قصص و روايات

ليلة فرحي

ليلة فرحي حماتي نامت في أوضتي، ولما فتحت الباب الصبح اكتشفت سرًا قلب حياتي اسمي ندى، وعمري تلاتين سنة. عمري ما كنت أتخيل إن أكتر ليلة كنت مستنياها في حياتي، ليلة فرحي، ممكن تتحول في ساعات قليلة لحاجة تخليني أشك في كل اللي حواليا. كنت طول اليوم بين الزغاريد، والتصوير، والناس اللي داخلة وخارجة، والتهاني، وقرايبي اللي كل شوية واحدة فيهم تشدني من إيدي وتقول

ربنا يسعدك يا ندى.
وأنا كنت بضحك، رغم إن رجلي كانت وجعاني من الوقفة، ووشي كان خلاص مش قادر يستحمل طبقات المكياج.
لكن جوايا كان فيه إحساس جميل.
أخيرًا
النهار خلص.
وأخيرًا هروح أوضتي مع جوزي، نقفل الباب، ونبعد عن دوشة الناس كلها.
جوزي، كريم، كان هادي طول اليوم، وبيحاول على قد ما يقدر يطمنّي وسط الزحمة.
كل ما عيني تيجي في عينه كان يبتسم لي، وكأنه بيقول من غير كلام
خلاص الليلة دي هتخلص ونرتاح.
وفعلًا، بعد ما معظم الضيوف مشيوا، طلعت أوضتي.
دخلت الحمام، غسلت وشي، وبدلت هدومي، وبعدها قعدت قدام المراية أفك آخر مشبك في شعري.
كنت تعبانة جدًا.
لكن كنت مبسوطة.
لحد ما سمعت خبطتين خفيفين على الباب.
افتكرت إن كريم دخل.
قلت
ادخل.
الباب اتفتح
لكن اللي دخل كان كريم فعلًا، بس شكله ماكانش طبيعي.
كان متوتر.
بص لي ثانيتين، وبعدين قال
ندى ممكن أطلب منك طلب؟
بصيت له باستغراب
خير؟
اتنهد وقال
ماما تعبت شوية.
قومت من مكاني بسرعة
مالها؟
قال
شربت شوية مع الستات، والظاهر إن جسمها مااستحملش. مش قادرة تقف كويس.
قلت من غير تفكير
طب خليها تنام في أوضة الضيوف.
سكت لحظة.
وبعدين قال
هي مش عايزة تنام هناك.
استغربت أكتر
يعني إيه؟
قرب مني وقال
ممكن تنام هنا الليلة دي؟
افتكرت إنه بيهزر.
بصيت له وأنا مستنية يضحك.
لكنه ما ضحكش.
قلت
هنا؟!
قال
أيوه.
في أوضتنا؟
ليلة واحدة يا ندى.
اتنهدت وقلت
كريم، دي أول ليلة لينا بعد الفرح.
قال بسرعة
وأنا عارف. بس هي أمي، ومش هينفع أسيبها لوحدها وهي بالحالة دي.
كنت متضايقة جدًا.
مش من حماتي نفسها بس
لكن من فكرة إن أول حاجة تحصل بعد الفرح إن أنا أطلع من أوضتي.
ومع ذلك، ماحبتش أعمل مشكلة.
قلت
خلاص.
بعدها بدقايق دخلت حماتي.
كانت فعلًا مترنحة، وماسكة المخدة بإيدها، وبتحاول تضحك كأن مفيش حاجة حصلت.
قالت لي
معلش يا ندى يا بنتي، هتعبك معايا.
ابتسمت بالعافية
ولا يهمك.
كريم ساعدها تدخل السرير.
وبمجرد ما نامت، بص لي وقال
أنا هقعد جنبها شوية لحد ما تنام.
هزيت راسي.
خدت مخدتي وغطايتي، وخرجت من الأوضة.
قعدت على الكنبة في الصالة.
وأنا بقول لنفسي
بكرة تعدي.
ماكنتش عايزة أبدأ جوازي بخناقة.
خصوصًا إن حماتي من النوع اللي بيحب يعرف كل حاجة.
من أول ما اتخطبت لكريم وأنا ملاحظة إنها بتتدخل في تفاصيل كتير.
لكن كنت دايمًا بقول لنفسي
دي أمه وأنا لازم أكون عاقلة.
مر وقت.
البيت كله سكت.
صوت الناس اختفى.
والزغاريد اللي كانت مالية المكان من ساعات، بقت مجرد ذكرى.
حاولت أنام.
لكن كل شوية كنت بسمع صوت خطوات فوق.
مرة صوت باب بيتفتح.
ومرة صوت كرسي بيتحرك.
وبعدها
سكون.
عدت الساعة واحدة.
وبعدين اتنين.
وبعدين تلاتة.
وأنا لسه صاحيه.
في حوالي الساعة خمسة إلا ربع، سمعت صوت حاجة وقعت فوق.
اتعدلت على الكنبة.
قلبي دق بسرعة.
استنيت أسمع أي صوت تاني.
لكن مفيش.
قلت لنفسي يمكن كوب وقع.
وبعدها من شدة

التعب، عيني غلبتني.
صحيت قبل الساعة ستة بشوية.
أول حاجة افتكرتها إن عندي قرايب لسه في البيت.
قومت بسرعة.
غسلت وشي، وطلعت السلم على أطراف صوابعي.
كنت عايزة أصحي كريم عشان ننزل نسلم على الناس قبل ما يمشوا.
وصلت قدام باب الأوضة.
إيدي كانت لسه هتمسك المقبض
لكن فجأة حسيت بحاجة غريبة.
الباب كان موارب.
فتحت الباب بهدوء.
دخلت خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
كريم كان نايم على ضهره.
وحماتي كانت نايمة على الناحية التانية من السرير.
المشهد ضايقني، لكن في اللحظة دي ماكانش ده أهم شيء.
لأن عيني وقعت على الأرض.
وكان فيه ظرف أبيض صغير واقع جنب السرير.
ظرف أنا متأكدة إني ماشفتهوش قبل كده.
انحنيت آخده.
لكن قبل ما ألمسه، لاحظت إن طرف ورقة كان ظاهر منه.
وعلى الورقة كان مكتوب اسم
أبويا.
اتجمدت.
أبويا؟!
إيه علاقة ورقة باسم أبويا بحماتي في أوضة نومي؟
بصيت ناحية كريم.
كان لسه نايم.
بصيت ناحية حماتي.
وفجأة، وهي نايمة، اتحركت إيدها وسقط من تحت المخدة مفتاح صغير على الأرض.
مفتاح شكله قديم.
ومربوط فيه شريط أزرق أعرفه كويس جدًا.
لأن الشريط ده
كنت شوفته قبل كده في مكان واحد بس.
في بيت أبويا.
مديت إيدي ناحية المفتاح.
لكن قبل ما ألمسه
سمعت صوت كريم من ورايا
ندى
اتجمدت في مكاني.
رفعت راسي ببطء.
كريم كان صاحي.
وبيصص لي.
وبمجرد ما شاف المفتاح في إيدي، وشه اتغير تمامًا.
قال بصوت منخفض
إنتِ لقيتيه؟
قلت
لقيت إيه يا كريم؟
سكت.
وبص على الظرف.
وبعدين على المفتاح.
وبعدين قال جملة خلتني أحس إن ليلة فرحي لسه ما بدأتش أصلًا
كان المفروض ما تعرفيش باللي حصل قبل ما نلاقي الدليل.
بصيت له بعدم فهم.
دليل على إيه؟
لكنه ما ردش.
وفي اللحظة دي
حماتي فتحت عينيها.
وأول ما شافتني واقفة بالمفتاح والظرف في إيدي، وشها اتغير.
وبصوت مرتجف قالت
يا نهار أبيض إنتِ فتحتي الظرف؟!
قلت
لأ.
سكتت لحظة.
ثم قالت
الحمد لله.
الكلمة دي بالذات خوفتني أكتر من أي حاجة.
لأن واضح جدًا إن الظرف ده كان مخبي سر كبير
وسر متعلق بأبويا.
لكن لسه ماكنتش أعرف إن اللي جواه هيكشف حاجة اتخبّت عني سنينالسر اللي جوه الظرف
فضلت واقفة مكاني، وبصيت لكريم وأنا ماسكة الظرف.
قلت له
يعني إيه كان المفروض ماعرفش؟ إيه اللي حصل؟
كريم قام من على السرير بسرعة، لكن بدل ما ياخد الظرف مني، وقف مكانه كأنه مش عارف يبدأ كلامه منين.
حماتي كانت قاعدة على السرير، ووشها اتغير تمامًا.
مش وش واحدة كانت تعبانة من الليلة اللي فاتت
لأ.
كان وش واحدة اتفاجأت إن حاجة كانت مخبياها اتكشفت قبل ميعادها.
قلت لها
حضرتك تعرفي الظرف ده؟
ما ردتش.
بصيت لكريم
وإنت كمان تعرفه؟
قال بصوت منخفض
أيوه.
قلبي دق أسرع.
ومن إمتى؟
كريم بص لأمه، وبعدها رجع بص لي.
من قبل فرحنا.
اتصدمت.
يعني إنت كنت مخبي عليا حاجة قبل ما أتجوزك؟
قال بسرعة
مش بالطريقة اللي إنتِ فاهمها.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
وأنا فاهمة إيه أصلًا؟ أنا لسه ماعرفتش حاجة!
مد إيده ناحية الظرف.
اديني الظرف يا ندى.
شدّيته مني وقلت
لأ.
ندى
لأ يا كريم. ده عليه اسم أبويا.
سكت.
وكان سكوته هو اللي خوّفني.
لو مفيش حاجة خطيرة، كان ممكن يقول لي ببساطة إن الموضوع سوء تفاهم.
لكن هو ساكت.
حماتي قامت من السرير، واتكلمت لأول مرة بنبرة حادة
سيبيه يا ندى.
لفيت لها.
ليه؟
قالت
لأن اللي جواه مش من حقك تعرفيه بالطريقة دي.
اتسعت عيني.
مش من حقي؟ ده اسم أبويا مكتوب عليه!
هنا كريم اتحرك ناحيتي.
لكن قبل ما يوصل، سمعت صوت باب البيت بيتفتح تحت.
وبعده صوت واحد من قرايبي بيقول
يا جماعة في حد صاحي؟
بصيت لكريم بسرعة.
هو كمان بص ناحية الباب.
حماتي قالت بصوت هامس
محدش ينزل.
استغربت.
ليه؟
قالت
لأن لو حد شاف الظرف ده دلوقتي، الموضوع هيكبر.
قلت
الموضوع إيه؟!
وفجأة، وأنا بتكلم، الظرف وقع من إيدي.
الورقة اللي جواه خرجت نصها.
انحنيت آخدها.
لكن قبل ما أقدر أشوفها كويس
كريم مد إيده وخطفها.
صرخت
كريم!
قال
اسمعيني بس.
هات الورقة!
لو قريتيها دلوقتي، ممكن تفهمي كل حاجة غلط.
قلت بغضب
وأنا أصلًا فاهمة إيه؟!
حماتي قربت مني.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها، شفت في عينيها خوف حقيقي.
قالت
يا ندى أبوكي كان عارف.
اتجمدت.
عارف إيه؟
ما ردتش.
قلت
عارف إيه يا طنط؟
كريم قفل عينيه للحظة، وبعدها قال
عارف إن في حاجة ناقصة من أوراق قديمة تخص العيلة.
قلت
أوراق إيه؟
سكت.
ثم قال
بيت جدك.
اتنفض قلبي.
بيت جدي القديم كان موضوعًا محدش بيتكلم عنه.
بيت مقفول من سنين، ومفتاحه كان عند أبويا.
قلت
وإيه علاقة المفتاح ده بالموضوع؟
بصيت للمفتاح اللي كان واقع على الأرض.
الشريط الأزرق.
أنا أعرفه.
أبويا كان دايمًا بيربط مفاتيحه بشرائط صغيرة عشان ما تضيعش منه.
لكن المفتاح ده كان قديم جدًا.
حماتي قالت
المفتاح ده كان عند أبوكي.
بصيت لها.
مستحيل.
أنا متأكدة.
إزاي؟
حماتي بصت لكريم.
كأنها مستنية منه هو اللي يقول.
كريم تنهد.
أبوكي اداه لماما قبل ما يحصل خلاف كبير في العيلة.
قلت
أي خلاف؟
ما ردش.
فجأة، سمعنا صوت خطوات طالعة على السلم.
حد كان طالع.
كريم بسرعة خبّى الورقة ورا ضهره.
حماتي مسحت على وشها وقالت
محدش يتكلم عن الموضوع ده قدام حد.
الباب اتفتح.
دخلت خالتي وهي بتبتسم.
صباح الخير يا عرسان!
ابتسمت لها بالعافية.
لكن عيني كانت على إيد كريم.
الورقة كانت لسه معاه.
خالتي قربت، وبصت علينا.
وبعدين بصت للظرف على الأرض.
ابتسامتها اختفت.
وقالت
إيه ده؟
ولا كريم ولا حماتي ردوا.
خالتي قربت خطوة.
وأول ما شافت الشريط الأزرق المربوط في المفتاح، وشها شحب.
قالت بصوت شبه هامس
المفتاح ده رجع تاني؟!
بصيت لها بسرعة.
إنتِ تعرفيه؟
خالتي ما ردتش.
لكنها بدل ما تبص لي
بصت لحماتي.

مقالات ذات صلة
1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى