راجل متجوز

مكنتش أعرف إنها فاتحة تسجيل الصوت وبتسجل كل كلمة حرفياً بنبرة صوتي الواضحة، وبمجرد ما خلصت، ومن غير ما يرمش لها جفن، داست إرسال للتسجيل في شات مراتي الأولى ومعاه رسالة مكتوبة: «اسمعي جوزك بيقول عليكي إيه يا أم العيال.. عشان تعرفي مكانتك ومكانتي».
لما التليفون رن بعد دقيقة وكان اسم مراتي الأولى على الشاشة، بصيت للتانية لقيتها بتبتسم بخبث ومسكت الموبايل من إيدي وقفلته خالص في وشها وقالتلي ببرود: «سيبك منها بقى، الليلة دي بتاعتي أنا وبس». والمصيبة إني طاوعتها، شفتها وهي بتكوي قلب مراتي الأولى بدم بارد، وعرفت إنها بتستقصد تضايقها وتهين كرامتها هي وعيالي، ومفتحتش بؤي ولا حتى عاتبتها بكلمة.. بالعكس، ابتسمت وخدتها في حضني وكأن كرامة الست اللي صاينة بيتي وعيالي متسواش عندي.
جه اليوم اللي مراتي التانية كسرت مراتي الأولى فيه، وحسستها إنها فعلاً لا ليها قيمة ولا كرامة قصادها. كانت الساعة داخلة على اتنين بالليل، وتليفوني رن برقم مراتي الأولى. رديت بنفخة وزهق، لقيت صوتها منهار وبيترعش وهي بتصرخ في السماعة: «إلحقني، ابنك جسمه مولع نار وبيتشنج بين إيديا، مش قادرة أسيطر عليه والحرارة مش راضية تنزل، تعالى بسرعة نوديه المستشفى مش عارفة أتصرف لوحدي!».
قومت مفزوع من على السرير وبدأت أدور على هدومي عشان أنزل، بس مراتي التانية قامت وقفت قدامي وسدت الباب بجسمها. ، وقالت بصوت عالي واصل بوضوح لمكالمة مراتي الأولى: «على فكرة دي حركات حريم، بتعمل نمرة وتلكيكة، أقصاها دور برد صغير والعيال كلها بيجيلها برد. …عشان تثبتلي بجد إنك بتحبني ومفيش حاجة تفرق معاك غيرى .. خليك هنا ومتروحش واقفل التليفون فى وشها ».
مراتي الأولى على الخط كانت سامعة كل كلمة، صوت بكاها ورجاها اتقطع بذهول وكسرة: «ابني هيضيع مني.. بتقولك دور برد وتلكيكة وأنت سامعها وساكت؟».
وقفت ثواني محتار، بس شيطاني عماني. بصيت لمراتي التانية وشفت في عينيها التحدي، وضعفت قدامها.. رديت ببرود على أم ابني وقلت لها: «ادي له خافض حرارة واعمليله كمادات وبطلي مبالغة وفزلكة، الولد مفيهوش حاجة ومش مستاهلة أقطع المشوار ده كله بنصاص الليالي عشان شوية سخونية»، وقفلت السكة في وشها وهي بتستنجد بيا.
رميت التليفون على السرير ورجعت نمت، وسبت ابني تعبان وبيتشنج، وسبت أمه تجري بيه لوحدها في الشوارع بنصاص الليالي تدور على دكتور مكسورة ومتبهدلة، كل ده بس عشان أرضي غرور مراتي التانية وأثبتلها حبي.
الصبح طلع، وصحيت على صوت مرفت وهي بتحضر الفطار بمزاج رايق وبتغني، ولا كأن في كارثة حصلت امبارح. مسكت تليفوني ببرود، مكنش في أي رنة ولا رسالة تانية من سوسن، فقلت لنفسي: «أهو شوفت؟ كان فيلم هندي منها عشان تنكد عليا وتشدني من هنا وخلاص، والواد زمانه بقى زي الفل».
شربت قهوتي مع مرفت ونزلت على الظهر، وقررت أعدي على شقتي الأولى أشوف في إيه ومنها أثبت لنفسي إني مكنتش غلطان. فتحت باب الشقة بالمفتاح، الهدوء كان مرعب، ريحة البيت مطفية وكئيبة. دخلت الصالة لقيت سوسن قاعدة على طرف الكنبة بهدوم الخروج المتبهدلة، عينيها وارمة من البكا والكمادات على الترابيزة.
أول ما شافتني، متكلمتش.. ولا صرخت.. ولا عاتبت زي كل مرة. بصتلي بنظرة خلت الدم يتجمد في عروقي، نظرة واحدة مفيهاش ذرة عشم، مفيهاش غير زعل وانسحاب تام.
اتنحنحت وحاولت أبان تقيل وواثق من نفسي، وقلت: «أهو جيتلك أهو يا سوسن، الولد ماله؟ مش قلتلك دور برد تافه ومكنش مستاهل دراما نص الليل؟».
قامت وقفت بهدوء يخوف، وطلعت من جيبها كارت تقرير المستشفى وورقة العلاج، وحطتهم على الترابيزة قدامي وقالت بصوت ميت، صوت خارج من واحدة خلاص قطعت آخر خيط كان رابطها بيا: «ابنك كان عنده التهاب رئوي حاد وحرارته عدت الأربعين، الدكتور في الطوارئ قالي لو كنتِ اتأخرتي ربع ساعة كمان كان دخل في غيبوبة تشنجية ومكناش هنلحقه.. جريت بيه في الشوارع زي المجنونة بمد إيدي للناس عشان ألحق تاكسي ينقذ ابني، وأنت نايم في حضن الست مرفت بتثبتلها حبك يا عاطف».
سكتت ثانية، وبصت في عيني وابتسمت بمرارة كسرتني من جوة: «مبروك يا عاطف.. أنت ومرفت كسبتوا الرهان، أثبتلها إنك راجل معندوش ريحة الدم ولا النخوة، وأثبتلي أنا إن وجودك في حياتنا زي قلته.. من اللحظة دي، ابنك أمانته عند ربنا مش عندك، وأنت مالكش عندي عتاب.. عشان العتاب ما بيتقالش إلا للغاليين، وأنت رخصت نفسك أوي».سابتني ودخلت قفلت باب أوضة الولاد بالمفتاح من جوة، وقفت مسمر في مكاني في الصالة، الورق في إيدي بيترعش، ولأول مرة أحس بطعم الهوان والذل اللي كنت بسقيهولها بإيدي كل يوم.
فضلت واقف في مكاني مش قادر أتحرك، صوت تكة المفتاح في باب الأوضة نزل على دماغي. بصيت للروشتة اللي في إيدي، وشوفت اسم ابني مكتوب، وتاريخ الليلة اللي فاتت بالساعة والدقيقة.. الساعة اتنين ونص بالليل، في نفس اللحظة اللي كنت نايم فيها وسايب تليفوني مقفول عشان أرضي مرفت.
قربت من الباب وخبطت خبطتين خفاف: «سوسن.. افتحي طيب، خلينا نتكلم، أنا مكنتش متخيل إن الموضوع كبير كده.. افتحي أشوف الواد وأطمن عليه».
مفيش رد. ولا حتى صوت حركة ورا الباب. السكوت كان ألعن من أي شتيمة أو زعيق.
نزلت من الشقة والدم بيغلي في دماغي، حاسس بالذنب وعايز أهرب منه، ومكنش قدامي غير بيت مرفت. دخلت عليها وكنت متعصب ومتنرفز، رميت المفاتيح على الترابيزة وقلت: «شوفتي؟ طلع عنده التهاب رئوي بجد وكان حالته صعبة! شيلتيني ذنب ابني وخلتيني أقف قصاد سوسن شكلي صغير ومسواش!».
مرفت بصتلي ببرود وثبات يفرس، حطت فنجان القهوة على مهلها ورفعت حاجبها، وردت بلسان حاد وبجلافة: «جرى إيه يا عاطف؟ هتعمل عليا نمرة وتلبسني أنا الغلط؟ وأنت كنت هتعرف منين يعني إنه تعبان بجد وهو في الأصل دور برد؟ هي كلمتك بعدها؟ رنت تاني وقالتلك الواد تعبان؟ ما اتصلتش تليفون واحد بعد ما قفلت معاك، ولا بعتت مسج تقول الحقني، يبقى منين كانت الحكاية خطيرة ومستعجلة؟ وبعدين لو هي حنينة وخايفة على ابنها بجد، ليه مكلمتكش من بدري أول ما حسّت بسخونيته؟ ليه استنت لنص الليل وعز النوم عشان ترن وتعمل اللقطة دي وتجرجرك من عندي؟».
بصتلي من فوق لتحت وكملت باستهزاء: «بطل تتهبل وتصدق أفلامها، دي حركات حريم وملاوعة عشان تحسسك بالذنب وتلوى دراعك، وبدل ما تعمل راجل عليا وتزعقلي، روح حاسبها هي على إهمالها اللي سابت الواد لما صدره اتقفل ومكلمتكش من أول اليوم!».
ردها وطريقتها سكتتني.. الست قلبت الترابيزة في ثواني ببرود غريب، طلعت سوسن هي المهملة، وطلعتني أنا وهي الضحية، وبدل ما أرد عليها بكلمة، لقيت نفسي ببلع ريقي وبسكت، تائه بين منطقها اللي دخل عقلي، وبين صوت عياط سوسن اللي لسه بيرن في وداني.






