تيتا النظيفة

حماتي بصت لي، كانت مستنية اني أدافع عنها.. أصل أنا مرات ابن كويسة اللي قلت 6 أسابيع مش كتير، اللي كنت بقول لجوزي معلش دي أمك، اللي كنت بقول لجوزي حاول تكلمها بهدوء. المرة دي مقلتش معلش، قلت لها: “انتي لما لحستي معلقة زبادي ابني أنا خدته منه، ولما لحستي معلقة سلطة البطاطس أنا رميت العلبة كلها، ولما لحستي الشوربة أنا رميت الحلة كلها وعملت واحدة جديدة لابني.. بس ابني شافك! شافك وانتي بتلحسي المعلقة وترجعيها، وقال لي يا ماما تيتا ليه بتحط بوقها في أكلنا.. 4 سنين وبيسأل.. عايزاه يكبر يفتكر ان ده عادي؟ ان حد يحط بوقه في أكله؟”.
حماتي سكتت، أول مرة تسكت من 6 أسابيع.. من أول يوم وهي بتقول احنا عيلة ويا شيخة حرام وموسوسة نظافة. أول مرة تسكت، وقعدت، وحطت وشها في ايديها وعيطت عياط بجد، وقالت: “أنا كنت بعمل كده مع أبوكم طول عمري وكنت فاكرة عادي.. أبو جوزي الله يرحمه كان بيعديها، كان يقول لها يا شيخة بطلي.. وهي تضحك وتقول احنا عيلة.. فافتكرت ان كل العيلات كده”.
جوزي قعد جنبها وقال لها: “يا ماما أبويا كان بيعديها عشان بيحبك ومش عايز يزعلك، بس احنا مش عايزين نعديها.. عشان بنحب ابني، وعشان بنحبك انتي كمان ومش عايزينك تعيي ولا تعيي ابني. انتي عيانة بقالك يومين بتكحي، وابني 4 سنين مناعته لسه ضعيفة، لو تعب هتعب معاه، ولو أنا تعبت مش هعرف أروح شغلي، ولو مراتي تعبت مين هياخد باله من ابني؟ فلو سمحتي، لما تعوزي تاكلي خدي طبق لوحدك ومعلقة نضيفة، ولما تعوزي تدوقي خدي معلقة نضيفة ودوقي في طبقك انتي.. مش في الحلة كلها”.
حماتي مسحت دموعها وقالت: “حاضر”. قلت لها: “بجد؟”. قالت: “بجد”.
ومن ساعتها، بقت تعمل كده، بقت تاخد طبق لوحدها ومعلقة نضيفة، ولما تدوق حاجة تجيب معلقة صغيرة تدوق في طبقها. وبقت تقول لابني: “تعال يا حبيبي تيتا هتجيب لك معلقة نضيفة”. ابني بقى يحبها أكتر عشان بقت نضيفة وبقى يقول “تيتا نضيفة”، وحماتي تضحك.
بعد أسبوعين حماتي خفت، البرد راح والكحة راحت وبقت كويسة. وفي يوم كانت عاملة مكرونة بشاميل، نادت عليا وقالت: “تعالي دوقي”، جابت معلقة نضيفة وغرفت شوية في طبق صغير وادتونيه وقالت: “دوقي كده وقوليلي محتاجة ملح”. دقت، وقلت لها: “تسلم ايدك زي العسل”. ابتسمت وقالت: “شفتي لما بناخد معلقة نضيفة الأكل بيبقى أحلى ازاي؟”. قلت لها: “آه”، وبصيت لجوزي، جوزي كان واقف في باب المطبخ بيضحك وقال لها: “شفتي يا ماما لما بتسمعي الكلام، الأكل بقى ليه طعم تاني”. حماتي ضحكت وقالت: “يا واد يا بكاش”، بس من جواها كانت مبسوطة عشان لأول مرة من 6 أسابيع محدش كان قرفان من أكلها ومحدش كان بيرمي الأكل من وراها.
الـ 6 أسابيع خلصوا، وحماتي كان المفروض تمشي تروح شقتها الجديدة، بس وهي بتلم شنطها قالت: “أنا ممكن أقعد أسبوع كمان لو مش هضايقكم”. بصيت لجوزي، جوزي بص لي، قلت لها: “تقعدي ده بيتك، بس بشرط”. قالت: “شرط ايه؟”. قلت لها: “المعلقة النضيفة”. ضحكت وقالت: “المعلقة النضيفة في قلبي”. وقعدت أسبوع كمان، وبقت كل يوم تعمل أكل بمعلقة نضيفة وتغرف لكل واحد في طبقه.
الـ 6 أسابيع بقوا 7، وفي آخر يوم حماتي لمت شنطها وهي بتلم قالت: “أنا هتوحشكم”. ابني قال لها: “متوحشناش يا تيتا تعالي كل يوم”. قالت: “لا يا حبيبي أنا شقتي الجديدة جهزت ولازم أروح، بس هاجي أزوركم كل أسبوع وهجيب معايا معلقة نضيفة”. كلنا ضحكنا.
وهي ماشية حضنتني وقالت لي: “أنا آسفة”. قلت لها: “على ايه؟”. قالت: “على كل مرة لحست فيها المعلقة ورجعتها في أكلكم، وعلى كل مرة قلت لك انتي موسوسة نظافة، وعلى يوم الشوربة.. أنا مكنتش أعرف اني بعمل حاجة غلط، كنت فاكرة عادي”. قلت لها: “خلاص يا حبيبي حصل خير، المهم انك اتعلمتي”. قالت: “اتعلمت والله، من يوم طبق الشربة اللي وقع وانا اتعلمت”. حضنتها وقلت لها: “ده بيتك في أي وقت”.
مشيت والفضي البيت، بس المرة دي فضي بجد عشان كنا بنحبها، مش زي أول 6 أسابيع لما كنا عايزينها تمشي.
بعد ما مشيت، جوزي قال لي: “تعرفي أنا ليه عملت حركة طبق الشربة؟”. قلت: “ليه؟”. قال: “عشان أنا كلمتها 10 مرات بهدوء، قلت لها يا ماما خدي طبق لوحدك، خدي معلقة نضيفة، بلاش تلحسي المعلقة، وكانت تضحك وتشوح بايدها.. ففهمت ان الكلام مش نافع، لازم تشوف بعينها، لازم حد يلحس المعلقة ويحطها في طبقها وهي قاعدة مستنية تاكل، عشان تحس بنفس القرف اللي احنا كنا حاسين بيه”. قلت له: “بس انت لحست المعلقة بجد”. قال: “آه لحستها عشان أوريها، القرف قرف، ومحدش بيحب ياكل لعاب حد تاني حتى لو أمه”. قلت له: “انت ذكي”. قال: “لا أنا بس اتعلمت.. لما حد مبيسمعش الكلام وريله بعينه مش بودنك”.
بعد أسبوع حماتي جت تزورنا، جايبة كيس كبير فيه أكل: مكرونة بشاميل وشوية كفتة وحلة شوربة. أول ما دخلت قالت: “جايبة لكم أكل بس كل واحد ليه علبة لوحده ومعلقة نضيفة جواها، ومحدش لحس حاجة، أنا اللي غرفت بمعلقة نضيفة”. ابني جري عليها وقال: “تيتا النضيفة جت!”. حضنته وقالت: “أيوه يا حبيبي تيتا النضيفة جت وجايبة لك علبتك لوحدك ومحدش حاطط بوقه فيها”.
قعدنا ناكل، والأكل كان زي العسل، مش عشان طعمه حلو بس، عشان نضيف ومحدش حاطط بوقه فيه.
وبعد الأكل حماتي قالت: “أنا عايزة أقول لكم حاجة، أنا لما كنت بعمل كده زمان مع أبوكم كنت فاكرة ان ده حب، كنت فاكرة ان لما ألحس المعلقة وأرجعها ده معناه اننا واحد، بس دلوقتي فهمت ان الحب معناه اني أخاف عليكم، أخاف على صحتكم، وأجيب له معلقة نضيفة بدل ما أأكله جراثيمي وأنا عيانة وأقول مناعة”. جوزي قال لها: “يا ماما انتي طول عمرك بتحبينا بس كنتي بتحبينا غلط، دلوقتي بتحبينا صح”. قالت: “صح، والحمد لله ان ابنكم علمني الصح قبل ما أروح شقتي الجديدة”.
ومن ساعتها حماتي بقت أشهر واحدة في العمارة الجديدة، كل الجيران بيحبوها وبيقولوا: “الست النضيفة اللي بتغرف بمعلقة نضيفة وكل واحد طبقه لوحده”. وبقت تقول لهم: “أنا كنت بحط بوقي في الأكل وكنت فاكرة انها عيلة، لحد ما ابني جاب لي طبق شوربة لحس معلقته وحطها فيه وقالي كلي يا ماما.. ساعتها عرفت ان العيلة مش معناها ناكل لعاب بعض، العيلة معناها نجيب لبعض معلقة نضيفة”.
والطبق اللي وقع يوم الخناقة لحد دلوقتي محطوط عندنا في المطبخ مكسور من الحرف، جوزي مرضيش يرميه، وقال: “ده طبق الدرس.. الطبق اللي علمنا ان ساعات لازم حاجة تقع وتتكسر عشان الناس تفوق، وان المعلقة النضيفة أهم من كلمة احنا عيلة”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




