قصص و روايات

تمن الرحلة

دخلتُ على شركة الطيران، واستخدمتُ رقم الحجز نفسه. كان من حسن حظي أنني أنا من دفعت، وأنا من استلمت التأكيدات. عدّلتُ المقاعد. ألغيتُ مقعدًا. أضفتُ مقعدًا آخر. لم ألغِ الرحلة كلها؛ لم أرد أن أبدو مچنونة. أردتُ فقط أن أفهمهم أنني لستُ كرسيًا إضافيًا يُستبدل حين تأتي ماما أخرى.
ثم فعلت أهم شيء ألغيتُ خدمات النقل الخاصة التي كنتُ قد حجزتها لهم في باريس وفيينا. ليست مشكلة كبيرة، لكنها ستصنع فرقًا. سيضطرون للتعامل مع الواقع دون مظلتي.
في اليوم التالي، رنّ الهاتف. كان كريم. تركتُه يرن مرة مرتين ثلاثًا. ثم أجبت.
قال بصوتٍ متوتر ماما، في مشكلة في الحجوزات. الفندق بيقول في تعديل حصل، والطيران كمان!
قلتُ بهدوء أيوه. عدّلت بعض الأشياء.
صمت لحظة. ثم قال ليه؟
قلتُ لأنك عدّلت حياتي عند باب الشىقة من غير ما تسألني.
قال بسرعة ماما، سارة قالتلك الموضوع ظروف. ومش قصدها
قاطعته بنبرةٍ ثابتة لا تُبرر. قصدها واضح. وقصدك أنت أوضح أنك وافقت.
ارتفع صوته قليلًا ماما، إحنا في المطار! الكلام ده وقته؟
قلتُ وقته مناسب جدًا. لأنك اخترت الوقت ده عشان تبلغني أنني مُستبعدة. وأنا اخترت وقتًا قريبًا عشان أبلغك أنني لستُ بلا قيمة.
قال بحدّة طيب يعني هنعمل إيه دلوقتي؟
قلتُ هتعملوا اللي كنتُ بعمله عنكم دائمًا هتحلوا مشاكلكم بنفسكم.
سمعتُ صوت سارة في الخلفية تقول شيئًا غاضبًا، ثم أخذت الهاتف منه فجأة.
قالت بنبرةٍ متعالية مريم، اللي بتعمليه ده قلة ذوق. ده اسمه تخريب.
قلتُ بهدوء واللي عملتيه عند الباب اسمه إيه؟
سكتت لحظة. ثم قالت أنتِ كده بتفىضىحينا!
ابتسمتُ، وقلت أنا لم أفىضحكم. أنتم فىضحتم أنفسكم، ثم خفتم من المرآة.
قالت بعصبية رجّعي كل حاجة زي ما كانت!
قلت لن أرجع شيئًا. ستتعلمون أن الكبار لا يُدارون بالابتزاز.
ثم أضفت بوضوح وأبلغي والدتك أن الرحلة ليست مقعدًا شاغرًا. أنا لستُ احتياطًا.
أغلقت المكالمة.
جلستُ بعدها طويلًا أمام النافذة. لم أشعر بالشماتة. شعرتُ بشيءٍ قريب من الحزن الناضج الحزن الذي لا يبكي كثيرًا، لكنه يضع حدودًا.
في المساء، وصلتني رسالة من كريم
ماما، سارة بټعيط. أنا مش عايز نخسر بعض. إحنا غلطنا بس
قرأتُ الرسالة، ولم أرد فورًا. تركتُها حتى الصباح. ثم كتبتُ
الخطأ ليس في قرارٍ واحد. الخطأ في الطريقة. في الاستهانة. في أنك لم تقل لا.
أنا لا أكرهكم. لكنني لن أسمح بهذا مرة أخرى.
بعد يومين، عاد الاتصال، لكن هذه المرة من رقمٍ آخر. كانت هدى، أم سارة.
صوتها كان واثقًا، كأنها صاحبة حق ألو حضرتك مريم؟
قلت نعم.
قالت أنا هدى. أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل! إحنا رايحين نرتاح، وإنتِ بتلعبي في الحجوزات ليه؟
قلت بهدوء أنا لا ألعب. أنا أنظم ما هو باسمي.
قالت بصوتٍ أعلى بس دي رحلة ابني وبنتي!
ضحكتُ ضحكة قصيرة ابنك؟ من أين ظهر ابنك؟ كريم ابني. وسارة زوجته. أما أنتِ فكنتي ضيفة وقررتِ أن تأخذي مكاني.
قالت بنبرةٍ جارحة أنتِ ست كبيرة، مش ناقصك سفر.
قلت والاحترام ليس ناقصك أيضًا، لكنه يبدو أنه لم يصل إليك.
سكتت، ثم قالت
بتهديدٍ خفيف إحنا
قلتُ اشتكوا. لكن قبل أن تفعلوا، تذكّروا أن كل إيصال وكل رسالة وكل حجز يحمل اسمي. لا اسمك.
أغلقت الهاتف دون خوف.
مرّت الأيام الأولى عليهم في فوضى صغيرة تغييرات، اتصالات، توتر. كانوا يرسلوا رسائل، بعضُها اعتذار، وبعضُها ڠضب. وأنا كنتُ أردّ حين يلزم، وأصمت حين يكون الصمت أبلغ.
وفي اليوم الرابع من الرحلة، وصلني بريد إلكتروني من الفندق في روما يؤكد التعديلات. وكان من ضمنه أن الاسم البديل الذي أضفته قد وصل بالفعل إلى الفندق واستلم غرفته.
نعم، أضفتُ اسمًا آخر.
لم يكن اسم سارة، ولا أمها، ولا صديقةً لها.
كان اسم امرأة أثق بها ابنة خالتي نجلاء، التي لطالما وقفت بجانبي، والتي لم تتعامل معي يومًا كرصيدٍ يمكن سحبه.
نجلاء لم تكن بديلًا لأم في عىلاقة ابنها، لكنها كانت شاهدًا على كرامتي.
كان وجودها رسالة غير مكتوبة أنني لستُ وحدي، وأن من يظن أنه يطردك من حياتك قد يكتشف فجأة أنك تملك مفاتيحًا لا يعرف عنها شيئًا.
وفي اليوم الخامس، أرسلتُ لكريم رسالة قصيرة
أتمنى لكم رحلة طيبة. تذكروا من يُقصي غيره بسهولة، قد يُقصى يومًا بقرارٍ هادئ.
بعد ساعتين، رن الهاتف. كان كريم، وصوته هذه المرة مكسورًا قليلًا.
قال ماما أنا غلطت. أنا عارف. بس أنا اتوترت، وسارة ضغطت، و
قلت اسمعني يا كريم. المشكلة ليست في ضغط سارة. المشكلة أنك قبلت أن تكون ابنًا بلا ضمير.
صمت.
ثم قال إنتِ هتسامحيني؟
قلت سأسامح حين أرى تغييرًا. الاعتذار وحده لا يكفي.
قال طب سارة؟
قلت سارة ستتعلم. أو ستذهب. هذا قرارك أنت. لكن ما يخصني أنا واضح لن تُعاملني كخيارٍ ثانٍ.
بعدها بأيام، حدث ما لم يتوقعوه.
كان في برنامج الرحلة عشاء خاص في روما، في مطعمٍ فاخر كنتُ قد حجزته مسبقًا باسم الثلاثة.
وفي نفس اليوم، كنتُ قد اتفقتُ مع إدارة المطعم على تعديل بسيط أن يُسلّم لهم عند الوصول ظرفٌ صغير.
الظرف كان به ورقة واحدة، مكتوبة بخطٍ واضح
أنا التي دفعت. وأنا التي رتّبت. وأنا التي استُبعدت.
هذه ليست حربًا. هذه حدود.
عُدتم إلى مصر تحدثوا بصدق. وإلا فكل شيءٍ آخر قابل للتعديل.
لم يكن في الورقة ټهديد صريح، لكن المعنى كان كافيًا هناك أم تعرف أن القىسوة قد تكون هادئة.
وصلني بعد ذلك بساعاتٍ تسجيل صوتي من سارة.
لم يكن طويلًا.
صوتها كان مترددًا، كأنها تحاول أن تُسىقط كبرياءها دون أن يراها أحد.
قالت مريم أنا آسفة. أنا كنت متضايقة من وجود حضرتك معانا، وقلت لنفسي إن ده حقي بس أنا غلطت. أنا آسفة على الطريقة.
سمعتُ التسجيل مرةً ثانية.
لم أفرح.
لكنني قلت لنفسي على الأقل وصلت الرسالة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى