ابنى مانطقش ولا كلمه

ابني ما نطقش ولا كلمة لمدة تمن سنين بعد جنازة أخته التوأم وأول كلمة قالها في ذكرى ۏفاتها خلت كل اللي قاعدين اتجمدوا في أماكنهم. يوسف وياسمين اتولدوا بفارق حداشر دقيقة. وأول خمس سنين من عمرهم، كانوا شبه مستحيل يفارقوا بعض. حتى النوم، ما كانش ييجي لهم مرتاح إلا لو كانوا في نفس الأوضة. لحد اليوم اللي جوزي خدهم معاه عند الترعة.
يوسف رجع…
وياسمين لأ.
زين قال لي إنها زلت على الصخور، والمية جرفتها. وقال إنه نزل وراها على طول، وفضل يعوم بكل قوته لحد ما جسمه خانته.
لكن جثتها ما ظهرتش أبدًا.
والشرطة سجلت اللي حصل على إنه حاډث أليم.
ومن يوم جنازة ياسمين…
يوسف بطل يتكلم.
ما كانش بالتدريج.
ما فقدش كلمة ورا كلمة.
هو بس… سكت.
وقف جنبي وقت الډفنة، لابس جلابية سودة صغيرة، وإيده مستخبية جوه إيدي، ومن بعد اليوم ده… ما سمعتش صوته تاني.
جربت معاه كل حاجة.
جلسات علاج نفسي.
رسم.
موسيقى.
وكل ليلة كنت أقعد أقرأ له، حتى وهو باصص للسقف، وما يردش غير برمشة أو هزة خفيفة.
مرت تمن سنين.
يوسف بقى عنده تلاتاشر سنة في شهر مارس. وكل مدرسينه كانوا بيقولوا إنه ولد ذكي بشكل استثنائي.
بس عمره ما استخدم صوته.
كل سنة، في ذكرى ۏفاة ياسمين، كنت أعمل عزومة بسيطة للعيلة.
وأخبز فطيرة التوت اللي كانت ياسمين بتسميها فطيرة عيد الميلاد، لأنها كانت مقتنعة إن أي حاجة مسكرة تستحق يتحط عليها شمع.
وزين كان بييجي كل سنة.
ويقعد في آخر السفرة.
ونادر جدًا لما يبص ليوسف أكتر من ثواني.
ودايمًا يمشي قبل ما نقدم التحلية.
لكن السنة دي…
يوسف فضل متابعه بعنيه من أول ما دخل البيت.
كنا في نص العشا، لما يوسف حط الشوكة على الطبق.
الصوت كان خاڤت جدًا.
لكن كان كفاية يخلي كل اللي قاعدين يسكتوا.
بص لي الأول.
وبعدين بص لجدي وجدته.
وفي الآخر… بص لأبوه.
ورفع صباعه ناحيته.
وبصوت خشن، واضح إنه ما استخدموش من سنين، قال
إنت كنت عارف أنا ليه بطلت أتكلم.
ولا حد اتحرك.
لون وش زين اختفى في ثانية.
زقيت الكرسي ورايا بسرعة لدرجة إنه كان هيقع.
وقلت وأنا ببص لابني
يوسف…!
كان بينهج بسرعة، ووشه كله خوف، كأنه ندم إنه قال اللي قاله، أو كأن الكلام خرج منه ڠصب عنه.
وفجأة قام يجري على فوق، وقفل باب أوضته پعنف.
جريت وراه، لكن زين مسك إيدي.
بصيت لإيده اللي ماسكة رسغي.
وبعدين بصيت في وشه.
ولأول مرة من تمن سنين…
ما شفتش الحزن في عينيه.
شفت الخۏف.
شديت إيدي منه پعنف.
وقلت
كان يقصد إيه يا زين؟
هز راسه وقال
بلاش الليلة دي.
صړخت فيه
إوعى تعمل معايا كده… مش الليلة.
لكنه عمل اللي بيعمله كل مرة.
فضل قاعد حوالي عشرين دقيقة، بالكاد نطق بكلمتين، وبعدها قام ومشي قبل التحلية… زي عادته كل سنة.
أما يوسف…
فرفض يفتح باب أوضته.
حوالي نص الليل، ورقة مطوية خرجت من تحت الباب لحد عند رجلي.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
سمعت بابا وعمي دياب بيتخانقوا قبل ما نروح الترعة.
إيديا بدأت ترتعش.
وكان
فيه كلام تاني.
بابا قال لو نورة راحت تبلغ مجلس الإدارة، هنخسر البيت.
وعمي دياب قال يبقى لازم تسكت لحد ما الموضوع يخلص.
قريت السطور دي مرتين…
وبعدين قريتها مرة تالتة.
وفي آخر الورقة، يوسف كاتب جملة واحدة بخطه الصغير
ياسمين سمعتها هي كمان.
فضلت قاعدة قدام باب أوضته لحد الصبح.
وقت الفطار، يوسف كان بيتجنب يبص لي، لكنه زق ناحيتي ورقة تانية.
كان مكتوب فيها
لقيت ملف نورة في الصندوق القديم بتاع بابا.
وتحتها عنوان بيتها.
ما سألتوش هو شال السر ده جواه كل السنين دي إزاي.
كل اللي عملته إني ركبت عربيتي واتحركت.
بيت نورة كان على بعد حوالي أربعين دقيقة.
بيت دورين مبني بالطوب الأحمر.
لما فتحت الباب، كانت باينة عليها الحذر، كأنها بطلت من زمان تستنى أي خبر كويس.
بصت لي وقالت
أقدر أساعدك؟
مديت لها الورقة اللي كتبها يوسف.
وقلت
ابني اتكلم لأول مرة بعد تمن سنين… امبارح بالليل.
ملامح وشها اتغيرت فورًا.
وقالت بصوت واطي
يوسف؟
اتنحت من على الباب وقالت بهدوء
اتفضلي ادخلي.
دخلت وقعدنا على ترابيزة المطبخ.
حكيت لها كل حاجة… عن عزومة العيلة، والكلمة اللي يوسف قالها، والورق اللي كتبه، وإن ياسمين سمعت الخناقة اللي حصلت قبل يوم الترعة.
ولما خلصت…








