روايات وققص

اتجوزت راجل ثري

قلت:
— ما هذا؟
أجاب حسام:
— لا أعرف.
ذهبت في اليوم التالي.
أصرت مريم على مرافقتي.
وصلنا إلى منزل قديم من طابقين.
كان مغلقًا منذ سنوات.
فتحت الباب بالمفتاح.
دخلت.
رائحة الغبار ملأت المكان.
لكن الغريب أن الأثاث كان ما يزال موجودًا.
على أحد الجدران كانت هناك صور.
اقتربت.
ورأيتها.
أمي.
زينب.
وفي صورة أخرى كان يقف بجانبها شاب يحمل طفلة.
أبي محمود.
وأنا بين ذراعيه.
جلست على الأرض.
لم أستطع الوقوف.
كانت هذه أول صورة أراها لأبي في حياتي.
مريم جلست بجانبي واحتضنتني.
قلت وأنا أبكي:
— كان عندي بيت يا مريم.
قالت:
— ولسه عندك يا ماما.
وجدنا في غرفة النوم صندوقًا خشبيًا.
فتحته.
كان مليئًا بأشياء طفلة.
فستان صغير.
سوار فضي.
خصلة شعر ملفوفة داخل ورقة.
وعشرات الرسائل.
كلها من أمي إليّ.
كانت تكتبها أثناء بحثها عني.
“سعاد…
اليوم عيد ميلادك السادس، ولا أعرف أين أنت.
اشتريت لك فستانًا رغم أنني لا أعرف مقاسك.
سأحتفظ به حتى أجدك.”
رسالة أخرى.
“سعاد…
قالوا لي اليوم إن سجلات الدار القديمة ضاعت.
لكنني لن أتوقف.”
ثم:
“ابنتي…
إذا كبرتِ قبل أن أجدك، أرجوك لا تظني أنني تركتك.
كنت مريضة.
وحين عدت لأخذك كنت قد اختفيت.
بحثت عنك في كل مكان.”
لم أستطع إكمال القراءة.
احتضنت الرسائل.
ثلاثون عامًا من الألم اختصرت في صندوق.
وعند قاعه وجدت رسالة مختلفة.
كانت موجهة إلى عبد الرحمن.
“عبد الرحمن…
إذا وجدتها بعد موتي، لا تحاول تعويضها بالمال.
المال لا يعوض عمرًا ضاع.
قل لها فقط إن أمها أحبتها حتى آخر نفس.”
أغلقت عيني.
الآن فهمت لماذا لم يعطني عبد الرحمن المال مباشرة عندما وجدني.
كان يحاول تنفيذ وصية أمي.
لكنه أثناء ذلك وقع في حبي.
ووقعت أنا أيضًا في حبه.
بعد أسبوع بدأت قضية الوصية.
اجتمع بعض أقارب عبد الرحمن في مكتب المحامي.
كان بينهم رجل يدعى شريف، ابن أخته.
قال أمامي بحدة:
— عمي كان عمره سبعة وسبعين سنة وقت وفاته، والست دي دخلت حياته وهي تعمل لديه وخرجت مالكة ملايين!
كدت أرد.
لكن حسام أوقفني.
فتح الملفات.
وقال:
— مدام سعاد لم تحصل على هذه الأصول بصفتها زوجة المرحوم.
ضحك شريف.
— أمال بصفتها إيه؟
أجابه:
— وريثة الشريك الأصلي في المشروع.
وضع أمامه عقودًا تعود لعشرات السنوات.
وتقارير محاسبية.
وتحويلات.
وتقييمات.
ثم عرض التسجيل.
تغيرت وجوههم.
الأموال التي اعتقدوا أنني أخذتها من عبد الرحمن لم تكن جزءًا من ميراث زوجته أصلًا.
كانت حقوقًا مالية تعود لأبي.
أما أموال عبد الرحمن الشخصية فقد وزعها قانونيًا قبل سنوات.
قال شريف:
— وإحنا مطلوب مننا نصدق الحكاية دي؟
رد حسام:
— لا تحتاج أن تصدقها. المستندات مسجلة رسميًا، وبعضها يعود إلى ما قبل معرفة عبد الرحمن بمكان سعاد بأكثر من عشرين عامًا.
لم يجد ما يقوله.
استمرت الإجراءات القانونية شهورًا.
وفي النهاية ثبتت الحقوق وفق المستندات والوصية.
لكن المفاجأة أنني لم أشعر بالسعادة عندما عرفت حجم ما أملكه.
كنت أفكر في سؤال واحد:
ماذا سأفعل بكل هذا؟
عدت إلى دار الرعاية التي نشأت فيها.
وقفت أمام الباب طويلًا.
كانت هناك طفلة تجلس في الحديقة وحدها.
رأيتها من بعيد.
كانت في العمر نفسه تقريبًا الذي كنت فيه عندما بدأت أفهم أنني بلا أسرة.
اقتربت منها.
قالت:
— حضرتك جاية تزوري حد؟
ابتسمت.
— تقريبًا.
دخلت مكتب المديرة.
قلت لها:
— أريد أن أساعد.
بعد أشهر بدأت مؤسسة “زينب ومحمود” عملها رسميًا.
لم أردها مجرد دار لإيواء الأطفال.
أردتها مكانًا يساعدهم على التعليم، ويمنح من يخرجون من دور الرعاية فرصة حقيقية للعمل والسكن وبداية الحياة.
أنشأنا منحًا دراسية.
وبرامج تدريب.
وشققًا انتقالية للشباب والفتيات بعد بلوغهم السن القانونية للخروج من دور الرعاية.
أما مريم، فقد دخلت الجامعة.
وفي أول يوم لها، وضعت أمامي رقعة الشطرنج القديمة الخاصة بعبد الرحمن.
قالت:
— عارفة إنه كان بيغش؟
ضحكت وسط دموعي.
— عبد الرحمن؟
— أيوه.
— مستحيل.
قالت:
— كان ساعات يرجع حركة لما أبص بعيد.
ضحكت للمرة الأولى عندما تذكرت عبد الرحمن دون أن أبكي.
مرت ثلاث سنوات.
وفي يوم كنت أرتب أوراق المؤسسة، وجدت ظرفًا صغيرًا لم أفتحه من قبل.
كان ملتصقًا داخل الملف القديم.
عليه اسمي.
فتحته.
كانت رسالة قصيرة جدا من عبد الرحمن.
“سعاد…
لو وصلتِ إلى هذه الورقة، فأنت تعرفين كل شيء الآن.
ربما سامحتني.
وربما لم تفعلي.
وفي الحالتين، أنا أتفهم.
لكن هناك سؤالًا أعرف أنك ستسألينه:
هل تزوجتك بسبب شعوري بالذنب تجاه أمك وأبيك؟
الإجابة: لا.
بحثت عنك بسبب الذنب.
أدخلتك بيتي بسبب الوعد.
لكنني تزوجتك لسبب واحد فقط…
لأنني أحببتك.”
توقفت.
ثم قرأت السطر الأخير.
“كنت أعرف أنك قد تحبينني يومًا، لا لأنني كنت واثقًا من نفسي، ولكن لأنني رأيت الطريقة التي تنظرين بها إليّ عندما كنت أجلس مع مريم.
وخفت من ذلك.
لأنني عرفت أنني إذا سمحت لك بحبي قبل أن أخبرك بالحقيقة، فسأكون أنانيًا.
وفعلتها رغم ذلك.
سامحيني.”
وضعت الرسالة على صدري.
وقلت بصوت منخفض:
— سامحتك من زمان يا عبد الرحمن… بس كان نفسي أعرف الحقيقة منك.
في المساء ذهبت إلى قبره.
وضعت بجانبه زهرة بيضاء.
جلست قليلًا.
لم أحدثه عن المال.
ولا عن القضية.
حدثته عن المؤسسة.
وعن الأطفال.
وعن مريم.
قلت:
— مريم لسه بتقول إنك كنت بتغش في الشطرنج.
ضحكت.
ثم نظرت إلى اسمه المحفور أمامي.
وقلت:
— وعرفت أمي يا عبد الرحمن.
سكتُّ لحظة.
— وعرفت أبويا.
كانت هذه أول مرة أنطق فيها كلمة “أبويا” وأنا أعرف شكل الرجل الذي أتحدث عنه.
عدت إلى البيت القديم بعد ذلك.
لم أبعه.
رممته.
وتركت الصور في أماكنها.
وضعت صورة أمي بجانب صورة أبي.
وبجوارهما صورة عبد الرحمن.
ثلاثة أشخاص فرقت بينهم أخطاء كثيرة، لكنهم في النهاية أعادوا إليّ شيئًا قضيت حياتي كلها أبحث عنه:
جذوري.
واليوم، عندما يسألني أحد:
— هل ندمتِ أنك تزوجتِ رجلًا يكبرك بسبعة وثلاثين عامًا؟
لا أجيب عن السؤال بالطريقة التي يتوقعها.
لأن فارق العمر لم يكن أهم ما في حكايتي.
ولا الملايين.
ولا الفيلا.
ولا الميراث.
الحقيقة أنني دخلت ذلك المنزل وأنا أقدم نفسي كامرأة تعمل لدى رجل ثري.
ثم خرجت منه بعد سنوات وأنا أعرف من كانت أمي، ومن كان أبي، ولماذا ضعت منهما.
أما عبد الرحمن…
فلم يكن الرجل الذي أنقذني بالمال.
كان رجلًا ارتكب خطأ قديمًا، وعاش سنوات طويلة يحاول إصلاحه.
أخطأ عندما أخفى الحقيقة عني.
وأخطأ عندما قرر وحده متى يجب أن أعرفها.
لكن الشيء الوحيد الذي لم أشك فيه بعد كل ما عرفته…
أنه أحبني فعلًا.
وأنا أحببته.
أما أموال أبي، فلم أعتبرها يومًا تعويضًا عن طفولتي.
لأن المال يستطيع شراء منزل…
لكنه لا يستطيع أن يعيد لطفلة السنوات التي نامت فيها وهي تتساءل لماذا لم تأتِ أمها لأخذها.
ولهذا كان أهم ميراث وصلني ليس الأرض ولا العقارات ولا الحسابات.
كان صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وصورة لامرأة تشبهني.
ورسالة كتبتها أم تبحث عن ابنتها:
“لا تظني أنني تركتك.”
تلك الكلمات كانت أثمن من كل ما تركه عبد الرحمن.
واليوم، توجد نسخة منها معلقة على الحائط في مدخل المؤسسة.
وتحتها كتبت جملة واحدة:
“لا ينبغي لأي طفل أن يكبر وهو يظن أنه غير مرغوب فيه.”
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى