بنتي اخي كانت تستيقظ

بنت أخويا كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر تنظف البيت كله افتكرتها بتحب تساعد مراتي، لحد ما مرضت يوم وسمعت مراتي بتقولها الأكل هنا مش ببلاش.
بنت أخويا، سلمى، جات تعيش معانا بعد ما أبوها وأمها رحلوا في واقعة.
كان عندها 14 سنة.
وأنا اعتبرتها بنتي.
أو على الأقل كنت فاكر إني بعتبرها بنتي.
كل يوم كنت أصحى ألاقي البيت متوضب.
الأرض ملمعة.
المواعين مغسولة.
والفطار جاهز.
كنت أضحك وأقول سلمى دي ست بيت من دلوقتي.
ومراتي كانت تبتسم وتقول البنت بتحب تساعدني.
وأنا صدقتها.
سنتين كاملين وأنا مصدقها.
لحد ما مرضت يوم ومروحتش الشغل.
صحيت قبل الفجر على صوت حاجة وقعت في المطبخ.
خرجت من الأوضة.
لقيت سلمى واقفة بتمسح الأرض.
وشها أصفر.
وإيديها بترتعش.
مراتي خرجت ورايا وقالت إنت صحيت ليه؟
قبل ما أرد، سلمى قالت معلش يا طنط هخلص الحمام كمان.
بصيتلها باستغراب.
حمام إيه؟ إنتِ تعبانة؟
مراتي قالت بسرعة سيبها، الحركة هتفوقها.
سلمى حاولت تمشي.
وقعت قدامي.
شيلتها وحطيتها على الكنبة.
مراتي اتعصبت.
هتدلعها كده هتركبنا!
بصيتلها.
هي بتعمل إيه كل يوم؟
سكتت.
سألت سلمى.
قوليلي.
بصت لمراتي بخوف.
مراتي صرخت قولي له! قولي له إن الأكل هنا مش ببلاش!
حسيت إن حد أوجعني.
يعني إيه؟
قالت يعني بنت أخوك مش هتعيش على حسابنا! بتنضف مقابل أكلها وإقامتها.
بصيت لسلمى.
من إمتى؟
همست من أول يوم جيت هنا.
سنتين.
سنتين كاملين.
خرجت بيها على المستشفى.
الدكتور قال إنها عندها أنيميا شديدة وإجهاد.
رجعت البيت لوحدي.
لقيت مراتي واقفة مستنياني.
قالت متعملش فيها بطل إنت أكتر واحد مستفيد.
أنا؟
ضحكت.
أمال الفلوس اللي أخوك سايبهالها كنت بتصرف منها على البيت ليه؟
اتجمدت.
فلوس إيه؟
وشها اتغير.
جريت على أوضتنا.
فتحت الدولاب.
طلعت ملف عمري ما شفته.
كان فيه كشف حساب باسم سلمى.
ومبالغ بتتسحب كل شهر.
بصيت لمراتي.
إنتِ أخذتي فلوسها؟
قالت أنا؟ اسأل نفسك الأول مين اللي كان بيمضي على السحب.
بصيت في الأوراق.
الإمضاء كان باسمي.
لكن أنا عمري ما مضيت.
وفي اللحظة دي، سلمى اتصلت بيا من المستشفى.
رديت.
كانت بتبكي.
عمو في راجل جه عندي وبيقول إنه المحامي بتاع بابا.
عايز إيه؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بيقول إن بابا قبل ما يرحل ساب تسجيل وقال ما أسمعهوش غير لما أكتشف إن حد منكم لمس فلوسي.
وقبل ما أسألها التسجيل فيه إيه، سمعت صوت أخويا الراحل خارج من موبايلها تجمدت مكاني، وأوقف فيّ صوت أخي الراحل كالصاعقة، وكأن روحه عادت من عالم الغيب لتقول لي الحقيقة التي خبأوها عني طويلاً. صوته كان واضحاً، ثابتاً، مليئاً بالحزن والتحذير معاً، وكأنه كان يعلم قبل أن يرحل أن ما سوف يحدث سوف يهدم كل ما بيننا
يا أخي الغالي لو تسمع هذا الكلام، فهذا يعني أنك اكتشفت شيئاً لم أتمنى أبداً أن تكتشفه. لقد عرفتُ قبل رحيلي ببضعة أشهر أن زوجتك كانت تتحدث مع أشخاص لا ينبغي لها أن تتحدث معهم، وكانت تسأل عن كل ما أملك، وعن كل ما سأتركه لابنتي سلمى. لم أكن أريد أن أشككك فيها، أو أن أفرق بينك وبينها، فكنت أعلم أنك تحبها، وأنك تثق بها ثقة عمياء. لكنني لم أستطع أن أترك ابنتي عرضة للخطر، فجهزت هذا التسجيل، وكل الأوراق الرسمية، وسلمتها لمحاميي القديم، وقلت له لا يسلمها لسلمى ولا يسمعها لأحد إلا إذا تأكد أن أحداً قد مس حقوقها، أو حاول أن يحرمها مما هو لها. يا أخي سامحني إن كنت أشك فيك، لكنني كنت أخشى أن تكون ثقتك العمياء هي التي ستدمرنا جميعاً. سلمى ليست مجرد بنت أخيك هي كل ما تبقى لي من دنياي. فلا تترك أحداً يجحفها، ولا تترك أحداً يأخذ ما هو لها، مهما كان السبب. وتذكر أنا لم أترك لك شيئاً لتعيش منه، بل تركت لك أمانة، والأمانة ليست كالمال، إنها أثقل وأغلى بكثير.
انقطع الصوت، وبدأت سلمى تبكي بصوت مكسور، وكأنها لم تكن تتوقع أن تسمع صوت أبيها مرة أخرى، ولا أن تكون السبب في كشف كل هذه الأسرار. وقفت زوجتي خلفي، وبدأت ملامحها تتغير، اختفى التكبر والصراخ، وحل محله الخوف والذهول، وكأنها لم تتوقع أن يكون هناك تسجيل، ولا أن يكون أخي قد عرف كل شيء قبل أن يرحل.
التفت إليها ببطء، وشعرت بكل خلية في جسدي ترتجف من الغضب والندم معاً، وقلت بصوت أجش لم أتعرفه على نفسي كل ده كان مخبي؟ كل ده كان بيحصل وأنا عايش في غيبوبة؟ كنت أصدقك وأقول إنك تعاملها زي بنتك، وإنك بتساعدها، وطلعت كل ده مجرد قناع خلفه أخذ وظلم وقسوة؟
حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج متقطعاً يا راجل فهمني الظروف كانت صعبة المصاريف زادت وأنت كنت مش عارف حاجة عن الفلوس دي، كنت قلتلي إنك مش عايز تاخد حاجة من وراء أخوك فقلت أساعدك وأصرف منها على البيت وكنت خائفة منك تزعل لو عرفت
تساعدني؟! صرخت في وجهها، وكادت أذنيها تنفجران من صوتي. تساعدني يعني تخلّي بنت في عمر الورود تستيقظ قبل الفجر وتنظف البيت كله وتكون مريضة ومش تقدر تقول كلمة؟ تساعدني يعني تحرفي توقيعي وتأخذي فلوس اليتيمة اللي أمانة في عنقي؟ تساعدني يعني تضحك عليّ في وجهي وتقول لي إنها بتحب تساعدك، وأنتِ بتعاقبيها عشان عايشة في بيت أبوها اللي دفع ثمنه بدمه وحياته؟
تراجعت خطوات للوراء، ودموعها بدأت تنهمر، لكنها لم تكن دموع ندم، بل كانت دموع خوف مما سوف يحدث لها أنا كنت بحبك وكنت خائفة أخسرك وخائفة أكون سبب مشاكل بينك وبين أخوك حتى وهو راحل وأنت كنت ثقتك فيها كبيرة قوي، وكنت تقول إنها بنتك التانية، فمش عارفة كنت أقولك إيه
كنت تقولي لي الحقيقة من أول يوم! كنت تقولي لي إنك مش عايزة تعيش معاها، أو إنك مش قادرة تتحمل مسؤوليتها، وكنت أجد لي حل، وكنت أرضيكي، وكنت أقدر أتكلم معاها ونرتب أمورنا مع بعض لكنك اخترتي الطريق السهل، طريق الظلم والخداع، واخترتي تضحيني وتضحينها عشان راحتك ومصلحتك الخاصة.




