بعد سنتين من طلاقي

بعد سنتين من طلاقي، شفت مراتي القديمة شايلة أمي المريضة على ضهرها. “أبوس إيدك ما ترجعنيش البيت ده”، أمي اتوسلتلي وأنا واقف مصدوم. سكت خالص، طلعت التليفون وبصيت على الرسائل اللي كانت بتجيلي على مدار شهور… وساعتها بس اكتشفت إن أمي عمرها ما بعتت الرسائل دي، وإن في خلافات عائلية هدمت البيت بسبب سوء التفاهم.
— ما ترجعنيش البيت ده يا بني… لو عرفت أنا فين، هتخلص على اللي بدأته.
دي كانت أول كلمات تقولها لي أمي بعد تقريباً سنتين ما شفتهاش فيها.
في اليوم ده، كنت لسه راجع القاهرة بعد شغل استمر شهور في أسوان. نزلت من الميكروباص قريباً من الموقف القديم ومعايا شنطة هدومي وشنطة كاملة فيها حاجات لأمي: فطير مشلتت، وعلبة شاي يانسون، وشال صوف تقيل لأنها كانت دايماً بتشتكي من البرد.
كنت متخيل إنها أول ما تشوفني هتأنبني وتعاتبني عشان غبت عنها كل ده.
بس على بعد شارعين من الموقف، شفت ست ماشية بالعافية بين المطبات والحفر.
كانت شايلة ست كبيرة على ضهرها.
الست كانت لابسة جاكيت بسيط، وماسكة في إيدها كيس أدوية. والست الكبيرة كانت رجلها تعبانة وماشية بصعوبة.
في حاجة في المشهد ده لمست قلبي وعصرته.
جريت خطوتي.
وفجأة الست لفت وشها.
حسيت إن روحي اتسحبت مني.
دي كانت مريم.
طليقتي.
الست اللي من سنتين اتهمتها إنها أنانية ومادية وما بتطيقش أمي.
الست اللي طلقتها وأنا معتقد ومقتنع إنها عاوزة تبعدني عن أهلي.
— مريم!
وقفت مكانها.
ولما بصيت على وش الست الكبيرة اللي على ضهرها، شنطة الهدايا وقعت من إيدي على الأرض.
— أمي؟
أمي، حاجّة فاطمة، كانت كبرت السنين اللي غبتها.
كانت خاسة جداً لدرجة إني بالعافية عرفتها.
جريت عليهم.
— في إيه؟ إيه اللي جرى لك؟ أنتِ عيانة من إمتى؟
أمي ما ردتش.
حاولت أشيلها عشان أوقف عربية ونطلع على المستشفى، بس مسكت في رقبة مريم بمنتهى الخوف والرعب.
— مش عاوزة أرجع.
اتسمرت مكاني.
— ترجعي فين يا أمي؟
عينيها اتملت دموع.
— البيت.
البيت ده اللي عاشت فيه أكتر من ثلاثين سنة.
فسألت أول حاجة جت في بالي:
— ونيرة؟
نيرة دي مراتي الحالية.
الست اللي سبتها وأمنتها على أمي تاخد بالها منها وأنا مسافر بشتغل بره.
مريم بصلت في الأرض.
— المشارع مش مكان كلام يا طارق.
بصيت على كيس الأدوية وطلعت ورقة منه.
مستشفى القصر العيني.
الاسم: فاطمة عبد الرحمن.
تاريخ الدخول: من سبعطاشر يوم.
طلعت تليفوني بسرعة.
من ثلاث أيام بس، نيرة كانت باعتالي:
“ماما زي الفل والله، دي قامت النهاردة وسقت الزرع في البلكونة.”
ومن خمس أيام جالي مسج من رقم أمي:
“ما تشغلش بالك بيا يا طارق، خليك في شغلك وركز.”
وريت الشاشة لأمي.
أمي بصت للرسائل بنظرة عمري ما هنساه طول حياتي.
— أنا ما كتبتش الكلام ده.
جسمي كله قشعر.
— أمال مين اللي معاه تليفونك؟
جسمها بدأ يترعش.
مريم مسكتها وسندتها.
— بعدين يا طارق، مش وقت كلام.
— بعدين إيه؟!
أمي ضغطت على إيد مريم ووشوشتني بصوت طالع بالعافية:
— أوعى تقول لنيرة أنا فين.
النفس اتقطع من صدري.
مريم أخدتنا وطلعت بينا على أوضة متأجرة في حارة شعبية على أطراف الجيزة.
أول ما دخلت، شفت سرير واحد، وعشرات علب الأدوية مرصوفة على ترابيزة بلاستيك.
— أمي عايشة هنا؟
— بقالها تقريباً ثلاث شهور.
— معاكي أنتِ؟
مريم هزت رأسها بالآه.
على الترابيزة كان فيه فواتير مستشفى وأدوية.
— مين دفع كل تمام ده؟
مريم ردت وهي باصة بعيد:
— أنا.
ساعتها بس خدت بالي إن دبلتها الفضة القديمة مش في إيدها.
— فين دبلتك يا مريم؟
سكوتها كان هو الجواب.
— بعتها لما أمك دخلت المستشفى.
اللسان اتعقد في بقي.
الست اللي كنت بلقبها زمان بقسوة هي اللي بعت آخر حاجة حيلتها عشان تنقذ حياة أمي.
أمي بدأت تعيط بكسرة.
— يا طارق… مريم ما لقتنيش عيانة بالصدفة. هي اللي ساعدتني وخرجتني من البيت عشان أرتاح بعيد عن المشاكل والخلافات.
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
— من مين يا أمي؟
أمي غمضت عينيها:
— من نيرة… وسامح.
سامح.
ابن عمي.
الراجل اللي طول عشرين سنة كنت بعتبره أخويا وسندي.
مريم بصلت لي بحدة وقالت:
— ولو فاكر إن الخلافات دي بدأت لما سافرت أسوان، تبقى غلطان.
قربت من صندوق كرتون مستخبي تحت السرير.
— الكابوس ده بدأ من قبل ما تطلقني أساساً.
ولما شفت الحاجة اللي طلعتها من الصندوق، فهمت إن اللي على وشك أكتشفه هيغير نظرتي لكل حاجة كنت بصدقها في عيلتي.
الجزء الثاني
مريم حطت على الترابيزة دوسيه.
جوه الدوسيه كان فيه صور ومحادثات قديمة ومستندات.
— الكلام ده مالوش أي معنى، — قلت وأنا مش مصدق.
من على السرير، أمي فاطمة ردت بصوت مكسور:
— عشان حصلت خلافات وضغط نفسي شديد عليا يا بني.
حسيت بخنقة وقبضة في صدري.
بصيت على الرسائل اللي كانت بتجيلي على تليفوني، وطلبت رقم نيرة.
ردت بعد ثالث رنة.




