هاربين من السجن

الاتنين فضلوا ساكتين.
كملت:
— كنت ماشية ناحية النهر، ولقيته مصاب ومش قادر يتحرك. كان جعان جدًا، ومحدش كان حواليه.
بصت للدب بحنان.
— خدته عندي.
الرجل قال بسرعة:
— خدتيه فين؟!
— الحظيرة.
وبهدوء كملت:
— عالجته، وأكلته، وفضلت أرعاه لحد ما خف. وبعدها رجعته للغابة.
واحد من الاتنين قال:
— وإنتِ سايباه يرجع
لك؟
الست ابتسمت.
— هو اللي بيرجع.
الدب حرك رأسه كأنه فاهم كلامها.
الراجلين بدأوا يتراجعوا.
واحد منهم قال:
— إحنا لازم نمشي.
التاني هز رأسه بسرعة.
لكن المشكلة إنهم كانوا لسه واقفين قريب من البيت.
واحد منهم حاول يستغل انشغال الدب بالست.
مشى خطوة ناحية الباب.
الدب رفع رأسه.
الرجل وقف.
الدب بص له مباشرة.
ثانية واحدة…
وبعدين أصدر صوتًا هز المكان كله.
زئير مرعب!
الرجل اتجمد.
والدب تقدم ناحيته بسرعة.
— اجرييييي!
الاتنين لفوا وجروا ناحية الغابة.
ولا واحد فيهم فكر في الفلوس.
ولا الشنطة.
ولا العربية.
ولا حتى السرقة.
كل اللي كان في دماغهم وقتها:
اهرب!
واحد منهم وقع على الأرض.
قام بسرعة.
التاني كان بيجري وراه وهو بيصرخ:
— أسرع! أسرع!
— هو وراينا؟!
— ما تبصش!
لكن صوت تكسير الأغصان كان لسه وراهم.
كل خطوة كانوا بيجروا فيها كانت بتخليهم يحسوا إن الحيوان العملاق قريب منهم.
واحد منهم فقد شنطته.
وقعت منه على الأرض.
لكنه ما وقفش.
صرخ:
— سيبها!
التاني قال:
— سيب كل حاجة!
فضلوا يجروا وسط الأشجار.
هدومهم اتقطعت.
إيديهم اتخبطت.
وقعوا أكتر من مرة.
لكنهم كانوا بيقوموا ويكملوا.
لحد ما شافوا نور من بعيد.
واحد منهم قال:
— طريق!
الاتنين خرجوا من بين الأشجار…
وفجأة وقفوا.
لأن قدامهم…
كان فيه أكتر من عربية شرطة.
أضواء زرقاء بتلمع.
رجال شرطة واقفين.
وبين إيديهم أسلحة.
واحد من المجرمين رفع إيديه فورًا.
— خلاص! خلاص!
التاني وقع تقريبًا على ركبته.
كان نفسه مقطوع.
والغريب إنهم أول ما شافوا الشرطة…
ما حاولوش يهربوا.
بالعكس.
كانوا مستعدين يسلموا نفسهم فورًا.
لأن فكرة الرجوع للغابة كانت بالنسبة لهم أسوأ من السجن نفسه.
الشرطة كانت بتدور عليهم من ساعات.
ولما شافت الاتنين خارجين من الغابة في الحالة دي، استغربوا جدًا.
واحد من الضباط سأل:
— إنتوا كنتوا فين؟
واحد منهم رد وهو بيحاول يلتقط نفسه:
— كنا… عند بيت.
— بيت مين؟
— ست عجوز.
الضابط عقد حواجبه.
— عملتوا لها إيه؟
الرجل هز رأسه بسرعة:
— ولا حاجة!
— ولا حاجة؟
— والله ما لمسناها!
التاني قال:
— كان عندها دب!
الضابط بص له باستغراب.
— دب؟
— أيوه!
— دب إيه؟
— دب بني ضخم!
الضابط بص لزميله.
زميله حاول يخفي ابتسامته.
لكن الرجل صرخ:
— إحنا مش بنهزر!
بعد ما اتقبض عليهم، الشرطة رجعت ناحية البيت علشان تتأكد إن الست بخير.
وصلوا بعد وقت قصير.
الست كانت قاعدة على الكرسي قدام البيت.
هادية جدًا.
ولا كأن حصل أي حاجة.
واحد من الضباط قرب منها.
— حضرتك كويسة؟
— الحمد لله.
— الراجلين دول جم هنا؟
— أيوه.
— حاولوا يسرقوكي؟
— كانوا بيفكروا في كده.
الضابط بص حوالين المكان.
وبعدين لاحظ آثار أقدام ضخمة على الأرض.
وقف.
قرب منها.
وبص كويس.
وبعدين قال:
— دي آثار دب؟
الست ابتسمت.
— ممكن.
— هما
قالوا إن دب طاردهم.
الست هزت رأسها.
— شكلهم كانوا مرعوبين.
الضابط بص لها.
— حضرتك شوفتي الدب؟
قالت بهدوء:
— يمكن.
الضابط ضحك بخفة.
— يمكن؟
الست ما ردتش.
فضل يبص لآثار الأقدام.
وبعدين قرر ما يسألش أكتر.
بعد ما اتأكدوا إنها بخير، الشرطة مشيت.
والليل رجع هادي.
الست دخلت البيت.
وبعد شوية رجعت وهي شايلة طبق معدني قديم.
حطت فيه شوية تفاح.
وسيبت الطبق قدام الباب.
وبعدين قعدت.
فضلت مستنية.
دقيقة…
اتنين…
خمسة…
وفجأة…
الأشجار بدأت تتحرك.
نفس الصوت.
نفس الخطوات.
وببطء ظهر الدب الضخم مرة تانية.
مشى ناحية البيت.
وقرب من الست.
وبعدين تمدد جنبها على الأرض.
الست ابتسمت.
وحطت إيدها على رأسه.
وقالت:
— اتأخرت النهارده يا ميشا.
الدب غمض عينيه.
وكأنه أخيرًا رجع لمكانه الآمن.
أما الرجلان الهاربان…
ففي نفس الليلة كانا داخل سيارة الشرطة، وكل واحد منهما بيحكي القصة بطريقته.
لكن الغريب إن الاتنين اتفقوا على حاجة واحدة:
السرقة كانت آخر حاجة فكروا فيها بعد ما ظهر الدب.
والأغرب من كده…
إن الشرطة لما سألتهم:
— لو رجع بيكم الزمن، كنتوا هتعملوا إيه؟
واحد منهم رد من غير تردد:
— كنت ههرب من البيت ده من أول ما شفت الست.
التاني هز رأسه وقال:
— وأنا كنت هفضل في السجن… ولا أقرب من الغابة دي تاني!
ومن يومها، بقى أهل المنطقة يعرفوا البيت الصغير ده كويس.
الست العجوز…
والدب اللي
بيظهر أحيانًا من بين الأشجار.
والكل كان بيقول إن الحيوان ده ما كانش مجرد دب زائر…
كان شايف الست دي جزء من حياته.
هي أنقذته وهو صغير…
وهو، بطريقته الخاصة، رد لها الجميل بعد سنين.
وفي كل مرة كانت الشمس تغيب، والست تقعد قدام بيتها، كانت تسيب طبق التفاح على الأرض.
وبعد شوية…
تظهر حركة بين الأشجار.
ويخرج ميشا.
يمشي بهدوء ناحية البيت…
ويستلقي جنبها.
وكأن الرسالة كانت واضحة جدًا:
الست دي عاشت لوحدها وسط الغابة سنين… لكنها في الحقيقة ما كانتش لوحدها أبدًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








