روايات وقصص

حركة حكايات اسما السيد 1

انتي يابت هتتجوزي واحد معاق ذهنيا وتخلفي أطفال معاقه زيه…انا لا يمكن اقبل بكده ابدا…وأنا عندي 6 سنين، وعدت أعز صاحب ليا إننا هنروح حفلة التخرج سوا.

بعد 12 سنة، وفي الليلة اللي أخيرًا كنا هننفذ فيها الوعد، أمي قفلت عليّا باب وقالتلي:

— هتروحي معاه… بس بشرط واحد.

افتكرت إنها هتقولي أرجع بدري، أو ممنوع أشرب، أو أي كلام أمهات معتاد.

لكن الشرط ماكانش له علاقة بالحفلة أصلًا.

لأن أمي بعدها بدقايق قالتلي سر عن صاحبي… وعنها هي شخصيًا…

سر خلاني أبص لكل سنين صداقتنا بشكل مختلف تمامًا.

والأغرب؟

إن صاحبي كان شايل السر ده من سنين…

وعمره ما قالّي.

أنا وصاحبي بقينا أصحاب من أولى ابتدائي لسببين مهمين جدًا بالنسبالنا وقتها:

إحنا الاتنين كنا بنكره الزبيب…

وإحنا الاتنين كنا مهووسين بالديناصورات.

هو كان عنده متلازمة داون.

بس دي عمرها ما كانت أول حاجة بتيجي في دماغي لما أبصله.

بالنسبالي، هو كان الولد اللي يقدر يحفظ أرقام ونتايج ماتشات من سنين فاتت، ويدخل معايا في خناقة محترمة لو قلت معلومة غلط عن ديناصور، وكمان كان أكتر واحد ممكن ينتقد رسوماتي بمنتهى القسوة.

مرة رسمت رسمة وقعد يبص لها شوية.

وبعدين قال بمنتهى الجدية:

— دي شبه بطاطساية طالع لها دراعين.

اتعصبت جدًا.

وهو فضل يضحك لحد ما تقريبًا وقع من على الكرسي.

وده كان هو.

صريح…

مضحك…

وعمره ما عرف يجاملني.

في يوم، المُدرسة قالتلنا إنها هتتجوز.

الفصل كله قلب كلام عن الفساتين، والفرح، والموسيقى، والتورتة.

وصاحبي قال بكل ثقة:

— أنا لما أتجوز هجيب تورتة شوكولاتة… ومش هشغل أغاني بطيئة مملة.

ولد كان قاعد قدامنا ضحك وقال:

— وإنت مين أصلًا اللي هترضى تتجوزك؟ محدش.

مش عارفة أوصف الإحساس اللي حصل في الفصل وقتها.

أنا كنت صغيرة، ومش فاهمة تمامًا ليه الجملة دي كانت قاسية بالشكل ده.

بس اللي فهمته كويس…

إن ابتسامة صاحبي اختفت.

فبصيت للولد وقلت بعصبية:

— كلامك غبي. أكيد حد هيحبه.

صاحبي بصلي فجأة.

وقال:

— إنتِ؟

أنا عندي ست سنين، يعني أكيد ماكنتش فاهمة السؤال أصلًا.

رفعت كتفي وقلت:

— يمكن… بس الأول لازم نروح حفلة التخرج سوا.

قطب حواجبه.

— يعني إيه حفلة تخرج؟

قلتله:

— حفلة كبيرة لما نبقى شبه كبار كده.

مد صباعه الصغير ناحيتي وقال:

— وعد؟

شبكت صباعي في صباعه.

— وعد.

بعد فترة قصيرة جدًا…

أنا نسيت الحوار كله.

هو؟

افتكر كل كلمة.

عدت 12 سنة.

وصداقتنا عدت معاها حاجات كتير.

فصول مختلفة.

هوايات مختلفة.

سنين المراهقة الغريبة.

طلاق أمي وأبويا.

محاولاته المستميتة يخليني أفهم لعبة الكورة والإحصائيات.

ومحاولاتي الفاشلة أخليه يحب الرسم.

وبعدين…

أول مرة قلبي اتكسر فيها.

أول ولد ارتبطت بيه سابني.

وقعدت أعيط في البيت بالساعات.

بعدها لقيت صاحبي جاي عندنا ومعاه علبتين آيس كريم.

ناولني واحدة وقال:

— أنا من الأول قلتلك إنه أهبل.

ضحكت وأنا لسه بعيط.

ودي كانت طريقته دايمًا.

هو عمره ما كان عنده كلام كبير يقوله.

ولا كان بيحاول يصلح كل مشاكلي.

كان بس…

بيقعد جنبي.

لحد ما الوجع يخف شوية.

وعشان كده، لما حفلة التخرج وصلت أخيرًا…

ماحسيتش إني بروح معاه شفقة.

وماحسيتش إني بنفذ وعد طفولي وخلاص.

هو أعز صاحب ليا.

وبصراحة؟

ماكانش فيه حد تاني نفسي يكون معايا الليلة دي أكتر منه.

يوم الحفلة، وصل عند بيتنا لابس بدلة غامقة وبابيون واضح جدًا إنه مختاره من شهور.

واقف قدام الباب ومعاه الورد بتاعي…

ومبتسم كأنه كسب بطولة عالم.

أمي فتحتله الباب.

وأول ما شافته…

ملامحها اتغيرت.

ابتسامتها اختفت.

فضلت واقفة كام ثانية بتبصله بطريقة غريبة.

وبعدين رجعت ابتسمت بالعافية وقالت:

— هي تقريبًا خلصت.

وسابته وطلعت فوق بسرعة.

كنت واقفة قدام المراية بلبس الحلق.

دخلت أمي أوضتي.

وقبل ما أسألها مالها…

قفلت الباب.

وبعدين…

لفت المفتاح.

بصيتلها من المراية.

— ماما؟

بصتلي وقالت:

— إنتِ ممكن تروحي الحفلة معاه النهارده.

ضحكت بتوتر.

— ما أنا أصلًا رايحة معاه.

قالت:

— بس بشرط واحد.

قلت وأنا فاكرة الموضوع بسيط:

— أرجع قبل نص الليل؟ ممنوع أشرب؟

قالت:

— لأ.

ابتسامتي اختفت.

— أمال إيه؟

وقالت:

— لازم تسمعي حاجة الأول.

— أسمع إيه؟

بصتلي في عيني.

— الحقيقة.

بطني اتقبضت.

— حقيقة إيه؟

مدت إيديها ومسكت إيديا.

— حاجة تخص صاحبك.

سكتت شوية.

وبعدين قالت:

— وتخصني أنا كمان.

فضلت باصة لها ومش فاهمة.

وفجأة عينيها اتمَلّت دموع.

قلت بسرعة:

— ماما… حصل إيه؟

ما ردتش في الأول.

خدت نفس طويل ومهزوز.

وبعدين قالت:

— في حاجة كان لازم أقولها لك من سنين.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

ومن تحت، كنت سامعة ضحكة صاحبي وهو بيتكلم مع قريبتي…

ولا عنده أي فكرة إيه اللي بيحصل فوق.

أمي شدت على إيديا.

وقالت:

— فاكرة أسوأ سنة عدت عليكِ وإنتِ صغيرة؟

بصيتلها وسكت.

قالت:

— السنة اللي أنا وأبوكي فيها…

لأن السنة دي كانت فعلًا أسوأ سنة في طفولتي.

صوتها اتهز وهي بتكمل:

— فيه حاجة حصلت وقتها… إنتِ عمرك ما عرفتيها.

وفهمت إن الوعد اللي أنا نسيته وأنا طفلة…

ماكانش الوعد الوحيد اللي صاحبي حافظ عليه طول السنين دي…ولازم تعرفيها …”الحكاية لم تنتهِ بعد…”

فضلت باصة لماما وأنا مش فاهمة.

قلت:

— ماما، إنتِ بتخوفيني… إيه اللي حصل وقت طلاقك إنتِ وبابا؟

— قبل ما أقولك، لازم أعرف حاجة.

— إيه؟

بصتلي في عيني مباشرة.

— إنتِ بتحبيه؟

اتصدمت.

— مين؟

— صاحبك.

ضحكت بتوتر.

— ماما، ده أعز صاحب ليا.

قالت بسرعة:

— أنا مش بسألك هو إيه بالنسبالك دلوقتي. بسألك… ممكن في يوم تشوفيه أكتر من صاحب؟

سكت.

والغريب إني لأول مرة…

ماعرفتش أجاوب فورًا.

ماما لاحظت سكوتي.

وشها اتغير.

قامت من على وقالت:

— لأ.

قلت:

— لأ إيه؟

— إنتِ يا بت؟ هتتجوزي واحد عنده متلازمة داون وتخلفي أطفال عندهم زيه؟ أنا لا يمكن أقبل بكده أبدًا!

اتجمدت مكاني.

مش بس من الكلام…

من الطريقة اللي قالته بيها.

قلت:

— ماما!

— أنا أمك ومن حقي أخاف عليكي.

— تخافي عليا ولا تختاريلي مين أحبه؟

قالت:

— الحب مش كل حاجة.

— وأنا أصلًا قلتلك إني هتجوزه؟

سكتت.

قلت:

— هو كل اللي حاصل إننا رايحين حفلة سوا!

ردت:

— النهارده حفلة. بكرة تعلق. وبعده جواز.

بصيتلها بعدم تصديق.

— وإنتِ قفلتي عليا الباب علشان تقوليلي الكلام ده؟

قالت:

— لأ.

صوتها هدي فجأة.

— قفلت الباب علشان أقولك ليه أنا مرعوبة بالشكل ده.

رجعت قعدت.

وبعدين قالت:

— السنة اللي أنا وأبوكي انفصلنا فيها… أنا ماكنتش كويسة.

قلت:

— عارفة.

— لأ. إنتِ ماتعرفيش قد إيه.

سكتت شوية.

— كنت بصحى الصبح ومش عايزة أقوم من السرير. ساعات كنت أنسى آكل. أنسى أدفع الفواتير. أنسى حتى أنا قلتلك إيه قبلها بعشر دقايق.

بدأت أفتكر حاجات قديمة.

أيام كنت ألاقي ماما ساكتة بالساعات.

أيام كانت تسخن الأكل وتنساه.

أيام كنت أصحى ألاقيها قاعدة في الصالة في الضلمة.

قالت:

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى