قصص و روايات

كارنية النقابة

​بدل ده، أنا كنت في طريقي لاستلام منصبي الجديد كمديرة للمستشفى. ولما يصحوا على رسايل رفض الكروت البنكية، والعربية اللي هتتسحب بسبب الأقساط، والشقة الفاضية اللي لازم يخلوها النهارده، هيفهموا أخيراً إيه اللي بيحصل لما تحاول تكسر دكتورة جراحة متدربة إزاي تقيم الخطر، تأمن غرفتها، وتستأصل الورم الخبيث من حياتها بمنتهى البرود.

​وأنا بقفل باب الشقة ورايا للأبد، شاشة موبايلي نورت برسالة من المحامي بتاعي.
فتحتها، قريت أول سطر، واكتشفت إن طارق وسعاد كانوا مخبيين سر.. مصيبة

أبشع وأخطر بكتير من أي حاجة كنت ممكن أتخيلها.

وقفت مكاني قدام باب العمارة، النسمة بتاعة الفجر كانت باردة بس النار اللي قادت في قلبي من رسالة المحامي كانت كفيلة تدفيني وتحرقهم هما الاتنين.
​الرسالة كان مكتوب فيها:
“دكتورة، أنا راجعت السجل التجاري والملفات الضريبية زي ما طلبتي إمبارح عشان نفصل ذمتك المالية عن جوزك، واكتشفت كارثة. طارق جوزك مأسس شركة توريدات طبية من تلات سنين، والمصيبة إنه مأسسها باسمك إنتي! بموجب توكيل عام إنتي كنتي عملاهوله زمان أول الجواز واتلغى، بس هو استخدمه قبل ما يتلغي. الكارثة الأكبر إن الشركة دي هي المورد الأساسي للأجهزة الطبية الفاسدة لمستشفى الطوارئ اللي إنتي لسه متعينة مديرتها! هما كانوا مرعوبين تستلمي المنصب وتفتحي الدفاتر وتكتشفي إن جوزك بيورد أجهزة مضروبة للمستشفى باسمك، وكانوا بيحاولوا يكسروكي ويخلوكي تستقيلي بأي تمن عشان يفضلوا في السليم.”
​قريت الرسالة مرة واتنين وعشرة. الصورة وضحت تماماً. الحكاية مكنتش حكاية “حماتي بتغير مني” ولا “جوزي شرقي وعايزني في البيت”. الحكاية كانت عصابة.. عصابة بتسرق أرواح الناس بفلوس حرام، وعايزين يلبسوني أنا العمة لو الحكاية اتكشفت! حرق هدومي وكارنيه النقابة مكنش مجرد إهانة، ده كان محاولة بائسة لتعطيلي عن استلام شغلي النهاردة عشان يلحقوا يغطوا على جرايمهم.
​ابتسمت ابتسامة باردة جداً، مسحت دموع الصدمة اللي نزلت غصب عني، وكتبت للمحامي: “بلغ مباحث الأموال العامة، وهاتلي قوة على مكتب مدير المستشفى الساعة ٩ الصبح بالدقيقة. أنا هقدم بلاغ رسمي ضد جوزك وشركته.”
​في نفس الوقت.. في شقة التجمع
​صحيت “سعاد” على وجع في ضهرها. لقت نفسها نايمة على المرتبة على الأرض. فتحت عينيها وبصت حواليها بصدمة.. الأوضة فاضية! مفيش تسريحة، مفيش دولاب، مفيش سجاد.
قامت تصرخ وتلطم: “يا طااااارق! يا مصيبتي يابني! إلحقنا الحرامية شالوا الشقة واحنا نايمين!”
​طارق قام مفزوع من على مرتبته في الأوضة التانية، طلع يجري في الصالة اللي بقت عبارة عن صحراء فاضية. بيبص حواليه كأنه في كابوس. مسك موبايله عشان يطلب البوليس، لقى الشاشة مليانة إشعارات من البنك:
​”تم إيقاف البطاقة الائتمانية.”
​”تم سحب الرصيد بالكامل وتحويله لحساب آخر.”
​رسالة من البواب: “يا بيه صاحبة الشقة سابت المفتاح وقالتلي أبلغكم تخلوا الشقة النهاردة عشان الإيجار خلص ومفيش تجديد.”
​طارق وشه جاب ألوان، حس إن الأرض بتتشق وتبلعه. بص لأمه اللي بتصوت وقالها بصوت بيترعش: “مش حرامية يا ماما.. دي هي! الدكتورة لمت كل حاجة وقطعت عننا الفلوس!”
​سعاد صرخت بغل: “بنت الـ… إزاي تتجرأ تعمل كده؟ دي لازم تتربى! اتصل بيها خليها ترجع تبوس جزمتك!”
​طارق تجاهل صراخها، وعينيه وسعت برعب وهو بيفتكر الكارثة الحقيقية. بص في الساعة لقاها ٨:٣٠ الصبح. ضرب إيده على دماغه وصرخ: “الفلوس والعفش دول آخر همنا يا ماما.. البت لو راحت المستشفى وفتحت ملفات الموردين هنروح كلنا في داهية! أنا لازم ألحقها!”
​نزل طارق يجري على السلالم حافي، ركب عربيته وجي يدورها، افتكر إنها مسحوبة بسبب الأقساط اللي وقفتها. طلع يجري في الشارع زي المجنون يدور على تاكسي، وأمه بتجري وراه بجلابية البيت من الفزع.
​في مكتب مدير عام المستشفى
​كنت قاعدة على الكرسي الجلد الكبير الخاص بمدير المستشفى. قدامي فنجان قهوة، وملفات قسم المشتريات والتوريدات كلها مفتوحة قدامي. كل ورقة كانت بتثبت إدانة طارق، وكل فاتورة كانت بتكشف حجم الفساد والأجهزة الرخيصة اللي كانت بتدخل المستشفى وتتسبب في مضاعفات للمرضى.
​الباب خبط، ودخل المحامي بتاعي ومعاه ظابط مباحث الأموال العامة ومفتشين من وزارة الصحة.
استقبلتهم بهدوء، وسلمتهم كل الملفات، ونسخة من توقيعي المزور، وصور من العقود اللي طارق عاملها مع الإدارة القديمة.
​في اللحظة دي، سمعت دوشة بره المكتب. صوت زعيق طارق وهو بيتخانق مع الأمن: “أنا جوز المديرة! إوعى من وشي إنت وهو!”
​الباب اتفتح بعنف، ودخل طارق بينهج وعرقان، ووراه أمه سعاد اللي كانت بتنهج وماسكة قلبها.
أول ما شافني قاعدة ورا المكتب، حاول يرسم دور السبع وقال بصوت عالي: “إنتي إزاي تتجرئي تسيبي البيت من غير إذني؟ وإيه اللي عملتيه في الشقة ده؟ إنتي فاكرة نفسك مين؟ قومي قدامي فوراً!”
​محستش بأي غضب، بالعكس، حسيت بشفقة على منظره المثير للرثاء. شربت بق من قهوتي وقولتله بهدوء: “أنا دكتورة جراحة يا طارق.. وظيفتي أستأصل الأورام الخبيثة وأرميها في الزبالة عشان الجسم يعيش. وإنت وأمك كنتوا أكبر ورم خبيث في حياتي.”
​طارق لمح الظباط والمفتشين واقفين في ركن المكتب. ملامحه اتغيرت ١٨٠ درجة، وريقه نشف.
سعاد حاولت تتدخل وقالت بمسكنة كدابة: “يا بنتي ده إحنا كنا بنهزر معاكي بنختبر طاعتك لجوزك.. إرجعي بيتك و…”
​قاطعتها بصوت حازم: “بيتي اللي كنت بدفع إيجاره من عرقي وإنتي بتنامي فيه وبتخططي إزاي تدمريني؟ ولا بيتي اللي ابنك كان بيسرق فلوس المرضى وبيوردلهم أجهزة فاسدة عشان يبني ثروة على دمهم ويورطني أنا؟”
​الظابط قرب من طارق وطلع الكلبشات: “طارق بيه، مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير، اختلاس أموال عامة، وتعريض حياة مرضى للخطر. اتفضل معانا.”
​طارق انهار على ركبه، فضل يعيط ويتوسل: “يا نور أبوس إيدك سامحيني! أنا عملت كده عشان أأمن مستقبلنا! أنا جوزك حبيبك، متودينيش في داهية!”
​سعاد رمت نفسها على الأرض وبدأت تبوس في إيدي: “أبوس رجلك يا دكتورة، ده ابني الوحيد، أنا هبوس جزمتك بس تنازلي!”
​سحبت إيدي منها بقوة ووقفت بطولي، وبصتلهم من فوق وقولت: “الهدوم اللي حرقتيها بتتعوض يا سعاد.. والكارنيه اللي اتقص طلع غيره في نص ساعة.. بس الكرامة والثقة والأمان اللي حرقتهوملي دول تمنهم غالي أوي.. وتمنهم إنكم تدفعوا الحساب لحد آخر مليم. خدوه يا فندم.”
​بعد مرور سنة
​المستشفى تحت إدارتي بقت من أفضل مستشفيات الطوارئ في مصر. حققت نجاحات غير مسبوقة، ونضفت المكان من كل الفساد اللي كان معشش فيه.
​طارق اتحكم عليه بـ ١٥ سنة سجن مشدد بتهمة التزوير والتربح وتعريض حياة المواطنين للخطر. سعاد عاشت في أوضة صغيرة فوق السطوح، بعد ما الفلوس الحرام كلها اتصادرت، وبقت تتسول عطف الجيران عشان تاكل.
​أما أنا؟ أنا وقفت قدام المراية في مكتبي، لبست البالطو الأبيض الجديد بتاعي، وعلقت الكارنيه الذهبي كمديرة للمستشفى. بصيت لنفسي وابتسمت.
اتعلمت إن الست القوية مش هي اللي بتستحمل الإهانة باسم التضحية، الست القوية هي اللي بتعرف إمتى تحط خط أحمر، وتعرف إن قيمتها مش في راجل يكسرها، بل في عقلها ونجاحها واحترامها لنفسها.
​النهاية مكنتش مجرد انتصار على جوز خاين وحماة ظالمة، النهاية كانت بداية لحياتي الحقيقية، حياة أنا اللي بكتب فصولها، وأنا اللي بختار مين يستاهل يكون فيها.
​#الكاتبه_نور_محمد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى