كان عندي عشر سنين

“دلوقتي بقى
فيه داعي.”
⸻
استنينا أبويا.
جدتي طلعتلي كيس بسكوت قديم من شنطتها.
“كلي.”
كنت حلقي ناشف جدًا.
لكن أكلت الأربع قطع كلها.
مضغتهم بصعوبة وبلعتهم واحدة واحدة.
وطول الوقت جدتي كانت بتتكلم كأن مفيش حاجة حصلت.
مرة عن الغسيل.
مرة عن مواعيد شغل أبويا.
ومرة عن المطر وهل هيبوظ الزرع اللي في الجنينة.
كأن السلسلة الحديد المقطوعة مش مرمية قدامها على ترابيزة الكشف.
لحد ما قربت مني.
وهمست في ودني:
“إنتِ كده هتخلّي أبوكي يسيب شغله ويخسر يومه علشان الدراما بتاعتك.”
بصيت للأرض.
شرابي كان متجمع تحت كعبي ومضايقني.
حاولت أعدله من غير ما أنحني علشان ضلوعي كانت بتوجعني.
وبعد وقت حسيت إنه طويل جدًا…
باب العيادة اتفتح.
أبويا دخل.
كان لسه راجع من الشغل.
هدومه عليها نشارة خشب، وجزمته كانت مربوطة بسرعة كأنه جري أول ما عرف.
جدتي قامت فورًا.
كالعادة…
دخلت في دور الضحية قبل ما أبويا حتى يسأل.
وقالت:
“بنتك عملت نوبة جنان تانية.”
أبويا بصلي.
وشي كان شاحب.
وبعدين بص للدعامة المقطوعة.
وسأل:
“هي حاولت تاني؟”
السؤال ده كان مألوف جدًا.
كنت عارفة إجابته.
جدتي سبقتني:
“من الصبح وهي عنيدة ومش بتسمع الكلام.”
الدكتور سامح رفع السلسلة الحديد المقطوعة قدام أبويا.
أبويا بص لها.
اتجمد.
وقال:
“إيه ده؟”
جدتي اتغير صوتها فجأة.
بقى ناعم وحنين.
“ده بس اللي كان بيمنعها تأذي نفسها.”
أبويا حط إيديه على وشه.
واضح إنه مش فاهم.
وأنا كنت مستعدة إنه يعمل زي كل مرة…
يعتذر لجدتي.
ويقول لي:
“اسمعي كلام تيتا.”
لكن المرة دي…
حصل شيء مختلف.
أبويا نزل إيديه وبصلي.
وقال بهدوء:
“يا حبيبتي…
مفتاح القفل فين؟”
بصيت لجدتي.
وقلت:
“تيتا معاها.”
جدتي ضحكت ضحكة مصطنعة.
“دي بتنسى حاجاتها طول الوقت.”
بصيت لأبويا وقلت لأول مرة من غير خوف:
“أنا أصلًا محدش اداني مفتاح.”
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل.
أبويا بص لجدتي.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها…
جدتي شالت إيدها من عليّا.
الدكتور سامح قرب من أبويا وقال:
“إنت كنت عارف إن الدعامة دي متقفلة بسلسلة وقفل؟”
أبويا اتلخبط.
“أنا… كنت فاكر إنها لازم تفضل مقفولة.”
الدكتور سأله:
“مين قالك إن ده إجراء طبي؟”
أبويا سكت.
وبص لجدتي.
الدكتور كمل:
“مين أقنعك إن القفل ده صادر من العيادة؟”
أبويا لف ناحية أمه ببطء.
وشه كان بيتغير قدام عيني.
وصوته خرج مرتعش:
“ماما…”
جدتي ماردتش.
أبويا قرب خطوة.
وقال:
“إنتِ قلتيلي إن العيادة هي اللي ادّتك القفل ده.”
جدتي فضلت ساكتة.
وأنا لأول مرة…
رفعت عيني وبصيت لها من غير خوف.
لأن أبويا أخيرًا بدأ يسأل الأسئلة اللي كان المفروض يسألها من زمان.
لكن اللي محدش فينا كان يعرفه وقتها… إن القفل ده ماكانش أسوأ سر كانت جدتي مخبياه.
جدتي رفعت رأسها ببرود غير عادي، وصوتها طلع ثقيل وبارد:
— أيوه أنا اللي حطيت القفل يا ناصر… وأنا اللي كنت بقفل السلسلة كل يوم! لأنك ضعيف، ومستعد تسيب بنتك دي تكبر وتجري وتهرب وتعمل زي أمها!
أبويا ناصر اتجمد مكانه، وشه اتقلب أصفر زي الجثة، وعينيه اتوسعت بذهول
وصدمة هزت كيانه:
— أمها؟! إنتِ بتجيبي سيرة سعاد ليه دلوقتي يا ماما؟!
جدتي ابتسمت بسخرية وقالت:
— عشان سعاد ماماتتش في حادثة عربية زي ما أفهمتك من عشر سنين يا ناصر… سعاد هربت! هربت وسابتلك البنت دي وهي عندها سنة واحدة، لأنها ما استحملتش العيشة معايا في نفس البيت! وأنا أقسمت يومها إن البنت دي مش هتكبر وتطلع زي أمها… كان لازم أكسر شوكتها من وهي صغيرة وأحبسها تحت إيدي!
الكلمات نزلت على أبويا زي المرزبة اللي هدمت كل حاجة في لحظة.
الدكتور سامح أخد نفس عميق، وحط السلسلة المقطوعة والقفل على الترابيزة، وبص لأبويا بصوت حاد وجاد:
— الإيذاء البدني والنفسي اللي تعرضت له البنت دي طوال الشهور اللي فاتت جريمة يعاقب عليها القانون، والتزوير والادعاء بوجود تعليمات طبية بالحبس والقفل جريمة ثانية… البلاغ للشرطة ولجنة حماية الطفل اتعمل رسمياً قبل ما حضرتك توصل يا أستاذ ناصر.
جدتي صرخت بارتباك:
— بلاغ إيه وطب إيه يا جاهل إنت؟! أنا جدتها وأنا اللي بربيها بعد ما أمهاتهم رموهالي!
أبويا ناصر قرب من أمه، ولأول مرة في حياته، شفت في عينيه غضب وعيون مليانة قسوة وكبرياء وندم يقطع القلب.
نزل على ركبتيه قدامي، ومسك إيدي المرتعشة، ودموعه نزلت على إيديا بغزارة:
— سامحيني يا بنتي… سامحيني يا حبيبتي، أنا كنت أعمى ومغفل وسايبك لقلب ما يعرفش الرحمة… أنا كنت فاكر إنها بتحميكي، وما كنتش عارف إنها بتنتقم منك ومن أمك فيكي!
أنا حطيت إيدي الصغيرة على خده، ولمست دموعه وقلت بصوت هادي لأول مرة:
— أنا مش زعلانة منك يا بابا… أنا بس كنت عايزة الدعامة تتفك، وأتنفس من غير وجع.
أبويا قام وقف بصلابة، ووقف بيني وبين جدتي، وقال لها بصوت هز جدران العيادة الصغيرة:
— من اللحظة دي يا أمي… إنتِ مالكيش بنت أحفاد، ومالكيش بيت عندنا. الأوراق اللي خبيتيها عن هرب سعاد وعناوينها، والتزوير اللي عيشتيني فيه عشر سنين، النيابة هي اللي هتحاسبك عليه!
وصلت شرطة حماية الطفل، وتم نقل جدتي للتحقيق بتهم الإيذاء البدني والنفسي القاصر، والتزوير، والاحتجاز غير القانوني.
بعد مرور أسبوعين…
الدعامة الطبية والسلسلة الحديدية اتفكوا تماماً من على صدري بأمر الأطباء في المستشفى الكبير بالقاهرة، وضلوعي بدأت تلتئم بسلام.
أبويا أخد إجازة طويلة من شغله، وخدني في شقة جميلة ومشرقة بعيد عن القرية وعن بيت جدتي القديم.
وفوق ده كله… أبويا بمساعدة المحامي قدر يوصل لمكان أمي الحقيقي اللي كانت بتبحث عني طوال السنين دي، وطلعت جدتي هي اللي كانت حارماها من الوصول ليا بتهديدات وأوراق مزورة!
في يوم دافي على شاطئ البحر…
كنت واقفه مع أبويا، وأمي كانت قاعدة جنبنا بتبتسم والدموع في عينيها وهي بتحضنني.
أبويا مسك إيدي وبص للسمات والأفق الواسع وقال لي بابتسامة مليانة حب وحماية:
— اتنفستي براحتك يا حبيبتي… من النهاردة مفيش أقفال، ومفيش سلاسل، ومفيش حد يقدر يحرمك من حريتك وضحكتك أبداً.
ابتسمت من قلبي وأنا باخد نفس عميق ودافي، وعرفت إن الحقيقة مهما انحبست بقفل حديد… ربنا بيقيّض لها وقت تظهر فيه وتكسر كل السلاسل!
تمت




