Uncategorized

جوزي نسي الساعه الاسمارت

## خيط رفيع خلف السر
ضغطت على عجلة القيادة وأنا أراقب سيارته من مسافة آمنة، تاركة بيننا سيارتين أو ثلاثًا حتى لا يلتفت في مرآته الرؤية الخلفية فيكتشف أمري. قلبي كان ينبض بعنف كأنما يحاول كسر ضلوعي، وعقلي يتأرجح بين أملٍ كاذب بأن يكون كل ما يدور في رأسي مجرد شكوك وهمية، وبين خوف حارق من أن أكتشف حقيقة تهدم تسع سنوات من الاستقرار والثقة

العمياء.
سلك كريم طريقًا غير معتاد للذهاب إلى مقر شركته؛ انحرف تجاه حي هادئ نسبياً في ضواحي المدينة، ووقف أمام مبنى سكني أنيق، ولكنه ليس مقر عمله المعروف إطلاقًا. توقفت ببطء على جانب الشارع، وأطفأت محرك سيارتي، وأنا أراقبه وهو يترجل من سيارته، ويعدل هندامها بثقة مبالغ فيها، ثم يدخل من بوابة المبنى وكأنه يعلم بوصلته جيدًا.
مرت عشر دقائق ثقيلة كأنها دهور. ترددت كثيرًا، لكن الفضول القاتل والغيرة التي اشتعلت في صدري دفعاني للهبوط من السيارة. تسللت بخطوات ثابتة وصامتة نحو المبنى. نظرت إلى اللوحة الإرشادية عند المدخل، فلم أجد أي اسم لشركة أو مكتب هندسي؛ كانت مجرد شقق سكنية خاصة.
صعدت على أطراف أصابعي عبر الدرج حتى وصلت إلى الطابق الثاني، حيث رأيت كريم يقف أمام باب الشقة رقم (4)، ويمد يده ليضغط على جرس الباب بطريقة معينة، كأنه طقس متكرر.
ثوانٍ معدودة وانفتح الباب…
وهنا انقبضت روحي وتسمرت مكاني.
لم تكن امرأة، ولم يكن سرًا عاطفيًا كما تخيلت في أسوأ كوابيسي!
التي فتحت الباب لم تكن سوى امرأة مسنة ملامحها مألوفة جدًا بالنسبة لي، وتلف رأسها بوشاح قطني بسيط، وما إن رأت كريم حتى هتفت بابتسامة دافئة وراحة عميقة:
“أخيرًا جيت يا ابني… الخبز الساخن والجبنة القريش اللي طلبتها امبارح جاهزة، وكنت خايفة ما تلحقش تفطر قبل ما تبدأ مراجعة حسابات الورشة.”
وقفتُ في ممر الدرج مصدومة، أراقب المشهد بذهول تام.
نظر كريم إلى أمه المسنة بحنان، ثم التفت فجأة نحو الممر وكأن حاسة سادسًا انتبهت لوجودي، لتلتقي عيناه بعيني المذهولتين.
تبخرت الكلمات من حلقي. تقدم نحوي بخطوات بطيئة، وابتسامة اعتذار مرسومة على محياه، وقال بصوت خافت:
“كنت خايف أعرفك وأقلقك… الورشة اللي ورثتها عن والدي الله يرحمه في الحي ده كانت بتمر بأزمة مالية خانقة من شهرين، وكنت بشتغل هنا بالليل وفي السر عشان أصلح الديون وأحافظ على اسمنا ومستقبلنا من غير ما تحسي بأي ضغط أو قلق في البيت. ورسالة امبارح كانت من شريكي القديم في الورشة لما خلصنا أخيرًا آخر دفعة ديون وكسبنا الصفقة.”
نظرت إليه، فدمعت عيناي، ليس حزنًا ولا شكًا، بل ندماً عميقًا على لحظة شك واحدة تشككت فيها بمن وهبني قلبه طوال تسع سنوات. اقتربت، ووضعت يدي على كفه الدافئ، وابتسمت وسط دموعي وأنا أقول بصوت مختنق بالحب:
“كنت تكفيني الصراحة يا كريم… لكن محبتك عندي زادت أضعاف مضاعفة.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى