قصص وروايات

المنقبة

أنا اتولدت وفي بوقي معلقة دهب زي ما بيقولوا، بس للأسف أهلي شافوا الفلوس دي تذكرة تحكم في حياتي كلها وامتلاك تام لقراراتي. بالنسبة لهم، أنا مجرد عيل صغير أي واحدة ممكن تضحك عليه بسهولة عشان تلهف فلوسه وأملاكه، وكانوا مصممين إني ما أتجوزش غير واحدة على مستواهم.

 

بس أنا كنت مخنوق جداً من العيشة دي والفكر المادي ده، خصوصاً إن قلبي اتعلق بواحدة تانية خالص. زميلتي في الجامعة، بنت محترمة وطيبة، كل عيبها في نظر أهلي إن أبوها راجل غلبان على قد حاله، وشايفينهم مش قد مقامنا. صممت بكل إصرار إني أخطبها، وأهلي حولوا حياتي لجحيم من الرفض والضغط، بس تمسكي بيها خلاني أقف قدامهم لحد ما وافقوا نعمل خطوبة.

بس يا ريته ما حصل ولا رحت بيهم هناك! يوم الخطوبة، أهلي عملوا كارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بهدلوا البنت وأهلها بأقسى الكلام، وأمي طلعت في وسط الناس وقالت إحنا جايين النهارده نخطب بنت الحسب والنسب، ونهنيها إنها لقت صيدة سهلة زينا وقدرت توقع واحد متريش! أهل البنت اتصدموا من الإهانة، وأبوها وقف بذهول وقال إيه اللي بتقوليه ده يا هانم؟! أمي ضحكت وقالت له بالظبط، أنا بالنسبة لك هانم، وانتو آخركم خدم، مش تطمعوا في ابني وتوقعوه عشان فلوسه!

الكلمة جرحت كرامتهم ودمرت كل شيء. أنا اتصدمت وحاولت أوقف أمي، بس لسانها ما كانش بيسكت، وأبويا اتدخل ودعمها وقالهم إحنا ما نتشرفش بيكم، وخلو عندكم دم واطلعوا بره حياتنا! ساعتها، كرامة أبو العروسة اتفجرت من القهر قدام الناس كلها، وحلف يمين ما أتجوبرها ولا تكون ليا، ولا حتى سمح لها تكلمني تاني.

حاولت معاه بكل الطرق، بس قفل الباب في وشي ورفض تماماً أي تواصل بينا. وبعد أيام قليلة، كانت الصدمة الكبرى لما لقيتها اتخطبت لشاب تاني اختاره أبوها بنفسه عشان يبعدها عننا. وقتها حسيت بغضب وظلم ميتوصفش، النار كانت قايدة جوه صدري من أهلي وطمعهم اللي ضيع مني حب عمري. وأنا راجع البيت، روحي كانت مسحوبة من القهر والهلع، لحد ما لقيت تحت الكوبري بنتاً قاعدة في البرد. منظرها كان يقطع القلب؛ هدومها بسيطة، وماسكة في إيدها لقمة ناشفة تسد بيها جوعها.

صعبت عليّ حالتها جداً، نزلت من العربية ورحت حطيت لها مبلغ مالي في المنديل اللي قدامها. البنت بصت للفلوس وفضلت تدعي لي بدموع وفرحة. لحد هنا كنت هسيبها وأمشي، بس فجأة افتكرت أهلي وغضبهم وطمعهم، وافتكرت خطيبتي اللي ضاعت بسببهم. بصيت للبنت وخطرت في دماغي فكرة، وقلت في نفسي هيحصل إيه لو ابنهم دخل عليهم بالشكل ده!

وطيت عليها وبصوت ثابت قلت لها: تتجوزيني؟
البنت اتصدمت وفضلت بصالي بقلق وفاكرة إني بتريق عليها. ابتسمت وقلت لها: ما تخافيش، أنا بتكلم بجد.. هتجوزك، وأخدك تعيشي معايا في بيت مرتاح. استغربت جداً وقالت: حضرتك تتجوزني أنا؟! إيه جاب لجاب؟!

ما فكرتش ثانية واحدة، ولا اهتميت هي مين. كل اللي كان شاغلني ساعتها هو نظرات الصدمة والغضب اللي هشوفها في عيون أهلي، وعايز أحرق قلبهم زي ما حرقوا قلبي. قلت لها: قومي معايا، ما تقلقيش من حاجة خالص.

أخدتها على أول مأذون قابلناه في سكتنا، وجبت اتنين شباب من الشارع يشهدوا على العقد. كتبت الكتاب وأنا حتى مش باصص في وشها، ولا طلبت أقرأ بطاقتها أو أعرف حتى اسمها. كل همي كان الانتقام وبس.

ركبت معايا العربية، وسوقنا لحد البيت. دخلت من الباب وماسك إيدها بقوة. أهلي كانوا قاعدين، وأول ما شافونا، أبويا وقف متسمر في مكانه من الصدمة، وأمي اترشقت القهوة من بقها من شدة الذهول، وفضلوا باصين للبنت بنظرات خوف غريبة وعميقة!

ساعتها اتكلمت وقلت لهم بسخرية: سعاد.. البنت اللي كنت عايز أخطبها، اتخطبت لغيري.. وعشان كده، قلت أكافئكم.. اتجوزت البنت دي من على أول إشارة، عشان أقولكم شكراً على كل اللي عملتوه فيا وفي حياتي!
أبويا بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت ميت ومرعوب: أنت.. أنت أتجننت بجد؟! عملت إيه يا غبي؟!
وأمي انهارت من العياط، وقالت بصوت كله خوف وانهيار غير طبيعي: أنت.. أنت ما تعرفش المصيبة الكبيرة اللي عملتتها في نفسك؟! أنت.. أنت شوفت البنت دي الأول؟! عرفت هي مين أصلاً؟!

استغربت جداً.. كنت مستني أشوف في عيونهم الغضب، مش الرعب والهلع المبالغ فيه ده كله! قربت من البنت وسألتها بتوتر: إنتي.. إنتي تعرفيهم؟ بيبصولك كده ليه؟
البنت فضلت ساكتة تماماً زي الميتة، ما نطقتش بحرف واحد. وقتها، مع عياط أمي اللي اتهدت تماماً ومبقتش قادرة حتى تزعق، قلبي اتقبض. ومديت إيدي بسرعة ورفعت النقاب من على وشها.. وهنا.. كانت صدمة عمري!

رجعت لورا خطوات بصدمة حقيقية وأنا مش مصدق اللي شايفاه عيوني! البنت اللي كانت تحت النقاب كانت أقرب صديقة لسعاد خطيبتي الأولى، واتفاجأت لأنها ما كانتش متسولة أصلاً! إيه وصلها للحالة دي؟!

البنت بصتلي ودموعها بتنزل على خدودها، وبعدها بصت لأمي وقالت بصوت مخنوق: كنت فاكرة إنك هتفضلي مخبية الحقيقة لحد آخر يوم في عمرك يا طنط، بس الظاهر إن ربنا أراد إن كل حاجة تظهر النهارده.

أمي كانت بترتعش، وأبويا قرب منها بسرعة وقال: اسكتي يا بنتي، والنبي اسكتي! إحنا ممكن نحل كل حاجة، بس مش بالطريقة دي!
بصيت لأبويا وأنا مش فاهم حاجة وصرخت: تحلوا إيه؟! وإنتوا تعرفوا البنت دي منين؟! وليه أمي أول ما شافتها كانت هتموت من الخوف؟!
أمي رفعت عينيها ليا، وبعدها بصت للبنت وقالت: دي مش متسولة يا أحمد.. دي.. دي!
البنت ابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت: أقولك أنا يا أحمد.. أنا اسمي الحقيقي مريم، وبنت الراجل اللي أمك وأبوك ظلموه عشان يلهفوا حقه!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى