكاني، ونظرت إلى باب الغرفة الذي بدأ يفتح ببطء…

تسمرتُ في مكاني وكأن  كلها دفعة واحدة. نظراتي كانت معلقة بالباب الذي يفتح ببطء، وفي يدي وثيقة الزواج القديمة والمذكرات التي كشفت لي أنني لم أكن يوماً الزوجة، بل كنت والممثلة البديلة في مسرحية هزلية صاغها عقله المريض.

دخل ياسر الغرفة، والابتسامة المرسومة على وجهه تلاشت في جزء من الثانية بمجرد أن وقعت عيناه على الدرج المكسور والأوراق المبعثرة بين يدي. علب العطور، الصور، المذكرات… كل أسراره باتت عارية أمامي.

ساد الصمت لعدة ثوانٍ، صمت ق.ات.ل لم أكن أسمع فيه سوى دقات قلبي المتسارعة وأنفاسه الغاضبة التي بدأت تضيق. تبدلت ملامحه الهادئة التي عرفتها لسنوات إلى ملامح شخص غريب، شخص لم أره من قبل. انقبضت عيناه، وتحول صوته الودود إلى فحيح مرعب وهو يقول:

“أنتِ عملتي إيه؟ إزاي تجرؤي تفتحي الدرج ده؟”

لم أعد قادرة على الخوف، الغضب والإهانة التي شعرت بها فجرا داخلي شجاعة . وقفت ورفعت المذكرات في وجهه وصرخت وعيناي تفيضان بالدموع:

“أنا اللي إزاي تجرؤ؟ سأتزوجها وسأجعلها أنتِ؟! سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي؟! أنت مش بني آدم… أنت كنت بتخدعني كل السنين دي! العطر، اللافندر، الاهتمام، حتى التفاصيل اللي كنت فاكراها حب… كل ده كان ليها هي؟ كنت بتشم ريحتها فيا؟ كنت شايفها هي وأنا واقفة قدامك؟”

تقدم نحوي خطوة، وحاول أن ينتزع المذكرات من يدي، لكنني تراجعت إلى الخلف وأنا أرتجف. صوته انخفض فجأة وأخذ نبرة حادة وباردة جمدت :

“هاتي الحاجة دي يا فريدة… وماتدخليش في اللي مالكيش فيه. أنتِ عيشتي ملكة، كل اللي تمنيتيه كان بيجيلك، إيه اللي يفرق معاكي كنت بشوف مين ولا بفكر في مين؟ المهم إنك معايا!”

“المهم إني معاك؟!” صرخت بجنون والدموع وجنتيّ: “أنا مش دمية! أنا بني آدمة، ليا كيان ومشاعر! كنت من القلق لو نسيت العطر مش خوف عليا، كنت بتخاف لتفوق من الوهم اللي عايش فيه وتكتشف إنها وإن اللي قدامك دي فريدة مش هي! أنت … حسستني إني ولا حاجة، مجرد  تانية بتعطرها عشان ترضي مرضك النفسي!”

ملامحه تغيرت تماماً، تلاشت نظرة الندم أو المحاولة في التبرير، وحل محلها جمود مخيف. نظر إلى الأوراق ثم نظر إليّ وقال برود غريب:

“أنتِ مش فاهمة حاجة… ولا عمرك هتفهمي يعني إيه حب حقيقي. رانيا وأخدت روحي معاها، ولما شفتك، ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أقدر أعيش. العطر ده كان بيحييني، كان بيخليني قادر أتنفس وأكمل حياتي. أنتِ اللي بوظتي كل حاجة بغبائك وفضولك.”

تحرك بسرعة مباغتة، وقبل أن أتمكن من الهروب، قبض على معصمي بقوة آلمتني بشدة، وانتزع المذكرات وجواز السفر القديم من يدي. حاولت أن أتحرر منه وأنا أصرخ:

“سيبني! سيبني وأبعد عني… أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة! أنا هطلق منك قدام الناس كلها!”

بمجرد أن نطقت بكلمة “الطلاق” و”الفضوح”، رأيت في عينيه نظرة رعب حقيقي تحولت فوراً إلى شراسة. ضغط على يدي أكثر وقال وهو يقترب من وجهي وعيناه تتطاير منهما الشرار:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى