حفيدتي

فضل ابني واقف مكانه وهو شايل بنته، وعينيه مثبتة على عروسته.
وقال:
— إنتِ بتقولي إيه؟ عندك الصورة دي منين؟
العروسة ما ردتش.
قربت من حفيدتي ومدت إيدها ناحية الصورة، لكن الصغيرة خبتها بسرعة في صدرها.
وقالت بخوف:
— دي صورة ماما.
اتراجعت العروسة فورًا.
— خلاص يا حبيبتي… مش هاخدها منك.
أنا قربت منها وقلت:
— دلوقتي لازم تتكلمي. الصورة دي عندك منين؟
بصت حواليها.
الناس كلها كانت متابعانا.
قالت:
— مش هنا… أرجوكم.
ابني رد بحدة:
— من شوية بنتي كانت بتعيط لوحدها ومحدش قال “مش هنا”. اتكلمي.
مسكت العروسة طرف فستانها بإيد مرتعشة وقالت:
— الصورة عند أمي.
قلبي دق بسرعة.
— أمك؟
هزت رأسها.
— أيوه… شفتها وأنا صغيرة في صندوق قديم عندها.
سألتها:
— وكان مين واقف جنب أم حفيدتي؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— أبويا.
حسيت إن صوت القاعة اختفى من حواليا.
بصيت للصورة.
وبعدين بصيتلها.
— أبوكي؟!
ابني نزل بنته على الأرض وقال:
— إنتِ تعرفي أم بنتي من قبل ما تعرفيني؟
— لا، والله ما كنت أعرف إنها هي!
قلت:
— طب والصورة؟
ردت:
— الصورة كانت عند أمي، وكان فيها أبويا واقف جنب ست شابة. سألت أمي عنها وأنا صغيرة، قالتلي دي واحدة كانت بتشتغل معاه زمان… وبعدها خدت الصورة مني وخبتها.
ابني قال:
— وإنتِ عرفتي إنها أم بنتي إمتى؟
هنا بدأت تبكي.
وده كان السؤال اللي واضح إنها كانت خايفة منه.
قالت:
— من حوالي ست شهور.
ابني اتجمد.
— ست شهور؟!
— لما كنت في بيت والدتك، وحفيدتك طلعت ألبوم صور أمها.
بصيتلها وأنا مش مصدقة.
يعني طول الست شهور اللي فاتوا كانت عارفة؟
قلت:
— وليه ماقولتيش؟
ردت:
— لأني سألت أمي.
— وقالتلك إيه؟
بصتلي للحظات طويلة.
وبعدين قالت:
— قالتلي أبعد عن الموضوع… وإن الماضي لو اتفتح هيهد بيوت.
الجملة خلتني أمسك طرف الترابيزة.
لأنها نفس الجملة تقريبًا اللي سمعتها من جوزي قبل وفاته بسنين.
“في حاجات يا أميرة، فتحها بيهدم بيوت.”
وقتها ما فهمتش هو كان يقصد إيه.
افتكرت إنه بيتكلم عن خلاف عائلي قديم.
لكن دلوقتي…
نفس الكلمات بتتكرر قدامي.
قلت للعروسة:
— اسم أبوكي إيه بالكامل؟
قالته.
ولما سمعت الاسم…
الكوباية وقعت من إيدي.
اتكسرت على الأرض.
ابني جري عليا:
— ماما!
لكن أنا ماكنتش شايفاه.
وكان ماسك ظرف بني كبير.
سألته:
— فيه إيه؟
قال:
— مفيش.
لكن بعد ما نام، شفت الظرف في درج مكتبه.
وكنت هفتحه…
لولا إنه صحى فجأة وقاللي:
— أوعي تفتحي الظرف ده.
كانت أول مرة في حياتنا يكلمني بالطريقة دي.
وبعدها بكام يوم، الظرف اختفى.
نسيت الموضوع مع السنين.
لحد اللحظة دي.
لأن الاسم اللي قالته العروسة…
كان مكتوب على الظرف.
بصيت لابني وقلت:
— لازم نرجع البيت.
قال:
— دلوقتي؟
— دلوقتي حالًا.
العروسة قالت:
— والفرح؟
بصيتلها.
كنت لسه غضبانة منها جدًا بسبب اللي عملته في حفيدتي.
والسر اللي ظهر ماكانش عذر يخليها تجرح طفلة.
قلت:
— السر حاجة… واللي عملتيه مع البنت حاجة تانية. ومش هنخلط الاتنين.
نزلت عينيها في الأرض.
ابني بص لها وقال:
— أمي معاها حق.
وبعدين مد إيده لبنته.
— يلا يا حبيبتي.
لكن حفيدتي بصت للعروسة.
وفجأة سألتها:
— إنتِ مش عايزاني أبقى بنتك؟
السؤال كان أبسط من كل الأسرار اللي بنتكلم فيها…
لكنه كان أصعب سؤال في الليلة كلها.
العروسة بدأت تعيط.
نزلت على ركبها قدام الصغيرة.
— أنا غلطت معاكي.
حفيدتي ما ردتش.
قالت العروسة:
— كنت غيرانة… ودي حاجة وحشة مني، مش منك إنتِ. إنتِ معملتيش حاجة غلط.
ابني فضل ساكت.
العروسة كملت:
— ومحدش يقدر ياخد مكانك عند باباكي.
حفيدتي سألتها:
— يعني أتصور مع بابا؟
انهارت العروسة في العياط.
— تتصوري معاه في كل الصور لو إنتِ عايزة.
لكن حفيدتي رجعت مسكت إيد أبوها.
وقالت:
— خلاص… أنا عايزة أروح مع تيتة.
خرجنا من القاعة.
والفرح اللي دخلناه وإحنا فاكرين إنه بداية حياة جديدة…
خرجنا منه وإحنا مش عارفين أصلًا إذا كان الجواز ده هيكمل ولا لأ.
رجعنا البيت.
وأول ما دخلت، اتجهت ناحية أوضتي القديمة.
فتحت الدولاب.
طلعت صندوق جوزي اللي ماكنتش فتحته من يوم وفاته.
ابني قال:
— بتدوري على إيه؟
قلت:
— الظرف.
فضلنا نقلب في الأوراق القديمة.
عقود.
صور.
جوابات.
لحد ما حفيدتي، اللي كانت قاعدة على الأرض جنبنا، مدت إيدها تحت بطانة الصندوق.
وقالت:
— تيتة… فيه حاجة هنا.
شالت قطعة القماش.
وتحتها كان فيه ظرف بني قديم
نفس الظرف.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحته.
كان جواه صور كتير…
وورقة واحدة مكتوبة بخط جوزي.
بدأت أقرا.
لكن بعد أول سطر…
قعدت على الكرسي من الصدمة.
ابني خطف الورقة من إيدي.
وكان مكتوب فيها:
“لو الورقة دي ظهرت في يوم، يبقى لازم ابني يعرف إن وفاة مراته ماكانتش نهاية الحكاية…”
ابني رفع عينيه ناحيتي.
— يعني إيه؟
لكن الصدمة الأكبر ماكانتش في الجملة.
كانت في آخر الورقة.
لأن جوزي كاتب اسم شخص واحد، وتحته رقم قديم وعنوان.
نفس اسم والد العروسة.
وفي اللحظة دي…
موبايل العروسة رن.
كانت أمها.
ردت وهي لسه واقفة بعيد عننا.
لكن أول ما فتحت المكالمة، سمعنا صوت أمها بيصرخ من الناحية التانية:
— إوعي تخليهم يفتحوا أي ورق قديم!
العروسة بصتلنا بصدمة.
وأمها كملت:
— لأن لو ابنها عرف الحقيقة… مش هيبصلك بنفس الطريقة تاني.
وساعتها ابني مد إيده ناحية الموبايل وقال:
— هاتي التليفون.
وأخده منها.
وقال جملة واحدة:
— أنا ابنها… وعايز أعرف الحقيقة كلها.
وساد الصمت ثواني.
ثم جاء صوت أم العروسة:
— يبقى اسأل أمك الأول… هي عارفة أكتر مما قالتلك.
لف ابني ببطء ناحيتي.
ونظرته اتغيرت تمامًا.
— ماما… هي بتقول إيه؟
وأنا؟
لأول مرة من بداية الليلة…
ماكنش عندي إجابة.
لأن السر اللي كنت فاكرة إن جوزي أخفاه عني…
بدأت أفتكر إني شفت جزء منه فعلًا من سنين.
لكن عقلي دفنه.
واللي افتكرته في اللحظة دي…
كان كفيل يقلب حياة ابني وحفيدتي والعروسة رأسًا على عقب.
يتبع…
✍️ الكاتبة: أسما السيد
ممنوع نسخ القصة أو إعادة نشرها على أي صفحة أو حساب دون إذن من الكاتبة أسما السيد.



