قصص وروايات

في سن ال ٦٥

في التاسعة والستين من عمره، بعت منزلي وقررت أن أسافر حول العالم، رغم توسلات أبنائي لي ألا أفعل.
ثم، بينما كنت في أستراليا، دعاني رجل أرمل لم أكن قد تعرفت إليه إلا منذ فترة قصيرة إلى منزله لتناول القهوة. وبمجرد أن دخلت غرفة معيشته، توقفت في مكاني. لأن فوق المدفأة كانت معلقة لوحة لا يُفترض بها إطلاقًا أن تكون هناك.

 

طوال معظم حياتي، كنت أعتني بالجميع باستثناء نفسي.

ربيت أربعة أبناء.

وعملت لسنوات طويلة.

واعتنيت بأحفادي.

وكنت أوصل الجميع إلى الأماكن التي يريدون الذهاب إليها.

ساعدت في دفع الفواتير.

وأقرضت المال كلما مر أحدهم بضائقة.

ومع ذلك، نادرًا ما كان أبنائي يتصلون بي لمجرد السؤال عن حالي.

في معظم الأحيان، كانوا يحتاجون إلى شيء.

جليسة أطفال.

بعض المال.

مشوارًا.

أو خدمة.

بعد وفاة زوجي قبل اثني عشر عامًا، استغرق الأمر سنوات حتى أشعر بأنني عدت إلى نفسي من جديد.

ثم في صباح أحد الأيام، جلست إلى طاولة المطبخ ونظرت إلى التقويم أمامي.

اكتشفنا أن معظم المواعيد المكتوبة فيه كانت تخص أشخاصًا آخرين.

مواعيد اصطحاب الأطفال من المدرسة.

زيارات للطبيب.

أعياد ميلاد.

مشاوير.

أحفاد.

التزامات عائلية.

أما حياتي أنا، فلم يكن فيها إلا القليل جدًا.

كنت في التاسعة والستين من عمري.

وفجأة أدركت أنني قضيت معظم حياتي وأنا أنتظر كلمة «يومًا ما».

يومًا ما سأسافر.

يومًا ما سأزور الأماكن التي لم أرها إلا في الكتب.

يومًا ما سأفعل أخيرًا شيئًا لمجرد أنه يجعلني سعيدة.

لذلك قررت أن «يومًا ما» قد حان.

بعت منزلي.

ثم حجزت رحلة حول العالم.

كان أبنائي غاضبين جدًا.

قال أحدهم:

«أنتِ أنانية يا أمي.»

وقال آخر:

«وماذا عن أحفادك؟»

بل إن أحدهم قال:

«هل ستنفقين كل هذا المال على السفر حقًا؟»

وقال أحدهم أيضًا:

«ذلك المنزل كان من المفترض أن يبقى في العائلة.»

نظرت إليه وقلت:

«كان منزلي أنا.»

لم يعجبه ذلك الرد.

وعندما رفضت إلغاء خططي، قام اثنان من أبنائي بحظر رقمي.

تظاهرت بأن الأمر لم يؤلمني.

لكنه آلمَني فعلًا.

ومع ذلك، واصلت طريقي.

فما زلت قادرة على السير في المطارات.

وحمل حقيبتي بنفسي.

وصعود السلالم.

واستكشاف الشوارع المجهولة.

وطالما كنت قادرة على فعل تلك الأشياء، فقد أردت أن أعيش ولو جزءًا صغيرًا من الحياة التي قضيت عقودًا أؤجلها.

كانت أستراليا محطتي الرابعة.

وهناك التقيت بآرثر.

كان في الحادية والسبعين من عمره.

أرملًا.

رجلًا هادئًا ولطيفًا.

وكان أكثر مرحًا بكثير مما توقعت.

اكتشفنا أن لدينا الكثير من الأشياء المشتركة.

الموسيقى الكلاسيكية.

الأفلام القديمة.

البستنة.

وروايات الجريمة والتحقيق.

وبعد أن قضينا عدة فترات بعد الظهر معًا، دعاني آرثر إلى منزله.

قال لي:

«لدي مجموعة كاملة من الأسطوانات القديمة على الرف، وأظن أنك ستستمتعين بها. تعالي لتناول القهوة.»

وثقت به.

كان منزله دافئًا ومريحًا، وتبدو عليه ملامح الحياة الحقيقية.

كانت الكتب تملأ الرفوف.

ولم تكن قطع الأثاث متناسقة تمامًا مع بعضها.

وصور العائلة كانت تزين أروقة المنزل.

قال آرثر:

«سأضع الماء على النار. اجعلي نفسك مرتاحة.»

دخلت غرفة المعيشة.

وتوقفت في مكاني.

كادت حقيبتي تسقط من على كتفي.

وبدأت يداي ترتجفان.

كانت هناك لوحة معلقة فوق المدفأة.

كوخ صغير بجوار بحيرة.

وشجرتا صنوبر تميلان نحو المياه.

ورصيف خشبي مائل يمتد من الشاطئ إلى داخل البحيرة.

كنت أعرف تلك اللوحة.

لم تكن لوحة تشبهها.

بل كانت تلك اللوحة نفسها.

كنت أعرف كل تفاصيلها.

ولم يكن هناك أي سبب على الإطلاق يجعلها معلقة في منزل رجل لم أتعرف إليه إلا منذ وقت قصير، وعلى الجانب الآخر من العالم.
في التاسعة والستين من عمري، بعت منزلي وقررت أن أسافر حول العالم، رغم توسلات أبنائي لي ألا أفعل.

حدقت في اللوحة وكأنني أحاول إقناع نفسي بأنني مخطئة.

لكنني لم أكن مخطئة.

اقتربت منها ببطء.

مددت يدي ولمست إطارها.

كان خشبيًا قديمًا، وفي الزاوية السفلية خدش صغير أعرفه جيدًا.

ذلك الخدش لم يكن صدفة.

لقد رأيته مئات المرات.

قال صوت آرثر من خلفي:

— هل كل شيء بخير؟

استدرت إليه.

كان يحمل فنجانين من القهوة.

قلت بصوت مرتجف:

— من أين حصلت على هذه اللوحة؟

تغيرت ملامحه فورًا.

وضع الفنجانين على الطاولة.

ثم نظر إلى اللوحة.

وبعدها عاد لينظر إليّ.

— لماذا تسألين؟

أشرت إليها.

— لأنني أعرفها.

ساد الصمت.

قال آرثر:

— ماذا تقصدين؟

أخذت نفسًا عميقًا.

— هذه اللوحة كانت في منزل عائلتي عندما كنت طفلة.

تجمد في مكانه.

ثم سأل:

— أنتِ متأكدة؟

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح.

— أنا متأكدة من هذه اللوحة أكثر مما أنا متأكدة من أي شيء آخر في حياتي.

اقترب آرثر من اللوحة.

رفع يده عن الإطار دون أن يلمسه.

— اشتريتها منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

شعرت بأن قلبي توقف.

— من مَن؟

نظر إليّ طويلًا.

ثم قال:

— من رجل كان يعيش في بلدة صغيرة بالقرب من بحيرة في كندا.

جلست.

كانت ساقاي لا تحملانني.

قلت:

— هل تعرف اسمه؟

هز رأسه.

— لا أتذكر اسمه. لكنني أتذكر أنه قال لي إن اللوحة كانت تخص عائلته.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

— ماذا كان اسم البلدة؟

ذكر الاسم.

وعندما سمعته، شعرت بأن الغرفة اختفت من حولي.

لأنها كانت البلدة التي عشت فيها عندما كنت طفلة.

بلدة صغيرة قضيت فيها أجمل سنوات طفولتي.

بلدة تركتها عندما كان عمري سبعة عشر عامًا.

قلت:

— آرثر… من أين جاء هذا الرجل؟

أجاب:

— قال إنه كان يبيع أغراض والده بعد وفاته.

ثم سألني:

— لماذا؟ ما قصة اللوحة؟

نظرت إليها مرة أخرى.

وقلت:

— لم تكن لوالدي.

صمت.

— كانت لوالديّ.

ثم أضفت:

— وكان هناك شيء مخبأ خلفها.

تغير وجه آرثر.

— مخبأ؟

أومأت.

— نعم.

نهضت واقتربت من اللوحة.

— عندما كنت في العاشرة من عمري، كنت أختبئ خلفها أثناء لعب الغميضة مع إخوتي. وفي إحدى المرات، سقطت اللوحة من الحائط.

توقفت للحظة.

— وعندما أعدنا تعليقها، لاحظت أن هناك ورقة صغيرة عالقة خلفها.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى