روايات وقصص

وجع من نوع اخر حكايات اسما السيد 4

فضلت باصة للورقة كأنها مكتوبة بخط واحدة غيري. لكن الخط خطي. والتوقيع توقيعي. حتى النقطة الصغيرة اللي بحطها تحت آخر حرف من اسمي كانت موجودة. قلت لمحمود: — أنا مش فاكرة الورقة دي. رد: — عارف. — وعارف إزاي؟ بصلي شوية وقال: — لأنك طلبتي مني ما أفكركيش. اتجمدت. — أنا طلبت منك؟ المحامي تدخل:

 

— لازم نفصل بين الذكريات وبين الأدلة. أي حاجة تخص الصندوق أو التسجيل لازم تتعامل معاها الجهات المختصة بالطريقة القانونية.

هز محمود راسه.

— معاك حق.

لكن أنا ماكنتش سامعة غير جملة واحدة:

“إنتِ طلبتي مني ما أفكركيش.”

قلت:

— احكيلي.

محمود أخد نفس طويل.

— قبل سفرك الأخير بأيام، كنتِ شاكّة إن فيه فلوس بتختفي من حسابات الأرض.

بدأت صور قديمة ترجع.

مش كاملة.

مجرد لقطات.

أنا ومحمود بنتخانق في المطبخ.

ملفات على السفرة.

صوتي وأنا بقول:

“الأرقام دي مش راكبة على بعض.”

قلت:

— كنت فاكرة إن الخلاف كان بسبب سامح.

— في الأول فعلًا.

— وبعدين؟

محمود بصلي.

— اكتشفنا إن سامح بياخد أوامر من حد من العيلة.

قلت:

— نوال؟

هز راسه.

— كنت فاكرها نوال.

— وطلعت مين؟

سكت.

سألته تاني:

— طلعت مين يا محمود؟

قال:

— أحمد.

حسيت الكلمة دخلت صدري.

ابني.

ابني الوحيد.

قلت:

— أحمد كان صغير.

— كان عنده أربعة وعشرين سنة.

— بس ماكانش فاهم في الشغل!

محمود قال:

— كان فاهم أكتر مما إحنا متخيلين.

وبدأ يحكي.

أحمد كان عليه ديون كبيرة.

مش ديون عادية.

دخل في مشروعات فاشلة.

استلف.

وبدأ يسحب مبالغ صغيرة من حسابات تخص المزرعة.

في الأول…

سامح ساعده يخفيها.

وبعدين المبالغ كبرت.

ولما محمود اكتشف…

قرر يواجهه.

قلت:

— وأنا كنت عارفة؟

— جزء.

— يعني إيه جزء؟

— كنتِ عارفة إن أحمد أخد فلوس. لكن ماكنتيش عارفة الباقي.

— إيه الباقي؟

محمود بص ناحية سمر.

وقال:

— إنه اتجوز سمر علشان أرض أبوها.

أم سمر شهقت.

سمر نفسها ما اتكلمتش.

فضلت باصة قدامها.

قال محمود:

— أبو سمر كان عنده قطعة أرض موقعها مهم جدًا. أحمد وسامح كانوا عايزينها تدخل ضمن مشروع أكبر.

أم سمر قالت:

— جوزي رفض يبيع.

— علشان كده أحمد قرب من سمر.

سمر بدأت تعيط.

— يعني هو… ما حبنيش؟

محمود ما ردش.

وأنا اللي قربت منها.

مسكت إيدها.

قلت:

— اللي عمله بيقول إنه استغلك وظلمك. وده ذنبه هو، مش ذنبك.

لكن عيني كانت مليانة دموع.

لأن اللي بنتكلم عنه…

ابني.

الطفل اللي كنت بستناه يرجع من المدرسة.

الولد اللي كنت بعمل له التورتة بإيدي كل عيد ميلاد.

إمتى بقى الشخص ده؟

المحامي قال:

— الصندوق دلوقتي أهم حاجة.

قلت:

— نروح نفتحه.

رد فورًا:

— مش لوحدنا.

تم التواصل مع الجهات المختصة، واتوثقت الرسالة اللي وصلتنا والصورة والمفتاح، واتعملت الإجراءات اللازمة قبل التحرك.

بعد ساعات…

كنا واقفين في مكان حفظ الصناديق.

أنا.

محمود.

المحامي.

وممثل عن الجهة المختصة.

طلبوا إثباتات الهوية، وراجعوا البيانات القديمة.

الموظف بصلي باستغراب.

— الصندوق ده ما اتفتحش من سبع سنين.

قلت:

— متأكد؟

— آخر دخول مسجل كان باسم حضرتك.

قلبي دق.

— إمتى؟

قال التاريخ.

قبل سفري بيوم واحد.

بالضبط زي ما محمود قال.

فتحوا الباب الداخلي.

دخلنا.

الموظف جاب صندوق معدني متوسط الحجم.

حطه على الترابيزة.

المفتاح دخل.

ولف.

تك.

صوت بسيط.

لكنه بالنسبالي كان صوت سبع سنين بيتفتحوا مرة واحدة.

اترفع الغطا.

جوه الصندوق كان فيه ملف.

فلاشة قديمة.

هارد صغير.

ظرف عليه اسم محمود.

وظرف تاني…

عليه اسم ابني.

أحمد.

مديت إيدي.

المحامي وقفني.

— كل حاجة تتوثق الأول.

اتصورت المحتويات واتسجلت رسميًا.

وبعدها اتفتح الظرف اللي عليه اسم محمود.

جواه رسالة بخطي.

بدأت أقرا.

“محمود، لو إنت بتقرا الكلام ده، يبقى أنا سافرت، وإنت قررت تكمل المواجهة.”

إيدي بدأت ترتعش.

كملت.

“أنا مش مطمنة لأحمد.”

وقفت.

مقدرتش أكمل.

محمود أخد نفس.

قال:

— كملي.

قريت:

“أنا سمعت تسجيل بالصدفة بين أحمد وسامح. أحمد بيطلب منه يجهز أوراق لنقل أرض أبو سمر من غير ما الراجل يعرف الحقيقة.”

سمر حطت إيدها على بقها.

كملت:

“لكن ده مش أخطر شيء.”

قلبي كان بيخبط.

“أحمد قال لسامح بالحرف: لو أبويا وقف قدامي، هيتشال من الطريق.”

وقعت الورقة من إيدي.

قلت:

— أنا كنت عارفة.

محمود قال:

— علشان كده خبيتي النسخة.

قلت:

— طب ليه سافرت؟ ليه سيبتك؟

محمود رد:

— كان لازم تسافري بسبب شغلك، وأنا قلتلك إني هحل الموضوع.

صرخت:

— وكان المفروض أصدقك؟!

سكت.

المحامي فتح الظرف التاني.

اللي عليه اسم أحمد.

جواه ورقة واحدة.

لكن مش بخطي.

بخط محمود.

قرأها بصوت مسموع:

“يا أحمد، لو وصلت للرسالة دي، فمعنى كده إنك اخترت الطريق اللي كنت خايف منه. التسجيل الأصلي مش هنا. اللي هنا نسخة، والأصل في مكان ما يعرفوش غير أمك.”

رفعت راسي.

— أنا؟

محمود قال:

— كنت بحاول أحميكي.

قلت:

— بس أنا مش فاكرة!

المحامي سأل:

— والفلاشة؟

قال محمود:

— نسخة من تسجيل قبل الحادث.

تم التعامل مع نسخة رقمية منها بطريقة تحفظ الدليل.

وبدأ التسجيل.

في الأول…

تشويش.

وبعدين صوت سامح.

— الراجل بدأ يشك.

صوت تاني رد عليه.

عرفته.

أحمد.

ابني.

— سيبه يشك.

سامح قال:

— أبوك مش سهل.

أحمد رد:

— عارف.

— ولو عرف موضوع أرض سمر؟

سكت أحمد ثواني.

ثم قال:

— مش هيعرف.

سامح ضحك.

— ولو عرف؟

وجاء صوت ابني:

— يبقى لازم نسكته.

إيدي مسكت طرف الترابيزة.

لكن التسجيل ما خلصش.

ظهر صوت ثالث.

صوت ست.

قالت:

— إنتوا الاتنين مجانين؟ إحنا اتفقنا ناخد الورق، مش نأذي محمود.

نوال.

أخت محمود.

أحمد رد:

— خلاص يا خالتي… ما تعمليش فيها ملاك.

نوال قالت:

— أنا وافقت أساعدكم في التوكيلات علشان نطلع من الأزمة. إنما دم أخويا لأ.

سامح قال:

— محدش قال دم.

وفجأة…

التسجيل اتقطع.

قلت:

— بس ده ما يثبتش مين ضرب محمود.

المحامي قال:

— صحيح. لكنه مهم جدًا مع باقي الأدلة.

محمود قال:

— فيه تسجيل تاني.

بصينا له.

— تسجيل ليلة الحادث.

قلت:

— فين؟

بصلي.

— الأصل كان معاكي.

قلت بعصبية:

— وأنا مش فاكرة!

وفجأة…

ذاكرة صغيرة ضربت رأسي.

أنا في المطبخ.

ليل.

محمود بيديني حاجة صغيرة.

وصوته:

“لو حصل لي حاجة، ما تثقيش في حد.”

قلت:

— استنى.

غمضت عيني.

حاولت أفتكر.

درج المطبخ.

علبة شاي قديمة.

مفتاح.

وبعدين…

أنا في المطار.

شنطة سوداء.

ست واقفة بعيد.

قلت فجأة:

— نوال كانت معايا يوم السفر.

محمود اتصدم.

— إيه؟

— هي اللي وصلتني المطار.

بدأت أفتكر أكتر.

كنت تعبانة جدًا اليوم ده.

صداع.

دوخة.

نوال اشترتلي قهوة.

شربتها.

وبعدها…

ذاكرتي عن الساعات الأخيرة في مصر شبه ممسوحة.

المحامي سأل:

— حضرتك فقدتي الوعي؟

— مش فاكرة.

لكن افتكرت حاجة تانية.

لما وصلت البلد اللي كنت بشتغل فيها…

لقيت شنطتي مفتوحة.

كنت فاكرة موظفي المطار فتشوها.

قلت:

— التسجيل كان في شنطتي.

محمود وقف.

— متأكدة؟

— إنت ادتهولي قبل السفر.

— أيوه.

— وأنا خبيته في جيب داخلي.

سكتنا.

المحامي قال:

— يعني لو اختفى بعد كده…

قلت:

— نوال كانت آخر واحدة معايا قبل السفر.

محمود قعد.

— يبقى نوال أخدته.

لكن فجأة افتكرت تفصيلة.

قلت:

— لأ.

الكل بصلي.

— أنا اكتشفت إن الشنطة مفتوحة بعد ما وصلت… لكن لقيت حاجة غريبة جواها.

— إيه؟

— لعبة صغيرة.

محمود قطب.

— لعبة؟

— عربية لعبة.

وساعتها افتكرت.

كانت عربية أحمد القديمة.

كان بيحبها وهو طفل.

كنت محتفظة بيها سنين.

قبل سفري، حطيتها في شنطتي من بيتنا القديم.

ولما وصلت…

لقيتها مكسورة.

وقتها زعلت ورميتها في درج المكتب.

قلت:

— العربية لسه عندي.

المحامي قال:

— فين؟

— في شقتي بره مصر.

محمود بصلي فجأة.

— افتكري شكلها.

قلت:

— عربية حمرا صغيرة.

وقف.

— كان فيها قاعدة سوداء تحت؟

— أيوه.

وش محمود اتغير.

— أنا اللي عدلت اللعبة دي زمان.

— ليه؟

— أحمد وهو صغير كان بيخبّي فيها فلوسه. عملتله تجويف صغير تحت القاعدة.

بصينا لبعض.

قلت:

— تقصد إن…

— ممكن تكوني خبيتي وحدة التخزين جواها.

لكن ليه أنا ما افتكرتش؟

وليه نوال، لو فتشت الشنطة، ماخدتهاش؟

هنا قال المحامي:

— لأن اللي كان بيدور عليها يمكن ماكانش عارف شكلها.

وقبل ما نكمل…

تليفون محمود رن.

رقم مجهول.

فتح السماعة.

جاله صوت أحمد.

— بابا.

محمود اتجمد.

أحمد كمل:

— عرفت إنكم فتحتوا الصندوق.

المحامي أشار لمحمود ما يكشفش أي معلومات.

محمود قال:

— عايز إيه؟

ضحك أحمد.

— الحاجة اللي أمي فاكرة إنها في شقتها بره… مش هناك.

بصيت لمحمود.

إزاي عرف أنا افتكرت إيه؟

أحمد قال:

— قول لأمي تدور كويس في حاجتها.

قلت بصوت عالي:

— أحمد!

سكت.

وبعدين قال:

— أيوه يا أمي؟

قلت:

— العربية فين؟

ضحك.

— أخيرًا افتكرتي.

— فين؟!

قال:

— عندي.

وبعدين أضاف:

— بس متقلقيش… التسجيل الأصلي مش فيها.

اتجمدنا كلنا.

قلت:

— أمال فين؟

صوته بقى هادي.

— اسألي سمر.

بصيت ناحية الباب كأني شايفاها قدامي.

قلت:

— سمر مالها بالتسجيل؟

أحمد قال:

— هي شافته.

— إمتى؟

— الليلة اللي اتضربت فيها.

قلبي وقع.

قلت:

— مين ضربها يا أحمد؟

سكت.

قلت:

— رد عليا!

قال:

— لو سمر افتكرت الليلة كاملة…

نوال هتدخل السجن.

قلت:

— ونوال هي اللي ضربتها؟

أحمد ضحك.

— أنا ما قلتش كده.

ثم قال:

— بس خلي سمر تسأل نفسها سؤال واحد.

— إيه؟

قال:

— ليه كانت واقفة فوق جثة سامح؟

الخط اتقفل.

فضلت باصة لمحمود.

قلت:

— جثة؟

المحامي قال بسرعة:

— محدش يفترض إن الكلام صحيح قبل التحقق.

لكن لما رجعنا المستشفى وقلنا لسمر اسم سامح…

وشها اتغير.

وقالت:

— أنا أعرف الاسم ده.

أمها سألتها:

— منين؟

سمر بدأت تتنفس بسرعة.

— الليلة اللي فقدت فيها ذاكرتي…

افتكرت حاجة.

كنت في المخزن.

كان فيه راجل على الأرض.

وهدومه كلها دم.

قلت:

— كان سامح؟

دموعها نزلت.

— أيوه.

المحامي سأل:

— كان حي؟

سمر هزت راسها.

— معرفش.

وبعدين رفعت إيديها قدام وشها.

فضلت باصة لكفوفها كأنها شايفة حاجة إحنا مش شايفينها.

وقالت:

— بس إيدي…

— مالها إيدك؟

بصتلي برعب.

— كانت مليانة دم.

أمها قالت:

— يا بنتي ده مش معناه إنك عملتي حاجة.

لكن سمر صرخت:

— كان فيه سكينة جنبي!

المحامي سأل:

— فاكرة مسكتيها؟

سمر بدأت تعيط.

— مش فاكرة!

وفجأة…

سكتت.

بصت ناحية محمود.

وبعدين قالت:

— لأ.

— إيه؟

— سامح ماكانش لوحده.

قربت منها.

— مين كان معاه؟

سمر قالت:

— كان فيه حد واقف ورايا.

— مين؟

غمضت عينيها.

وبعد ثواني فتحتهم.

وقالت جملة خلتني أحس إن كل اللي عرفناه لحد اللحظة دي مجرد نص الحقيقة:

— كان أحمد.

سكتت.

ثم هزت راسها بعنف.

— بس أحمد ماكانش ماسك السكينة.

قلت:

— أمال مين؟

رفعت عينيها ليا.

— حضرتك.

حسيت الدنيا اختفت من حواليا.

قلت:

— أنا؟!

سمر بدأت تبكي.

— أنا فاكرة وشك.

— مستحيل. أنا كنت بره مصر!

قالت:

— لأ.

وصوتها بدأ يرتعش.

— الليلة دي إنتِ كنتِ واقفة قدامي.

وبعدين قالت:

— وإنتِ اللي قلتيلي: “خدي السكينة يا سمر… قبل ما أحمد يدخل.”

يتبع…

حسيت إن الأوضة بتلف بيا.

بصيت لسمر وأنا مش قادرة أنطق.

— أنا؟

سمر كانت بتعيط.

— أنا مش بقول إن حضرتك قتلتيه… أنا بقول اللي افتكرته.

قلت:

— بس أنا كنت بره مصر!

المحامي رفع إيده.

— محدش يستنتج حاجة دلوقتي. الذاكرة بعد الصدمات ممكن تخلط بين أشخاص وأوقات وتفاصيل. اللي يهمنا الأدلة.

لكن سمر كانت مصرة.

— أنا شفتها.

قربت منها.

— بصيلي كويس يا سمر.

بصت في وشي.

قلت:

— الست اللي شوفتيها كانت أنا؟

سكتت.

وبعدين قالت:

— نفس وشك.

الجملة دي خلت محمود يرفع راسه فجأة.

— قالت “نفس وشك”… ما قالتش إنتِ.

بصيتله.

— تقصد إيه؟

محمود ما ردش فورًا.

لكن وشه اتغير.

قلت:

— محمود؟

قال:

— فيه حاجة عمري ما حكيتها لأحمد.

— إيه؟

— ولا حتى نوال كانت بتحب نتكلم عنها.

قلبي بدأ يدق.

— قول.

محمود قال:

— أمك الله يرحمها… ولدت توأم.

ضحكت من الصدمة.

— إنت اتجننت؟

— اسمعيني.

— أنا وحيدة!

— إنتِ اتربيتي وحيدة.

سكت المكان.

قلت:

— يعني إيه؟

قال:

— كان ليكي أخت توأم.

رجعت خطوة.

— اسمها إيه؟

محمود قال:

— هناء.

الاسم دخل ودني كأنه اسم سمعته قبل كده.

بعيد جدًا.

من طفولتي.

ستات كبار بيتهامسوا.

أمي بتقفل باب الأوضة.

أبويا بيقول:

“الموضوع ده مات.”

قلت:

— ماتت وهي صغيرة.

محمود هز راسه.

— ده اللي اتقال لك.

— وإنت عرفت منين؟

— أبوكي حكالي قبل ما يموت.

قعدت.

رجلي ما بقتش شايلاني.

— ليه؟

— كان خايف السر يطلع بعد وفاته.

— سر إيه؟

محمود أخد نفس طويل.

— هناء ما ماتتش.

وأنا عندي حوالي أربع سنين، حصل خلاف كبير بين أبويا وأحد أقاربه.

هناء كانت طفلة مريضة، واحتاجت رعاية لفترة طويلة.

قريبة لأمي أخدتها تعيش معاها فترة.

وبعد مشاكل عائلية كبيرة، العلاقة انقطعت.

أمي قالتلي إن أختي ماتت.

وأبويا…

وافق يعيش بالكذبة.

قلت:

— ليه؟

محمود رد:

— دي النقطة اللي أبوكي عمره ما شرحها بالكامل. كل اللي قاله إن هناء كبرت بعيد عنكم، وإنها عارفة بوجودك.

قلت:

— وأنا ليه معرفتش؟

محمود بص للأرض.

— لأن أبوكي طلب مني ما أقولكيش إلا لو هي ظهرت.

صرخت:

— وإنت وافقت تخبي عني حاجة زي دي؟!

— غلطت.

— سبع سنين وأنا فاكرة إنك ميت، ودلوقتي أعرف إن عندي أخت عايشة كمان؟!

المحامي تدخل:

— إحنا محتاجين دليل على وجودها قبل ما نبني أي شيء على الكلام ده.

محمود قال:

— عندي صورة.

طلع محفظته.

فتح جزء صغير فيها.

وسحب صورة قديمة.

ست واقفة قدام محل.

أول ما شفتها…

قلبي وقف.

أنا.

نفس العينين.

نفس الأنف.

نفس شكل الفم.

لكن الشعر أقصر.

وفي حاجبها الشمال علامة صغيرة.

قلت:

— دي مش أنا.

محمود قال:

— هناء.

سمر شهقت.

— هي دي!

لفينا ناحيتها.

— متأكدة؟

— هي اللي كانت في المخزن!

المحامي سأل:

— وهي اللي قالتلك تمسكي السكينة؟

سمر حطت إيدها على رأسها.

— أيوه… أعتقد أيوه.

قلت:

— يعني هناء كانت تعرف أحمد؟

محمود رد:

— للأسف… أيوه.

— من إمتى؟

— من قبل الحادث.

الحكاية بدأت تتجمع.

سامح كان محتاج شخص يقدر يستخدمه في بعض الإجراءات من غير ما يظهر اسمي الحقيقي.

ولما عرف بوجود هناء…

فهم قيمة الشبه بيننا.

لكن المحامي وقف محمود.

— الشبه وحده ما يخليش شخص ينتحل هوية حد قانونيًا بسهولة. لازم مستندات، وتوقيعات، وربما متعاونين.

محمود قال:

— وكان عندهم ده كله.

سألته:

— مين “هم”؟

— سامح ونوال.

سمر قالت:

— وأحمد؟

محمود سكت.

قلت:

— جاوب.

— أحمد عرف بعدين.

— وبعدين شاركهم؟

— في الأول استغل الموضوع علشان الفلوس… وبعدها بقى جزء منه.

حسيت إني كل ما أحاول ألاقي عذر لابني، ألاقي باب جديد مقفول في وشي.

المحامي سأل:

— سامح فين دلوقتي رسميًا؟

محمود قال:

— بحسب اللي أعرفه، اختفى من ست سنين.

سمر همست:

— يعني ممكن يكون الراجل اللي شوفته مات؟

— ممكن. لكن لازم نتحقق.

بعد مراجعة البلاغات القديمة، ظهر شيء غريب.

سامح لم يكن مسجلًا كمتوفى.

كان فيه بلاغ تغيب قديم اتعمل باسمه…

واتقفل بعد شهور لما وصل إفادة إنه غادر البلد.

المحامي قال:

— يبقى كلام أحمد عن “جثة سامح” ممكن يكون تهديد أو تضليل.

لكن محمود قال:

— أو حد خرج من البلد باسمه.

بصيتله.

— تقصد إيه؟

— لو كانوا قادرين يزوروا توكيلات ومستندات… ما نقدرش نفترض أي حاجة.

وفي اللحظة دي، أم سمر قالت:

— أنا عندي حاجة.

فتحت شنطتها.

طلعت موبايل قديم جدًا.

— ده كان تليفون بنتي قبل جوازها.

سمر اتصدمت.

— لسه عندك؟

— أبوكي عمره ما قدر يرميه.

المحامي سأل:

— اتفتح من وقت اختفائها؟

— لأ.

سمر قالت:

— الرقم السري ممكن يكون تاريخ ميلاد ماما.

جربناه.

فتح.

كانت فيه صور قديمة ورسائل.

لكن آخر رسالة موجودة شدت انتباه المحامي.

مرسلة قبل اختفاء سمر بيوم.

من رقم غير محفوظ.

نصها:

“بكرة الساعة 8. هاتي نسخة العقد وتعالي المخزن. لو عايزة تعرفي أحمد اتجوزك ليه، تعالي لوحدك.”

سمر حطت إيدها على بقها.

— أنا رحت.

بدأت تفتكر.

— قلت لأحمد إني رايحة لأمي.

لكنها ما راحتش.

راحت المخزن.

دخلت.

ولقت سامح.

كان عايش.

واقف قدامها.

وعلى الترابيزة ملفات.

قال لها:

— جوزك باعك قبل ما يتجوزك.

سمر سألته:

— تقصد إيه؟

سامح ورّاها صور مستندات.

خطة للاستيلاء على أرض أبوها.

توكيلات.

وتوقيعات.

وبعدين…

الباب اتفتح.

دخل أحمد.

سمر بدأت ترتجف وهي بتحكي.

— أحمد كان متعصب جدًا.

قلت:

— عمل إيه؟

— ضرب سامح.

— بإيه؟

— بحاجة حديد.

أمها شهقت.

سمر كملت:

— سامح وقع… وكان فيه دم.

المحامي سأل:

— وبعدها؟

سمر غمضت عينيها.

— دخلت الست اللي شبه طنط.

هناء.

قلت:

— كانت مع مين؟

— معرفش.

— عملت إيه؟

— جريت على سامح.

سمر بدأت تتنفس بسرعة.

— كانت بتحاول توقف الدم.

بصيت لمحمود.

يعني هناء ماكانتش بتهاجمه.

كانت بتحاول تنقذه.

سمر قالت:

— وبعدين أحمد قال لها: “إنتِ السبب.”

هناء ردت:

“أنا قولتلكم ناخد الورق بس.”

نفس الجملة تقريبًا اللي قالتها نوال في التسجيل.

المحامي سأل:

— وبعدين السكينة؟

سمر قالت:

— سامح كان لسه بيتحرك.

هناء بصتلي وقالت:

“خدي السكينة.”

— ليه؟

— كان فيه سكينة واقعة جنب رجله. قالتلي أبعدها قبل ما أحمد يوصل لها.

يعني أنا… أو بالأصح هناء…

ما كانتش بتطلب منها تقتل سامح.

كانت بتحاول تبعد السلاح.

قلت:

— وبعدها؟

سمر حطت إيدها على مؤخرة رأسها.

— حسيت بضربة.

— مين ضربك؟

— مشفتش.

— ولما فوقتي؟

— كنت في البيت.

— وأحمد قالك إنك وقعتي من السلم؟

هزت راسها.

المحامي قال:

— يبقى الفترة المفقودة بدأت من الليلة دي.

فضل سؤال واحد:

هناء فين؟

محمود قال إنه ما شافهاش من بعد حادثته.

لكن لما رجعنا للصورة اللي اتصورت من 11 شهر قدام عِشّ الفراخ…

لاحظ المحامي حاجة.

في خلفية الصورة…

ورا نوال.

كان فيه طرف وش ست ظاهر من الشباك.

كبرنا الصورة.

الصورة مش واضحة.

لكن العلامة اللي في الحاجب كانت باينة.

هناء.

كانت هناك.

من 11 شهر.

قلت:

— يعني كانت في البيت؟

محمود قال:

— أنا ما شفتهاش يومها.

المحامي رد:

— أو شفتها وماعرفتهاش.

محمود هز راسه.

— مستحيل.

لكن سمر فجأة قالت:

— لأ.

بصينا لها.

قالت:

— أنا شفتها.

— إمتى؟

— كانت بتيجي عِشّ الفراخ بالليل.

اتجمدت.

— وإنتِ محبوسة؟

— أيوه.

— كانت بتعمل إيه؟

سمر بدأت تعيط.

— كانت بتجيبلي أكل.

قلت:

— طب ليه ما خرجتكيش؟

— حاولت.

— وبعدين؟

— أحمد مسكها.

قلبي وقع.

— عمل فيها إيه؟

سمر قالت:

— معرفش… سمعت خناقة وصريخ.

وبعدين اختفت.

سألتها:

— آخر مرة شوفتيها إمتى؟

قالت:

— من حوالي شهر.

شهر واحد.

يعني أختي التوأم كانت موجودة من أسابيع.

قلت:

— قالتلك حاجة قبل ما تختفي؟

سمر فكرت.

— قالتلي جملة غريبة.

— إيه؟

قالت:

— “لو الست اللي شبهّي رجعت من السفر، قولي لها تدور تحت شجرة الليمون.”

محمود بصلي.

أنا بصيتله.

شجرة الليمون.

ورا البيت.

الشجرة اللي زرعتها أنا ومحمود يوم ما أحمد اتولد.

بإجراءات رسمية، تم تأمين المكان قبل أي بحث.

ولما وصلنا البيت…

كان هادي بشكل يخوف.

عِشّ الفراخ اتقفل.

الشجرة واقفة في آخر الأرض.

بدأ البحث في المنطقة اللي أشارت لها سمر.

بعد وقت…

ظهر صندوق بلاستيك محكم مدفون في التراب.

قلبي كان هيطلع من صدري.

اتفتح الصندوق بعد توثيقه.

جواه:

موبايل.

نسخ أوراق.

سلسلة فضة.

وجواب.

على الظرف مكتوب:

“لأختي.”

إيدي اترعشت.

المحامي فتحه بالطريقة الرسمية.

لكن سمحولي أقرا المحتوى.

كان مكتوب:

“أنا عارفة إنك غالبًا ما تعرفيش إني عايشة.”

دموعي نزلت.

كملت.

“اسمي هناء. وأنا أختك.”

السطر اللي بعده كان أصعب:

“أنا عملت حاجات غلط. وافقت أساعد نوال في الأول، لأني كنت محتاجة فلوس، ولأنها أقنعتني إن اللي بناخده أصلًا حقها في ميراث أخوها.”

كملت:

“لكن لما عرفت إنهم بيأذوا سمر وإن أحمد ناوي يخلّص من أبوه، حاولت أوقفهم.”

محمود قرب.

إيدي كانت بترتعش وأنا بقلب الصفحة.

“سامح ما ماتش في المخزن.”

سمر شهقت.

كملت:

“أنا خرجته وهو مصاب. وساعدته يهرب. لكنه أخد معاه نسخة من الملفات.”

المحامي قال:

— يبقى سامح ممكن يكون حي فعلًا.

كملت القراءة:

“لو بتقري الرسالة دي، دوري في الموبايل. فيه فيديو صورته من غير ما أحمد يعرف.”

اتوثق الهاتف.

وبعد فحصه، ظهر فيديو واحد.

مدته أقل من دقيقتين.

التاريخ…

من حوالي شهر.

الفيديو مهزوز.

واضح إن هناء كانت مستخبية.

ظهر أحمد.

واقف في عِشّ الفراخ.

وقدامه نوال.

أحمد بيقول:

— أمي راجعة قريب.

نوال ردت:

— يبقى لازم كل حاجة تختفي قبل ما توصل.

أحمد قال:

— وسمر؟

نوال سكتت.

أحمد قال:

— أنا مش هسيبها تتكلم.

جسمي كله برد.

ثم دخل شخص ثالث في الفيديو.

راجل.

وشه ظهر لثواني.

محمود شهق.

— سامح.

سامح.

حي.

كان واقف مع ابني ونوال من شهر واحد.

قال سامح:

— أنا رجعت علشان آخد نصي وبس.

نوال ردت:

— نصك؟ بعد ما هربت وسِبتنا؟

سامح قال:

— أنا هربت علشان أحمد كان هيموتني.

أحمد قرب منه.

— والمرة دي ممكن أكمل اللي بدأته.

سامح ضحك.

— مش هتقدر.

— ليه؟

سامح طلع حاجة من جيبه.

فلاشة.

وقال:

— لأن التسجيل الأصلي معايا.

الفيديو اتقطع.

بصيت للمحامي.

قلت:

— يبقى التسجيل عند سامح.

لكن محمود كان باصص في الصندوق.

مد إيده ناحية السلسلة الفضية.

رفعها.

كان متعلق فيها دبلة.

دبلة ست.

بصيت لها.

وقلبي اتقبض.

محمود قال:

— دي بتاعة هناء؟

قلت:

— معرفش.

لكن على الناحية الداخلية للدبلة كان محفور حرفان.

هـ. س.

المحامي قلب باقي الأوراق.

وطلع شهادة زواج.

قرأ الاسم الأول:

هناء.

وبعدين اسم الزوج.

وسكت.

قلت:

— متجوزة مين؟

رفع الورقة.

اسم الزوج كان:

سامح عبدالسلام.

هناء…

أختي اللي ماكنتش أعرف إنها عايشة…

كانت مرات سامح.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في تاريخ الجواز.

الجواز تم قبل حادث محمود بثلاث سنين.

يعني هناء وسامح كانوا مرتبطين من قبل ما تبدأ كل الكارثة.

وفجأة رن الموبايل اللي لقيناه في الصندوق.

كلنا اتجمدنا.

رقم مجهول.

المحامي فعّل السماعة بعد توثيق المكالمة.

جاء صوت راجل.

— هناء؟

محدش رد.

قال تاني:

— هناء… أنا سامح.

محمود قرب.

لكن سامح كمل:

— لو حد غير هناء سامعني، يبقى لقوا الصندوق.

قلت:

— سامح.

سكت.

ثم قال:

— مين؟

قلت:

— أخت هناء.

صمت طويل.

وبعدين سأل:

— هي فين؟

قلت:

— إحنا اللي عايزين نعرف.

صوته اتغير.

— يعني أحمد أخدها.

قلت:

— إنت عارف مكانها؟

قال:

— لأ… بس أعرف المكان الوحيد اللي أحمد ممكن يخبيها فيه.

المحامي قال:

— فين؟

سامح رد:

— المزرعة القديمة.

قلت:

— أنهي مزرعة؟

قال عنوان مكان ما سمعتش عنه قبل كده.

وبعدين أضاف:

— بس لو هتروحوا… بلغوا الشرطة.

المحامي قال:

— ليه؟

سامح سكت ثانيتين.

ثم قال:

— لأن أحمد مش لوحده.

قلت:

— مين معاه؟

رد سامح:

— الشخص اللي بدأ الحكاية كلها.

قلت:

— نوال؟

قال:

— لأ.

— أمال مين؟

سامح قال:

— أبو سمر.

أم سمر وقعت منها شنطتها.

وسمر صرخت:

— أبويا؟!

سامح قال آخر جملة قبل ما الخط يتقطع:

— أبو سمر ماكانش ضحية موضوع الأرض…

هو اللي عرضها عليهم من البداية.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى