روايات وقصص

تزوجني علي زوجته لانها تنجب بنات

اتجوزني على مراته الأولى علشان كانت بتخلف بنات، وهو كان نفسه في ولد يشيل اسمه. ولما ربنا رزقني بولد بعد سنة من الجواز، حسيت إن الدنيا كلها بقت تحت رجلي، وإن وجودي في البيت هو الأساس. جوزي أحمد كان طاير بالولد، وشايله فوق كتافه طول الوقت، وكل ما حد يباركله يقول بفخر وبصوت عالي: “أهو جه الواد اللي كنت مستنيه من سنين”.

 

أما مراته الأولى، أسماء، فكانت ساكنة في الشقة اللي تحتنا هي وبناتها التلاتة. في البداية، العلاقات كانت هادية ومحترمة في الظاهر، بس جوايا كان فيه إحساس خفي بالغيرة والسيطرة، كنت باصة لنفسي إني صاحبة المكانة الجديدة والكلمة المسموعة، وخايفة لسنواتها القديمة معاه ترجع تسرق مني الأمان اللي لسه لقياه.

الخوف ده اتولد عنه شعور بالدفاع عن النفس بطريقة غلط؛ بدأت أضايق من أقل تفصيلة. لو لقيت صوت بنت من بناتها عالي في السلم، ألاقي نفسي بطلع أشتكي لأحمد وأكبر الموضوع. لو أحمد رجع البيت متضايق من شغله، ألمّح له إن أسماء وأطفالها هما سبب زحمة البيت وصداعِه. ولو حصل أي خلاف تافه بينهم، كنت بدخل أعلق بطريقة تخلي أحمد يشوف الأمور من زاويتي أنا بس. وهو للأسف، وسط فرحته بالابن ورغبته في الاستقرار، كان بيمشي ورا كلامي ويصدقني.

الأيام كانت بتعدي والخلافات بتزيد وتكبر بينه وبينها. وفي كل مرة كنت أشوف فيها نظرة عتاب في عين أسماء، كان ضميري بيكلمني، بس كنت باسكت الصوت ده بغرور المرحلة وإني “المنتصرة”. لحد ما جه اليوم اللي أسوأ الأمور اتحركت فيه.

كنت تعبانة وأعصابي مشدودة، ونزلت عندها الشقة وأنا حاسة برغبة طفولية في إثبات وجودي. خبطت الباب، وفتحت وهي مستغربة الهدوء اللي في عيونها. قلت لها بصوت عالي شوية من كتر التوتر: “يا أسماء، أنا خلاص زهقت من كتر المشاكل دي، الوضع كده مينفعش، يا أنا يا إنتِ في البيت ده!”. بصتلي بصدمة وقالت بهدوء جارح: “عملتلك إيه بس يا هدى؟ أنا مقربتلكيش!”.

مكنتش عايزة أسمع تبرير، كنت عايزة أخلص من إحساسي بالذنب بإني أحط اللوم عليها. زعقت أكتر وقلت كلام كتير جارح وخارج عن إرادتي. وفجأة، لقيتها قعدت على كرسي جنبها بهدوء، ومدت إيديها وهي ماسكة في طرف طرحتها، وقالت بصوت مكسور وخارج ببطء: “حرام عليكي يا هدى.. أنا لا ليا أب ولا أم، وبيت أبويا ملوش سند، وبناتي دول ملهمش غير السقف ده. لو خرجت من هنا بالشكل ده، لا أنا هعرف أسترهم ولا أأمن عليهم”.

سكتُّ لحظة، وحسيت بقلبي بينقبض. كان المفروض أحس بالشفقة، كان المفروض أقولها حقك عليا، بس الكبر والغباء خلوني أسحب نفسي بغطرسة وأقول لها بجدية ناشفة: “دي مشكلتك، دوري على حل بعيد عننا”.

وفي نفس الليلة، رجع أحمد. قعدت معاه وحكيت له إنها كانت بتكلمني بندية ومش مدياني قدري في البيت، وبدأت أصور له الموقف بطريقة تخليه يحس إن هيبته كمسيطر على البيت مهددة. اشتعل غضبه، ونزل عندها على طول. سمعنا صوت نقاش حاد ومتبادل من فوق، وبعد ساعة طلع وهو واخد قراره وصوته جافي: “خلاص يا هدى.. أنا طلقتها، ومش هقعد في بيت فيه نكد وقرف كل يوم”.

يومها، صحيت تاني يوم وأنا حاسة بانتصار وهمي. وقفت في البلكونة وأنا شايفة أسماء وهي بتلم حاجاتها البسيطة في شنط وبتنزل مع بناتها بهدوء تام وبدون صراخ ولا بهدلة، كانت ماشية بخطوات ثابتة بس مكسورة، وبناتها حواليها بيعيطوا بصوت خفيف. الأغرب إنها مالت برأسها بصمت، ومحاولتش تدافع عن نفسها ولا تعمل خناقة أخيرة؛ كانت ساكتة بشكل حسسني بالرهبة من silence بتاعها.

بعد أسبوعين، اختفت تمامًا. ومع اختفائها، بقيت أنا الزوجة الوحيدة في البيت، والولد بقى محور اهتمام الجميع، بس الراحة اللي استنيتها مجاتش زي ما صورتها.

—

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى