لقي امه بتترعش

لقى أمه الغلبانة بتترعش جوة خزان مية ناشف ومصدي، ولما عرف مين اللي رماها هناك وسابها ، العيلة كلها دفعت ثمن حقيقة متتغفرش قدام أهل البلد كلهم!
المطر كان بينزل بغزارة على طريق الصعيد الزراعي كأن السماء مفتوحة ومابتتقفلش؛ الساعة تمانية بالليل، حسن المنشاوي كان سايق عربيته في وسط الطين متوجه لقريتهم الصغيرة التابعة لمركز الفشن، البلد اللي اتولد وتربى فيها؛ كان جاي من السويس بعد 4 شهور كاملين م غابش فيهم عن حضن أمه؛ الحاجة مبروكة كان عندها 74 سنة، بتعمل رقاق وفطير وتبيعه يوم الجمعة قدام المسجد الكبير، وعمرها م طلبت حاجة من حد ولا اشتكت؛ وعشان كده، حسن دخل الشك قلبه لما بقت م بتردش على تليفوناته؛ أخته سماح كانت كل م يكلمها تقول له نفس الكلمة أمي معايا وفي ، م تبقاش قلوق زيادة عن اللزوم! إحنا شايلينها في عيونا؛ حسن حاول يصدقها، كان نفسه يصدقها فعلاً! بس الأسبوع ده،
وهو بيقلب في جروب العيلة على الواتساب، لاحظ إن مفيش مخلوق بينزل صورة واحدة لأمه؛ لا لمة أكل، ولا زيارة دكتور، ولا حتى رسالة صباح الخير بصوتها؛ مفيش غير سماح وهي عمالة تتمنظر بصور خروجاتها مع جوزها مصطفى، وعربيتهم الزيرو الجديدة!
فيه نغزة كلت صدره، وعشان كده سافر من غير ما يبلغ حد؛ وهو مدي من جنب أرض الطوب القديمة المهجورة، وهي منطقة مقطوعة كانوا بيخزنوا فيها مواسير وحديد خردة، سمع صوت غريب أوي وسط صوت المطر.. صوت أنين ووجع مكتوم! فرمل بكل قوته لدرجة إن العربية زحفت على الطين؛ نزل ومعاه كشاف، ورجليه بتغرز في الوحل؛ الهواء كان بيطير صاج السقف القديم وبيعمل صوت عالي؛ حسن مشى بالراحة وقلبه مقبوض مين هنا؟! صرخ بعلو صوته؛ الرد جاه ضعيف وزي الخيط الحقوني..؛ حسن جري ناحية أوضة قديمة من غير سقف، وهناك شاف الحفرة خزان مية أرضي ناشف،
غويط، ومليان زبالة ومية ملوثة وطوب! وجه نور الكشاف لجوية.. والدنيا اسودت في عينه! تحت كانت الحاجة مبروكة، مكمشة في نفسها، حافية، بلوزة خفيفة لازقة على جسمها من المطر، وشها كله طين وشفايفها زرقاء زي الدم المتجمد! أمي!؛ حسن رمى نفسه جوة الخزان من غير ما يفكر؛ دراعه اتجرح وركبته اتخبطت في الطوب بس وصل لها؛ خدها في حضنه وحس بجسمها زي التلج، خفيفة وناشفة كأن الروح بتتسحب منها خلاص! دي أنا يا أمي.. أنا حسن، أنا جيت؛ الحاجة مبروكة فتحت عينها بالعافية يا ابني.. حبسوني وم رضيوش يخرجوني..؛ طلعها بحبل كان معاه في شنطة العربية؛ قعد يشد فيها بقاله نص ساعة وهو بيعيط من الغل والقهرة وبيترجاها تمسك في الدنيا؛
أول ما وصل مستشفى المركز، دخل وهو بيصرخ وبيهز الحيط الحقوني! لقيت أمي مرمية في خزان مية.. فيه حد رماها هناك عشان تموت!؛ بعد كام ساعة، الدكتور خرج ووشه م يتفسرش، وقال لحسن إن الحاجة مبروكة عندها هبوط حاد، وجفاف، وآثار ضرب وخبط في إيديها ورجليها دي م قعدتش هناك ليلة واحدة يا حسن بيه.. دي بقالها تلات أيام على الأقل!؛ حسن خرج للممر وهو كليته بيترعش، اِتصل بسماح؛ أمي فين يا سماح؟؛ سماح ردت بسرعة، بسرعة زيادة عن اللزوم نايمة جوة في عندي يا حسن؛ حسن بص لباب العناية المركزة وعيونه مليانة غضب وشرار أومال اِشرحي لي كده.. أنا لسة مطلعها حالا من خزان مية مهجور وهي بتموت ليه؟!؛ الناحية الثانية من الخط م جاش منها غير سكوت مرعب، سكوت ألعن وأقوى من أي اعتراف!…
الجزء الثاني








