عام

تحت الشجره

وققبل ما ألحق أفكر اتصلت بالبوليس.
إيدي بتترعش وأنا فاتحة العلبة المعدن.
البوليس قالي “ماتلمسيش حاجة” بس أنا كنت شفت خلاص.
الورق كان معظمه عقود وحوالات بنكية قديمة، وتقرير من المستشفى وفيه صورة لراجل نايم على سرير عمليات وشه متغطي.
بس الورقة اللي وقفت قلبي كان فيها اسم جوزي:
“إقرار مسؤولية” مكتوب فيه إنه كان سايق وتاريخه نفس يوم الحادثة اللي أمي عمرها ما رضيت تتكلم عنها.
من 27 سنة أخو أمي مات في حادثة عربية، العربية اتقلبت والبوليس وقتها قال “مفيش شهود ومفيش دليل”.
أمي وقتها قالتلي: “سواق هربان” وقعدت 27 سنة تزرع الشجرة وتسقيها كأنها بتدفن حزنها فيها.
دلوقتي فهمت.. جوزي هو اللي كان سايق.

صوت عربية بوليس جه، لقيت ظابطين واقفين قدامي:
“مدام؟ حد اتصل”
وريتهم العلبة، واحد فيهم فتح الورق وبصلي بصدمة:
“ده دليل إدانة… وده تزوير كمان”
سألته: “تزوير؟”
“أيوه. الورق ده مزور. حد غير تاريخ وبدل اسم السواق”
قعدت على الأرض.. 27 سنة وأمي عارفة، وعشان كده كانت بتكرهه بس ساكتة عشان “السر” يفضل مدفون.

جوزي وصل بعدها بعشر دقايق، أول ما شاف البوليس والعلبة وشه بقى أبيض:
“إنتي… إنتي عملتي إيه؟”
“اللي المفروض كان يتعمل من 27 سنة”
حاول يتكلم: “أنا كنت صغير… خفت… هي قالتلي لو اتكلمت هتدمر مستقبلي”
“فاخترت تدفن الحقيقة تحت الشجرة؟”
سكت.. والبوليس أخده، وأنا واقفة في الجنينة وباصة للشجرة اللي كبرت مع كدبة.

بعد شهر:
التحقيق اتفتح من جديد، بسبب الورق اللي كان متشال طلع إن في شاهد وقتها شاف جوزي بيجري من مكان الحادثة.
أمي كانت عارفة وبتساومه: “هسكت بس عمرك ما هتبقى جزء من العيلة”.
عشان كده كل عيد كان جحيم.
يوم النطق بالحكم دخلت المحكمة وشفته، بصلي وقال: “أنا آسف” ومردتش.

بعدها روحت البيت، وأول حاجة عملتها… جبت حد قطع شجرة القيقب الحمرا، مش عشان أكره أمي، عشان أدفن السر بجد المرة دي وازرع مكانها شجرة جديدة.
قطعت الشجرة، الجذور طلعت طالعة لتحت أوي كأنها ماسكة في الأرض بالعافية، وتحتها لقيت كيس بلاستيك تاني صغير فيه رسالة بخط أمي:
“لو بتقري دي يبقى عرفتي.. أنا سكت 27 سنة عشان خفت عليكي، خفت يتسجن وتتفضحي، بس الكدب بيكبر زي الشجر وأنا تعبت من السقي.. سامحيني”.
قعدت في الجنينة وعيطت لحد الفجر.

بعدها بـ 3 شهور:
جوزي اتحكم عليه.. مش قتل عمد، بل “هروب من وتزوير”.
القاضي قال إن أمي شريكة في التغطية بس عشان ماتت القضية قفلت عليها.
أنا؟ طلبت الطلاق، والمحامي سألني “في سبب؟” قلتله “فقدان الثقة”. بصراحة مكنتش قادرة أبص في وشه تاني من غير ما أفتكر كل حاجة.
أهله اتصلوا يزعقوا: “بوظتي مستقبله”
رديت: “هو اللي دفنه تحت الشجرة من 27 سنة”.

بعد 6 شهور:
بيعت البيت، مقدرتش أعيش في مكان كل ركن فيه بيذكرني بالكدب.
الجنينة بقت فاضية مكان الشجرة، وقبل ما أمشي زرعت شتلة صغيرة مكانها.. شجرة فاكهة.
السمسار قالي “دي هتطرح بعد سنتين”
قلتله “مستنية”.

دلوقتي:
بقالي سنة عايشة لوحدي.
أول عيد عدى من غير خناق وأول عيد عدى من غير تمثيل.
أصحابي سألوني “ندمانة إنك بلغتي؟”
بقولهم: “ندمانة إنها اتأخرت 27 سنة”.
أوقات بفتكر كلام أمي: “حافظت على سرنا”.. بس السر كان بياكلنا كلنا، هي من الخوف، وهو من الذنب، وأنا من الجهل.
الشتلة اللي زرعتها كبرت شوية، وكل ما أسقيها بقول لنفسي:
“دي بقى هتطلع نضيفة… من غير ولا سر مدفون تحتها”.
الكدب زي الجذور، لو سبتيه يكبر هيكسر الخرسانة وهيهد البيت كله.
أحسن حاجة تقلعيه من الجذر… حتى لو هيوجع.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى