قصص و روايات

حماتي كانت بتدخل بيتنا

حماتي كانت تدخل بيتي كل مرة وتسيبه كأنه اتنهب… وكانت تضحك وهي تقولي ما هو فيه ست تنظف! لكنها ما كانتش تعرف إن الليلة دي هتخرج من بيتي وهي عمرها ما هتنسى الدرس اللي خدته قدام العيلة كلها!
من ساعة ما اتجوزت أحمد… وأنا فاهمة إن الجواز مش بين اتنين وبس. فيه أهل. وفيه زيارات.

وفيه تنازلات.
وده طبيعي.
لكن اللي ما كانش طبيعي…
هو حماتي.
الحاجة سامية…
كانت بتعتبر مفتاح بيتنا جزء من ممتلكاتها.
لا تخبط.
ولا تتصل.
ولا حتى تبعت رسالة.
فجأة ألاقي الباب بيتفتح…
وصوتها مالي الشقة
يا ولاد… أنا جيت!
وفي كل مرة…
كانت تدخل وكأن إعصار دخل معاها.
شنطها على الكنبة.
الطرحة على السفرة.
الكوباية في أوضة الأطفال.
المعلقة في الحمام.
والأطباق…
في كل مكان إلا المطبخ.
وأغرب حاجة…
إنها كانت تعمل الفوضى دي كلها…
وهي مبتسمة.
أما أنا…
فأفضل ألف من وراها من أوضة لأوضة.
أشيل.
وأرتب.
وأمسح.
وأتنفس بالعافية علشان ما أردش.
أحمد كان شايف كل حاجة.
وكل مرة يقولها بهدوء
يا ماما… لو سمحتي حطي الحاجة مكانها.
فتتنهد.
وتحط إيدها على صدرها.
وتقول بصوت كله تمثيل
بقى أنا بقيت تقيلة عليكم؟
أنا جيالكوا أخدمكم!
وبعدين تبصلي…
وتبتسم.
ابتسامة مستفزة.
وتكمل
بعدين ما هو البيت فيه ست تنظفه.
الجملة دي…
كانت بتتكرر كل زيارة.
لدرجة إني بقيت بسمعها قبل ما تقولها.
لكن…
كل مرة كنت أعديها.
علشان أحمد.
وعلشان العيال.
لحد…
السبت اللي فات.
السبت اللي قلب كل حاجة.
دخلت البيت الساعة عشرة الصبح.
من غير ما تبلغ.
وقالت
قلت أعملكم غدا بإيدي.
أنا ابتسمت.
وسكت.
دخلت المطبخ.
وبعد ساعتين…
لما خرجت…
المطبخ ما بقاش مطبخ.
كان ساحة معركة.
زيت على الرخام.

دقيق على الأرض.
حلل في الحوض.
سكاكين على الترابيزة.
وبقايا أكل في كل حتة.
أنا وقفت في نص المطبخ…
مش مستوعبة.
لكن قلت لنفسي
معلش.
هنرتب.
بعد الغدا…
كنت لسه مخلصة مسح الأرضية.
أرضية لامعة…
بقالى ساعة بنضفها.
دخلت حماتي بكوباية قهوة.
اتكعبلت…
وسكبت القهوة كلها على الأرض.
بصيت للأرض.
وبعدين بصيتلها.
مستنية أقل حاجة.
كلمة
آسفة.
لكن…
ولا كلمة.
بالعكس.
ابتسمت.
وقالت بنفس النبرة اللي حفظتها عن ظهر قلب
ما هو البيت فيه ست تنظفه.
وساعتها…
لأول مرة من سنين…
ابتسمت أنا كمان.
ابتسامة هادية جدًا.
وقلت
معاكي حق.
فعلاً…
البيت فيه ست تنظفه.
حماتي ضحكت.
افتكرت إني استسلمت أخيرًا.
لكنها ما كانتش تعرف…
إن وأنا بقول الجملة دي…
كنت خلاص أخدت القرار.
قرار هيخليها…
قبل ما تخرج من بيتي الليلة دي…
تعرف يعني إيه تحترم بيت غيرها.
وتفهم…
إن اللي بيستهين بتعب الناس…
لازم ييجي عليه يوم…
ويتذوق نفس الإحساس.
تاني يوم الصبح…
صحيت بدري جدًا.
مش علشان أنضف.
ولا علشان أجهز الفطار.
كنت بصحى علشان أنفذ الخطة اللي فضلت أفكر فيها طول الليل.
أحمد كان بيشرب القهوة قبل ما ينزل الشغل.
بصلي وقال
مالك؟
ابتسمت.
ولا حاجة.
بس عندي إحساس إن النهارده هيكون مختلف.
ما فهمش قصدي.
خد مفاتيحه ونزل.
على الساعة واحدة الضهر…
زي كل مرة…
سمعت صوت المفتاح في الباب.
دخلت الحاجة سامية وهي شايلة أكياس فاكهة وحلويات.
قولت أعدي أشوف العيال.
ابتسمتلها.
نورتي.
دخلت الصالة.
وابتدت نفس العادة.
خلعت الجزمة في نص السجادة.
الكيس على الكنبة.
الموبايل فوق الترابيزة.
والمناديل…
اترمت على الأرض.
وأنا…
ولا علقت.
كانت مستغربة.
كل مرة كنت بلم من وراها.
المرة دي…
ولا اتحركت.
بعد نص ساعة…
بقت الشقة شكلها متبهدل.
دخلت المطبخ.
حضرت عصير.
استخدمت خمس كوبايات.
وسابتهم في الحوض.
عملت سندوتش.
وسابت بواقي الجبن والزبدة مفتوحة.
ولما خلصت…
بصتلي بنفس الابتسامة المستفزة.
وقالت
هو إنتِ تعبانة النهارده؟
قلت بهدوء
لأ.
ليه؟
أصل مستغربة إنك مش بتلمي ورايا.
ابتسمت أكتر.
وقلت
أصل الست اللي بتنضف النهارده…
وسكت شوية.
…أجازة.
ضحكت.
افتكرتها
هزار.
طب ما تنضفي بالليل.
هزيت كتفي.
ممكن.
عدى ساعتين.
والبيت…
بدأ يبقى فوضى حقيقية.
الأرض فيها بقع قهوة.
المطبخ مليان أطباق.
السفرة عليها بواقي أكل.
والريحة…
بدأت تتغير.
الحاجة سامية قامت تلف في الشقة.
وبصت حواليها باستغراب.
إيه ده؟
البيت مكركب ليه؟
قلت وأنا قاعدة بكمل كتاب
مش عارفة.
غريبة فعلًا.
بصتلي بضيق.
ما تقومي ترتبيه.
قفلت الكتاب.
وبصيتلها مباشرة.
وقلت بنفس الجملة اللي كانت بتقولهالي سنين…
ما هو البيت فيه ست تنظفه.
الابتسامة اختفت من وشها.
يعني إيه؟
يعني زي ما حضرتك قلتي.
البيت فيه ست.
وأنا النهارده مش الست دي.
سكتت.
أول مرة…
ما لقتش رد.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
فتحت.
كان أحمد.
وراه أخته الكبيرة…
وجوزها…
وخالته…
اللي كانوا متفقين ييجوا يشربوا القهوة عندنا.
دخلوا الصالة…
واتصدموا.
أخته قالت
يا ساتر!
إيه اللي حصل هنا؟
وقبل ما أتكلم…
حماتي ردت بسرعة
أصل مرات أخوكي مهملة النهارده بشكل مش طبيعي!
أنا ابتسمت.
وبصيت لأحمد.
وقلت بهدوء شديد
ممكن حضرتك تقولهم…
مين اللي عمل كل الفوضى دي من أول ما دخل البيت؟
أحمد سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي ما كانتش الحاجة سامية متوقعة تسمعها أبدًا
بصراحة…
كل اللي شايفينه ده…
ماما هي اللي عملته.
الحاجة سامية ضحكت بسرعة.
ضحكة متوترة.
وقالت وهي بتحاول تستخبى ورا الكلام
يا ابني… أنا عملت الغدا بس.
ما هو طبيعي يبقى فيه شوية حاجات.
أحمد بص حواليه.
وبعدين بص على الحوض.
كان مليان أطباق.
الصالة كانت متبهدلة.
السجادة عليها بقعة قهوة.
وأثر الجزمة الموحلة من أول الباب لحد المطبخ.
قال بهدوء
شوية؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى