روايات وقصص

اختي كانت تتحول بالمنشفة

أختي كانت تتجول أمام زوجي بمنشفة فقط وتقول إنها «تختبره»… حتى فعل زوجي شيئًا جعل وجهها يحمر من شدة الإحراج.

عندما اتصلت بي شقيقتي الصغرى وهي تبكي، بعدما طردها حبيبها الذي قضت معه ست سنوات، لم أتردد لحظة في مساعدتها.

كانت تحمل حقيبتين فقط، ولم يكن معها سوى مبلغ بسيط من المال، ولم يكن لديها مكان تذهب إليه.

قلت لها:

— اقعدي معانا لحد ما تقفي على رجلك وتلاقي حل.

وافق زوجي على الفور.

وفي الأسبوع الأول، كان كل شيء يسير بشكل طبيعي.

لكن بعد ذلك بدأت شقيقتي تفعل شيئًا جعلني أشعر بعدم الارتياح بشكل متزايد.

كل صباح، وبعد أن تنتهي من الاستحمام، كانت تخرج من الحمام وتعبر المطبخ وهي لا ترتدي سوى منشفة، حتى في الأوقات التي يكون فيها زوجي جالسًا هناك يتناول قهوته.

في المرة الأولى، تجاهلت الأمر.

وفي المرة الثانية، أخذتها جانبًا وقلت لها بهدوء:

— ممكن تلبسي الروب قبل ما تنزلي؟ زوجي بيكون موجود هنا عادةً.

ضحكت وقالت:

— ده جوزك، مش ولد مراهق!

قلت لها:

— أنا عارفة، بس الموضوع بيضايقني.

— حاضر.

لكنها لم تتوقف.

بل على العكس…

الأمر ازداد سوءًا.

كانت تقف أمام المطبخ وهي تلف المنشفة حول جسدها، وتعد قهوتها، وتتحدث مع زوجي وكأنها ترتدي ملابس كاملة.

وفي إحدى المرات، طلبت منه أن يناولها شيئًا من خزانة مرتفعة، بينما كنت أقف على بُعد خطوات قليلة منها.

نظر زوجي إليها بحرج، ثم غادر المطبخ فورًا.

في تلك الليلة، واجهتها مرة أخرى.

قلت لها:

— أنا طلبت منك مرتين يا أختي.

رفعت عينيها بتذمر وقالت:

— ليه بتتصرفي كأنك مش واثقة في نفسك؟

— أنا مش غيرانة ولا مش واثقة في نفسي. ده بيتي، وأنا بطلب منك تحترمي حدودي.

عندها ضحكت وقالت شيئًا جعلني لا أصدق ما أسمعه.

— بصراحة؟ اعتبري الموضوع اختبار.

نظرت إليها باستغراب.

— اختبار؟

قالت بثقة:

— أيوه. لو زوجك ممكن يتأثر لمجرد إن ست تانية عدت قدامه وهي لابسة منشفة، مش تفضلي تعرفي الحقيقة من دلوقتي؟ لو فشل، يبقى هو اللي يتحمل النتيجة.

ظللت أحدق فيها دون أن أجد كلمة مناسبة للرد.

لقد فتحت لها بيتي عندما لم يكن لديها مكان تنام فيه.

اشتريت لها الطعام.

وسمحت لها باستخدام سيارتي للذهاب إلى مقابلات العمل.

وفي النهاية، حولت إهانتي وعدم احترام حدودي إلى شيء تزعم أنه لمصلحتي!

عندما أخبرت زوجي بما قالته، شد فكه من الغضب.

لكنه اكتفى بالقول:

— أنا مش هتدخل. دي أختك وإنتِ اتصرفي معاها.

مرت ثلاثة أيام أخرى، واستمرت شقيقتي في تصرفاتها.

ثم جاء صباح يوم الأحد.

نزلت إلى المطبخ مرة أخرى وهي ترتدي تلك المنشفة.

فتحت فمي لأقول شيئًا…

لكن زوجي لمس ذراعي وهمس:

— ما تقوليش حاجة. المرة دي أنا هتصرف. وهعلّمها درس عمرها ما هتنساه.

نظرت إليه بدهشة.

ولأول مرة…

لم يغادر الغرفة.

وضع فنجان القهوة بهدوء، ثم نظر إلى شقيقتي مباشرة وقال:

— إنتِ بقالك أسبوع بتقولي إن ده مجرد اختبار، صح؟

ابتسمت له ابتسامة واثقة وقالت:

— بالضبط.

أومأ برأسه وقال:

— كويس… يبقى أكيد مش هتزعلي من اللي أنا هعمله دلوقتي.

اختفت الابتسامة من على وجهها.

وبعد أقل من دقيقة…

احمر وجهها بالكامل من شدة الإحراج، وصرخت:

— إنت ما ينفعش تعمل كده!

الفصل الثاني

وقف زوجي قدامها بهدوء غريب، وهي لسه واقفة عند رخامة المطبخ بالمنشفة، ماسكة فنجان القهوة ووشها عليه نفس الابتسامة المستفزة.

قال لها:

— إنتِ قلتي إنك بتختبريني، صح؟

رفعت كتفها بثقة:

— أيوه… وبصراحة لحد دلوقتي إنت ناجح.

بصيت لجوزي باستغراب.

أما هو، فمد إيده ناحية الكرسي اللي جنبه، خد موبايله، وفتح الشاشة.

وقال بمنتهى الهدوء:

— ممتاز. يبقى دوري أنا كمان أختبر حاجة.

اتغيرت ملامحها.

— تختبر إيه؟

رفع الموبايل وقال:

— احترامك لبيت أختك.

سكتت.

ضغط كام ضغطة على الموبايل، وبعدها قال:

— أنا حجزتلك أوضة في فندق قريب لمدة تلات ليالي، ودفعتهم بالفعل.

شهقت أختي:

— نعم؟!

قال:

— وتقدري خلال التلات أيام دول تدوري على سكن مناسب ليكي.

حط الموبايل على الترابيزة وكمل:

— لأن من النهارده إقامتك هنا انتهت.

وشها احمر في ثانية.

بصتلي بسرعة:

— إنتِ موافقة على الكلام ده؟!

قبل ما أتكلم، جوزي قال:

— لأ، خلي السؤال ليا أنا. ما إنتِ اللي قلتي إن الاختبارات مهمة.

قرب فنجانه منه وقال:

— وإنتِ فشلتي.

صرخت:

— إنت ما ينفعش تطردني من بيت أختي!

رد بمنتهى الهدوء:

— البيت بيتنا إحنا الاتنين. وأختك طلبت منك أكتر من مرة تحترمي حاجة بسيطة جدًا، وإنتِ قررتي تتعمدي تعملي العكس.

لفت المنشفة عليها أكتر وقالت بعصبية:

— أنا كنت بهزر!

ضحك ضحكة قصيرة وقال:

— غريبة… من دقيقة كان اسمه اختبار.

سكتت.

وأنا كنت واقفة مكاني، لأول مرة شايفة أختي مش لاقية رد.

لكن جوزي لسه ما خلصش.

قال:

— وعلى فكرة، الفندق مش هو الدرس.

بصتله بتوتر:

— أمال إيه؟

رد:

— الدرس إنك كنتِ فاكرة إنك بتختبري راجل متجوز… لكن الحقيقة إنك كنتِ بتختبري أختك: هتسكت لحد فين على قلة احترامك ليها؟

ثم بصلي وقال:

— وأنا غلطت لما قلتلك دي أختك وإنتِ اتصرفي. ده بيتي أنا كمان، وكان لازم من أول يوم أقول إن اللي بيحصل مش مقبول.

حسيت بحاجة جوايا ارتاحت.

مش لأنه دافع عن نفسه.

لكن لأنه أخيرًا سمّى المشكلة باسمها الحقيقي.

أختي بصتلي والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

قالت:

— يعني هتطرديني وأنا في الظروف دي؟

أخدت نفس طويل.

وقلت:

— أنا فتحتلك بيتي وإنتِ مكسورة، ومطلبتش منك مقابل. كل اللي طلبته احترام بسيط.

قالت بسرعة:

— بس أنا أختك!

قلت:

— وعشان إنتِ أختي استحملت أكتر مما كنت هستحمل من أي حد تاني.

سكتت لحظات، ثم اندفعت ناحية غرفتها.

وبعد أقل من دقيقة، سمعنا باب الغرفة اتقفل بعنف

 

بصيت لجوزي.

— إنت فعلًا حاجز فندق؟

هز راسه.

— أيوه.

— ولو أنا قلتلك خليها؟

بصلي ثواني وقال:

— هخليها… لأن القرار في الآخر قرارنا إحنا الاتنين. بس المرة دي لازم يبقى فيه شرط واضح.

— إيه؟

— إنها تعتذرلك.

ابتسمت بحزن.

لكن قبل ما أرد…

باب الغرفة اتفتح فجأة.

خرجت أختي، المرة دي لابسة هدومها، وفي إيدها موبايلها.

وشها كان شاحب.

وقالت:

— خلاص… أنا همشي.

ثم بصت لجوزي وأضافت:

— بس قبل ما أمشي، فيه حاجة لازم أقولها لأختي.

طريقة كلامها خلت قلبي ينقبض.

سألتها:

— حاجة إيه؟

بصتلي مباشرة وقالت:

— موضوع المنشفة مكنش اختبار من البداية.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— أنا عملت كده لسبب تاني.

وفي اللحظة دي…

اختفت الابتسامة من على وش جوزي تمامًا.

يتبع…

الفصل الثالث
بصيت لأختي وأنا حاسة إن قلبي بدأ يدق أسرع.

قلت:

— سبب تاني إيه؟

نزلت عينيها للأرض، ولأول مرة من يوم ما جت عندنا اختفت منها الثقة اللي كانت بتتكلم بيها.

قالت:

— أنا… كنت عايزة أثبت لنفسي حاجة.

جوزي عقد دراعاته وقال:

— تثبتي إيه بالضبط؟

بصتله بسرعة، وبعدها رجعت تبصلي.

— بعد ما سامح سابني… حسيت إني بقيت ولا حاجة.

سكتت لحظة، وبعدين كملت بصوت مكسور:

— ست سنين وأنا معاه. وفي الآخر قالي إنه مبقاش شايفني جميلة زي الأول… وإنه عرف واحدة تانية.

كنت سامعة كلامها، لكن لسه مش فاهمة إيه علاقة ده بجوزي.

قلت:

— وأنا مالي بده كله؟

هنا دموعها نزلت.

— إنتِ مش مالك… أنا اللي غلطت.

قربت منها خطوة.

— غلطتي في إيه؟

مسحت دموعها وقالت:

— لما جيت هنا وشوفت طريقة جوزك معاكي… اتضايقت.

اتصدمت.

— اتضايقتي؟!

— أيوه.

رفعت عينيها ليا وقالت:

— شوفت إنه بيحترمك، بيسألك قبل ما ياخد قرار، بيهتم بكلامك… وحتى لما بتختلفوا، عمره ما بيهينك.

شهقت بغضب:

— فقررِتِ تعاقبيني على ده؟!

هزت راسها بسرعة:

— لأ… في الأول لأ.

جوزي تدخل:

— وفي الآخر؟

سكتت.

كرر سؤاله:

— وفي الآخر إيه اللي حصل؟

قالت بصوت واطي:

— بدأت أسأل نفسي… هو إيه اللي عندها ومش عندي؟

الجملة وقعت عليا تقيلة.

بصيتلها بعدم تصديق.

— أنا أختك.

قالت وهي بتعيط:

— عارفة.

— لأ، واضح إنك نسيتي.

مسكت شنطتها وقالت:

— أنا عمري ما كنت عايزة أخد جوزك منك.

جوزي رد فورًا:

— بس حاولتي تعرفي إذا كنتِ تقدري تلفتي نظري.

سكتت.

وده كان كفاية.

بصيت لها وقلت:

— عشان كده المنشفة؟

هزت راسها ببطء.

— أول مرة كانت فعلًا بالصدفة.

ثم بلعت ريقها وأضافت:

— بس لما لقيته بص بعيد وقام من المطبخ… حسيت إني لازم أعرف.

— تعرفي إيه؟!

قالتها وهي مكسوفة من نفسها:

— إذا كان بيتجاهلني احترامًا ليكي… ولا لأنه أصلًا مش شايفني جذابة.

فضلت ثواني مش قادرة أتكلم.

كل الخناقات اللي بينا خلال الأسبوع اللي فات رجعت في دماغي.

ضحكتها.

كلمة “اختبار”.

إصرارها إنها تنزل بنفس الشكل رغم إني طلبت منها بوضوح تبطل.

الموضوع مكانش عن جوزي أصلًا.

كان عن غرورها المجروح.

لكن الأسوأ إنها اختارت جوازي أنا علشان تصلحه.

قلت:

— يعني علشان واحد سابك وجرح ثقتك في نفسك، قررتي تشوفي إذا كنتِ تقدري تخلي جوز أختك يبصلك؟

غطت وشها بإيديها.

— لما بتقوليها كده… شكلها بشع.

رد جوزي:

— لأنها بشعة فعلًا.

بصيتله.

لكنه ما رفعش صوته.

قال لها:

— أنا كنت ساكت طول الفترة اللي فاتت علشان مكسفكيش، وعلشان إنتِ أخت مراتي وضيفة في بيتي. لكن واضح إن سكوتي خلاكي تفتكري إنك بتلعبي لعبة.

قرب خطوة من الترابيزة.

— فخليني أوضحلك حاجة.

رفعت عينيها له.

قال:

— أنا مكنتش ببص بعيد لأنك مش جميلة.

اتوترت ملامحها.

فكمل:

— كنت ببص بعيد لأنك أخت مراتي.

ثم أشار ناحيتي.

— والست دي مراتي. وأنا مش محتاج أشوف غيرها علشان أثبت لنفسي إني راجل.

احمر وش أختي أكتر.

لكنه أكمل:

— والأهم… إنتِ مكنتيش بتختبريني أنا. إنتِ كنتِ بتخوني ثقة أختك كل يوم وهي ساكتة ومستحملاكي.

نزلت أختي عينيها.

وأنا حسيت بدموعي بتنزل غصب عني.

مش بسبب الغيرة.

بسبب الخذلان.

قلت:

— كنتِ ممكن تقوليلي إنك موجوعة.

بصتلي.

— كنتِ ممكن تقوليلي إن سامح دمرك نفسيًا… كنت هقف جنبك.

صوتي بدأ يترعش.

— إنما إنتِ بدل ما تستندي عليا… حاولتي تكسري الحاجة الحلوة الوحيدة اللي عندي علشان تحسي إنك لسه مرغوبة؟

بدأت تعيط بصوت أعلى.

— أنا آسفة.

هزيت راسي.

— الاعتذار مش هيمسح اللي حصل.

مدت إيدها ناحيتي.

رجعت خطوة لورا.

وقلت:

— روحي البسي وجهزي شنطك.

رفعت رأسها بسرعة.

— يعني فعلًا هتمشيني؟

— أيوه.

انهارت:

— هروح فين؟

قلت بهدوء:

— الفندق مدفوع تلات أيام. وخلالهم هساعدك تلاقي مكان، وهساعدك في الشغل لو احتجتي.

اتصدمت من كلامي.

قلت:

— أنا مش برميكي في الشارع… بس كمان مش هكافئ قلة احترامك بأنك تفضلي هنا وكأن مفيش حاجة حصلت.

مسحت دموعها.

ولأول مرة…

ماجادلتش.

طلعت السلم ببطء.

وبعد حوالي نص ساعة، نزلت بالحقيبتين نفسهم اللي دخلت بيهم بيتنا.

وقفت عند الباب.

بصتلي طويلًا.

وقالت:

— أنا عارفة إنك مش هتصدقيني دلوقتي… بس أنا فعلًا مكنتش عايزة أخرب بيتك.

رديت:

— يمكن.

وبعدين فتحتلها الباب.

— بس الإنسان ساعات بيخرب حاجات كتير وهو بيحاول يصلح حاجة مكسورة جواه.

نزلت عينيها، وخرجت.

جوزي أخد مفاتيح عربيته وقال:

— هوصلها الفندق.

هزيت راسي.

وقبل ما يخرج، وقف قدامي وقال:

— وإحنا لما أرجع لازم نتكلم.

استغربت.

— في إيه؟

سكت ثواني.

وبعدين قال جملة خلتني أنسى أختي والفندق وكل اللي حصل.

— لأن فيه حاجة هي عملتها من يومين… وأنا مخبيها عنك.

حسيت معدتي اتقبضت.

— عملت إيه؟

بص ناحية الباب اللي خرجت منه أختي.

وقال:

— بعتتلي رسالة الساعة اتنين بالليل.

سألته وأنا حاسة إن صوتي اختفى:

— قالتلك فيها إيه؟

لكنه ما ردش.

فتح موبايله…

ومدهولي.

وأول ما قريت أول سطر في الرسالة، حسيت الدم هرب من وشي.

لأن أختي ماكنتش باعتاله مجرد كلام عابر.

كانت كاتبة:

“ممكن أطلب منك حاجة من غير ما تقول لأختي؟”

يتبع…

 

الفصل الرابع والأخير
مسكت موبايل جوزي وإيدي كانت بترتعش.

الرسالة كانت من أختي فعلًا، الساعة 2:07 بعد نص الليل:

“ممكن أطلب منك حاجة من غير ما تقول لأختي؟”

وتحتها رد جوزي:

“لو حاجة تخص أختك، مش هينفع أخبي عنها.”

لكن أختي كانت باعتة بعدها مباشرة:

“مش حاجة وحشة… أنا بس محتاجة أعرف حاجة عن نفسي.”

حسيت نفسي اتخنقت.

رفعت عيني لجوزي:

— كملتها معاها ليه؟

قال بهدوء:

— اقري للآخر.

نزلت بعيني للشاشة.

كانت باعتة:

“هو أنا فعلًا مبقتش ملفتة؟ يعني لو مكنتش أخت مراتك… كنت ممكن تعجب بيا؟”

وقفت عند الجملة.

ماكنتش قادرة أكمل.

جوزي قال:

— كملي.

بصيت لرده.

كان كاتب:

“مش هجاوب على السؤال ده، لأنه مش سؤال المفروض تسأليه لجوز أختك. ولو الشخص اللي سابك خلاكي تشكي في نفسك، اتكلمي مع أختك أو مع حد يساعدك، لكن متدخليش جوازنا في الموضوع.”

وبعد دقيقة، أختي ردت:

“خايف تجاوب علشان الإجابة أيوه؟”

جوزي ما ردش.

بعدها بعتت:

“متقلقش، أنا مش هقول لها.”

وكان رده الأخير:

“وأنا هقول لها بنفسي لو الموضوع اتكرر.”

رفعت عيني له.

— ليه ما قلتليش وقتها؟

اتنهد.

— لأنك كنتِ أصلًا متضايقة منها، وافتكرت إن تجاهلها هيقفل الموضوع. ولما ما بعتتش تاني، قلت يمكن استوعبت غلطها.

سكت لحظة وأضاف:

— وده كان غلط مني. كان لازم أقولك.

رجعتله الموبايل.

كنت زعلانة منه إنه خبّى الرسالة، لكن رده عليها خلاني أعرف إنه من البداية رسم الحد اللي هي حاولت تمحيه.

قلت:

— مفيش حاجة تانية؟

بصلي مباشرة.

— مفيش. ولو فيه، مش هخبيها.

سكتنا ثواني.

ثم قلت:

— روح وصلها.

بعد حوالي ساعة رجع.

دخل البيت ولقاني قاعدة في الصالة.

قعد قدامي وقال:

— وصلت الفندق.

سألته:

— قالت حاجة؟

— طول الطريق تقريبًا ساكتة. قبل ما تنزل قالتلي: “أنا بوظت علاقتي بأختي، صح؟”

— وإنت قلتلها إيه؟

— قلتلها إن دي حاجة بينها وبينك… وإن الاعتذار بداية، مش ممحاة.

الجملة فضلت في دماغي.

الاعتذار بداية… مش ممحاة.

وده بالضبط اللي كنت حاساه.

أنا كنت بحب أختي.

لكن الحب مش معناه إن كل حاجة تتسامح في نفس اللحظة.

عدى يوم.

وبعدين يومين.

وفي اليوم التالت، أختي ما اتصلتش.

أنا اللي اتصلت.

ردت بسرعة، كأنها كانت مستنية المكالمة.

— ألو؟

— لقيتي مكان؟

سكتت لحظة وقالت:

— لقيت أوضة مفروشة صغيرة. وصاحبة المكان وافقت آخدها بالشهر.

— والشغل؟

— عندي مقابلة بكرة.

قلت:

— لو محتاجة العربية…

قاطعتني:

— لأ.

استغربت.

قالت:

— كفاية اللي عملتيه عشاني. هروح مواصلات.

كان صوتها مختلف.

مفيهوش التحدي اللي كنت متعودة عليه.

وقبل ما أقفل، قالت:

— ممكن أقولك حاجة؟

— قولي.

بدأ صوتها يتهز:

— أنا طول عمري كنت بقارن نفسي بيكي.

سكت.

قالت:

— وإنتِ يمكن عمرك ما خدتي بالك.

وبعدين كملت:

— في المدرسة كنتِ المتفوقة. لما كبرنا، إنتِ أول واحدة استقرت. ولما أنا دخلت علاقتي مع سامح، فضلت سنين أقنع نفسي إني أسعد منك.

قلت:

— ليه أصلًا لازم واحدة فينا تبقى أسعد من التانية؟

عيطت.

— معرفش.

وبعد لحظة قالت:

— لما سامح سابني علشان واحدة تانية، كل اللي بنيته جوايا وقع. ولما جيت عندك وشوفت بيتك… بدل ما أفرحلك، حسيت إني خسرت مسابقة إنتِ أصلًا مكنتيش عارفة إنها موجودة.

الجملة وجعتني.

قلت:

— أنا عمري ما نافستك.

— عارفة دلوقتي.

ثم قالت:

— وعشان كده مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي.

سكتت شوية وأضافت:

— أنا هشتغل على نفسي الأول.

قلت لها:

— اعملي ده علشانك… مش علشاني.

— حاضر.

وقفلنا.

مرت أسابيع.

وبعدين شهور.

أختي لقت شغل.

وبطلت تطلب مني فلوس.

وبعد فترة، بدأت تروح لمتخصصة تساعدها تتعامل مع اللي حصل في علاقتها القديمة ومع طريقتها في قياس قيمتها بنظرة الآخرين ليها.

لكن علاقتنا ما رجعتش زي الأول فورًا.

كنت بشوفها عند أمي أحيانًا.

نسلم.

نتكلم.

نضحك على حاجة بسيطة.

لكن كان فيه مسافة.

والغريب إن أختي ما حاولتش تكسر المسافة بالقوة.

كانت سايباها موجودة.

وكأنها فهمت أخيرًا إن الثقة لما تتكسر، مش من حق الشخص اللي كسرها يحدد ميعاد رجوعها.

بعد حوالي ست شهور، كان عيد ميلاد أمي.

العيلة كلها اتجمعت.

أختي وصلت متأخرة بسبب الشغل.

دخلت شايلة تورتة وهدية.

ولأول مرة من شهور، حسيت إني شايفة أختي القديمة.

مش الست اللي كانت بتحاول تلفت نظر أي راجل علشان تتأكد إنها مرغوبة.

ولا البنت المكسورة اللي سامح سابها.

أختي وبس.

بعد العشا، كنت واقفة في المطبخ بغسل الأطباق.

دخلت تساعدني.

فضلنا ساكتين شوية.

وفجأة قالت:

— فاكرة الفندق؟

ضحكت رغمًا عني.

— للأسف.

ابتسمت بإحراج.

— كان أسوأ تلات ليالي في حياتي.

قلت:

— تستاهلي.

ضحكت.

— عارفة.

وبعدين سكتت.

حطت الطبق اللي في إيدها وقالت:

— ممكن أسألك سؤال؟

— إيه؟

— إنتِ سامحتيني؟

السؤال كان صادق.

فكرت قبل ما أرد.

— سامحتك من ناحية الغضب… أيوه.

عينيها لمعت.

لكن كملت:

— إنما الثقة رجعت كلها؟ لأ.

هزت راسها.

— حقك.

قلت:

— بس رجع جزء كبير منها.

ابتسمت.

ودي كانت أول مرة أشوف دموع في عينيها من غير ما تستخدمها علشان تبرر غلطها.

قربت وحضنتني.

وأنا المرة دي…

حضنتها.

في طريق رجوعنا للبيت، كنت قاعدة جنب جوزي في العربية.

قلتله:

— فاكر يوم المنشفة؟

ضحك:

— مستحيل أنساه.

— أنا كنت متوقعة لما قلت “هعلمها درس” إنك هتعمل مصيبة.

ضحك وقال:

— كنتِ عايزاني أعمل إيه يعني؟

قلت وأنا بضحك:

— معرفش… بس مش حجز فندق!

قال:

— أنا أصلًا كنت حاجزه من الليلة اللي قبليها.

بصيتله بصدمة:

— نعم؟!

ضحك.

— بعد الرسالة حسيت إن الموضوع مش هينتهي بالكلام. فحجزت احتياطي.

ضربته بخفة على كتفه.

— يعني كنت مخطط!

قال:

— كنت مستعد.

سكت شوية، وبعدين قلت:

— بس فيه حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل.

— إيه؟

بصيت من شباك العربية.

وقلت:

— إن الثقة مش معناها إننا نسكت لما حد يتجاوز حدودنا.

بصلي.

فكملت:

— أنا كنت واثقة فيك… لكني كنت خايفة لو وقفت أختي عند حدها تقول عليا غيورة أو قليلة الثقة في نفسي.

قال:

— وحدودك مش محتاجة موافقة حد.

ابتسمت.

— بالضبط.

بعد سنة تقريبًا، أختي ارتبطت بشخص جديد.

لكن المرة دي، عملت حاجة عمرها ما كانت بتعملها.

ما استعجلتش.

ما حاولتش تثبت للعيلة إن علاقتها مثالية.

وما قارنتش نفسها بيا.

وفي يوم خطوبتها، كانت واقفة جنبي قدام المراية وأنا بظبط لها طرحتها.

بصتلي من خلال المراية وقالت:

— عارفة إن أغرب حاجة حصلتلي في حياتي هي اللي أنقذتني؟

قلت:

— إيه؟

قالت:

— اليوم اللي جوزك طردني فيه.

رفعت حاجبي:

— هو ما طردكيش… إحنا طردناكي.

ضحكت:

— تمام، شكرًا على التصحيح.

وبعدين مسكت إيدي.

— لو كنتوا سبتوني أكمل، كنت ممكن أفضل طول عمري بدور على قيمتي في نظرة راجل ليا.

قلت:

— قيمتك عمرها ما كانت محتاجة إثبات.

هزت راسها.

— عارفة دلوقتي.

ثم ضحكت وقالت:

— وعلى فكرة… الفندق كان وحش جدًا.

انفجرت ضحك.

 

— ده اللي كان ناقص! كمان نختارلك خمس نجوم بعد اللي عملتيه؟

دخل جوزي في اللحظة دي وهو بيقول:

— أنا سامع اسمي بيتجاب؟

بصتله أختي وقالت بسرعة:

— لأ… بنتكلم عن أسوأ حجز فندق في التاريخ.

رد بمنتهى البرود:

— المهم إن الاختبار نجح.

وشها احمر.

— لسه فاكر؟!

قال:

— بعض الدروس مبتتنسيش.

ضحكنا كلنا.

وللمرة الأولى، ماكانش احمرار وشها بسبب الإحراج اللي حصل يومها.

كان بسبب ذكرى غلط قديم قدرت أخيرًا تعترف بيه… وتتجاوزه.

أما أنا، فخرجت من التجربة بحاجة أهم من إني أعرف إن جوزي “نجح في الاختبار”.

فهمت إن المشكلة من البداية ماكانتش هل جوزي هيبص لأختي ولا لأ.

المشكلة كانت إن شخصًا دخل بيتي، وتجاوز حدودي، وحاول يقنعني إن اعتراضي معناه إني ضعيفة أو غيورة.

ومن يومها بطلت أبرر حدودي لأي حد.

حتى لو كان أقرب الناس ليا.

لأن اللي بيحبك فعلًا…

مش هيختبر علاقتك.

ومش هيحاول يثبتلك إنك لازم تخافي.

ومش هيعتبر احترامك لنفسك غيرة.

الثقة مش إنك تسمحي بكل شيء.

الثقة الحقيقية إنك تعرفي إمتى تقولي: كفاية.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى