روايات وقصص

ابن اخويا حكايات اسما السيد 2

وقفت قدام الضابطة وأنا حاسة إن الكلام مش داخل دماغي.

— يعني إيه هو اللي فتح لهم الباب؟

قالت:

مقالات ذات صلة

— بيقول إنه وصل البيت، سمع صوت خبط جاي من تحت، ونزل يشوف. لقى الأطفال  ففتح لهم.

بصيت لها ثواني.

— طب ماخدهمش معاه ليه؟ ماطلبش إسعاف؟ ماكلمش الشرطة؟

قالت:

— دي بالضبط الأسئلة اللي بنسألهاله دلوقتي.

سكتت لحظة، وبعدين أضافت:

— وفيه مشكلة تانية.

قلبي اتقبض.

— إيه؟

— هو بيقول إنه يعرف إنهم  تحت من زمان.

حسيت  ساب وشي.

— كان يعرف؟!

هزت راسها.

— ده كلامه.

— ويعرف ويسكت؟!

صوتي علي من غير ما أحس.

الممرضة بصت ناحيتنا من بعيد.

الضابطة أشارتلي أهدى علشان الأطفال.

خفضت صوتي وأنا بقول:

— مين الراجل ده؟

قالت:

— اسمه مش مهم دلوقتي بالنسبة لك. المهم إننا نعرف علاقته بالأطفال وبوالدتهم.

— طب هو قريبها؟

ترددت ثواني.

— بيقول إنه كان على علاقة بيها.

قفلت عيني.

كل حاجة بدأت تتشابك.

مرات أخويا.

الرجل الغريب.

الأطفال.

البدروم.

الكسر القديم.

قلت:

— يعني كان بيروح البيت وهي موجودة؟

— أحيانًا.

— والأطفال كانوا تحت وقتها؟

قالت:

— ده اللي محتاجين نثبته.

مسكت رأسي بإيدي.

الغضب كان بيطلع جوايا بطريقة مخيفة.

كل مرة كنت أتصل.

كل مرة تقول:

“الولاد نايمين.”

“الولاد تعبانين.”

“مش عايزين يشوفوا حد.”

يمكن في نفس الوقت كانوا تحت.

ويمكن هي كانت فوق عايشة حياتها.

قلت:

— عايزة أشوفها.

— مين؟

— مرات أخويا.

هزت راسها فورًا.

— مش دلوقتي.

— ليه؟!

— لأنها تحت الاستجواب. والأفضل مايحصلش أي مواجهة.

قلت وأنا بضغط على سناني:

— مواجهة؟ أنا عايزة أسألها سؤال واحد بس.

— إيه هو؟

نزلت دموعي وأنا بقول:

— أخويا عمل فيها إيه علشان تعمل في عياله كده؟

الضابطة ما ردتش.

يمكن لأنها عارفة إن السؤال مالوش إجابة.

رجعت عند الأطفال.

البنت الصغيرة كانت نايمة.

أما أخوها فكان صاحي، باصص للسقف.

قعدت جنبه.

قلت:

— محتاج حاجة؟

هز راسه.

بعد لحظة سأل:

— هي جت؟

عرفت يقصد مين.

قلت:

— ماما؟

هز راسه.

ترددت.

وبعدين قلت:

— الشرطة لقتها.

اتنفض جسمه الصغير.

حاول يتحرك، لكنه صرخ من رجله.

مسكته بسرعة.

— اهدا يا حبيبي، محدش هيجيبها هنا.

قال وهو بيتنفس بسرعة:

— لأ… لأ… هي هتقول إني وحش.

— مش هتقولك حاجة.

— هتقول إني بوظت كل حاجة.

مسحت على شعره.

— إنت ما بوظتش حاجة.

بصلي بعينين مليانين خوف.

— أنا وعدتها.

— وعدتها بإيه؟

سكت.

— قوللي.

قال بصوت مبحوح:

— إني مش هطلع.

حسيت حاجة اتكسرت جوايا.

— هي خلتك توعدها إنك ماتطلعش من تحت؟

هز راسه.

— قالت إن ده لعبتنا.

بلعت ريقي.

— لعبة؟

— أيوه.

قالها كأنه حافظ الكلام.

— لعبة الشاطر.

قلبي اتقبض أكتر.

— وإيه لعبة الشاطر؟

بص ناحية أخته.

وبعدين همس:

— الشاطر يقعد ساكت.

ماعرفتش أرد.

قال:

— حتى لو جعان.

سكت.

— حتى لو عايز الحمام.

سكت تاني.

— وحتى لو رجله بتوجعه.

دموعي نزلت غصب عني.

قلت:

— مين عمل لك رجلك؟

فجأة وشه اتقفل.

حوّل عينيه بعيد عني.

— وقعت.

الجملة كانت سريعة زيادة.

محفوظة زيادة.

قلت بهدوء:

— وقعت فين؟

— على السلم.

— أنهي سلم؟

ما ردش.

سألته:

— سلم البيت؟

فضل ساكت.

بعدها قال:

— ماما قالت إني وقعت.

الجملة دي كانت أهم من أي حاجة.

“ماما قالت إني وقعت.”

مش “أنا وقعت.”

خرجت من الأوضة وناديت الضابطة.

حكيت لها اللي قاله.

كتبت كل كلمة.

وبعدين قالت:

— من فضلك ماتسأليهوش أسئلة زيادة عن الإصابة. لازم حد متخصص يتكلم معاه علشان مانأثرش على شهادته.

وافقت.

لكن قبل ما تمشي سألتها:

— هو الراجل قال حاجة عن رجله؟

بصتلي.

— ليه بتسألي؟

— معرفش… بس البنت قالت إن الراجل بييجي لما أمها تمشي. يمكن شاف حاجة.

قالت:

— بالفعل قال حاجة.

قلبي دق.

— إيه؟

— قال إنه شاف الولد قبل كده بيعرج.

— إمتى؟

— من حوالي أسبوع.

فتحت بوقي من الصدمة.

— وشافه وسكت؟!

قالت:

— بيقول إنه سأل والدته، وهي قالت له إنه وقع وهو بيلعب.

ضحكت ضحكة قصيرة من العصبية.

— وكل الناس كانت بتصدقها؟

ما ردتش.

وفي اللحظة دي جه راجل بملابس مدنية، عرف نفسه إنه من فريق التحقيق.

طلب يتكلم معايا.

دخلنا أوضة جانبية.

قعد قدامي، فتح ملف، وقال:

— محتاج أسألك عن أخوكي.

استغربت.

— أخويا مات من تلات سنين.

— عارف.

— طب ليه بتسأل عنه؟

— الوفاة كانت بسبب إيه؟

قلت:

— أزمة قلبية مفاجئة.

— كان مريض قلب؟

— لأ.

بص في الورق.

— عنده تاريخ مرضي؟

— لأ… يعني على حد علمي لأ.

رفع عينه لي.

سكت.

— لا.

— ليه؟

— قالوا وفاة طبيعية. ومراته كانت منهارة. وإحنا كنا منهارين. ماحدش فكر يشك في حاجة.

كتب ملاحظة.

بدأ الخوف يتسلل لي.

قلت:

— حضرتك بتسألني الكلام ده ليه؟

قفل القلم بين صوابعه.

— الراجل اللي اتوجد مع مرات أخوكي قال حاجة محتاجين نتأكد منها.

— قال إيه؟

تردد.

— قال إن العلاقة بينهم بدأت قبل وفاة أخوكي.

اتجمدت مكاني.

— قبل وفاته؟

— حسب كلامه… آه.

حسيت معدتي اتقلبت.

قلت:

— قد إيه قبل وفاته؟

— عدة شهور.

قمت من الكرسي.

— يعني كانت ؟!

قال:

— اقعدي لو سمحتي.

قعدت بالعافية.

قلت:

— وإيه  ده  أخويا؟

ما ردش مباشرة.

وده لوحده رعبني.

قلت:

— إنتوا شاكين إن موته مش طبيعي؟

قال بحذر:

— إحنا مانتهمش حد من غير دليل. لكن أي معلومة جديدة بتخلينا نراجع الصورة كاملة.

حسيت رجلي بتترعش.

افتكرت يوم موت أخويا.

اتصلت بيا هي الصبح.

كانت بتصرخ:

“مات… أخوكي مات.”

لما وصلت، كان الإسعاف سبقني.

قالت إنه صحى من النوم تعبان.

مسك صدره.

وقع.

وانتهى كل شيء.

وأنا صدقتها.

كلنا صدقناها.

قلت:

— الراجل قال إيه بالضبط؟

المحقق فتح صفحة تانية.

— قال إنه قبل وفاة أخوكي بيومين حصلت بينهم  كبيرة.

— بين مين ومين؟

— بينه وبين مرات أخوكي.

— بسبب إيه؟

نظر لي.

— لأنها قالت له إنها عايزة تنهي .

استغربت.

— وليه؟

— حسب كلامه… أخوكي بدأ يشك.

الصمت ملأ الأوضة.

أنا حرفيًا ما بقيتش سامعة غير ضربات قلبي.

قلت:

— أخويا كان عارف؟

— احتمال.

— طب الراجل ده كان موجود يوم ما مات؟

قال:

— بيقول لأ.

— وتصديقوه؟

— إحنا بنتحقق.

سكت ثانية.

وبعدين المحقق سألني سؤال غريب:

— بعد وفاة أخوكي، حد دخل  وأخذ حاجاته الشخصية؟

فكرت.

— مراته طبعًا كانت عايشة هناك.

— أقصد أوراق… موبايل قديم… لابتوب… مفكرة؟

قلت:

— أخويا كان عنده لابتوب.

المحقق رفع عينه بسرعة.

— فين؟

— معرفش.

— شوفتيه بعد وفاته؟

حاولت أفتكر.

جنازة.

ناس داخلة وخارجة.

عيط.

فوضى.

لكن فجأة افتكرت.

بعد الوفاة بأسبوع تقريبًا، رحت البيت.

كنت عايزة آخد صور لأخويا.

دخلت أوضته القديمة.

مكتبه كان فاضي.

اللابتوب مش موجود.

سألتها وقتها.

قالت إنه باظ قبل الوفاة واترمى.

قلت للمحقق:

— قالت إنه اترمى.

سأل بسرعة:

— مين قال؟

— مرات أخويا.

كتب حاجة.

وبعدين قال:

— هل أخوكي كان بيحتفظ بنسخ احتياطية؟ فلاشات؟ هارد ديسك؟

كنت هقول معرفش.

لكن صورة ضربت دماغي.

أخويا كان بيحب يصور ولاده.

وكان دايمًا يقوللي:

“أنا بخاف الصور تضيع، عامل نسخة في كل حتة.”

قلت:

— كان عنده هارد صغير.

— تعرفي مكانه؟

هزيت راسي.

— كان بيخبيه في درج المكتب.

المحقق وقف فورًا.

— المكتب لسه موجود في البيت؟

— أعتقد آه.

طلع موبايله واتصل بحد.

قال:

— فتشوا مكتب الزوج المتوفى بدقة. الأدراج، ظهر المكتب، أي مساحة مخفية.

قفل.

وبصلي.

— لو لقينا حاجة، هنتصل بيكي.

خرجت من الأوضة وأنا تايهة.

رجعت عند الأطفال.

لقيت البنت صحيت.

كانت ماسكة دبدوب صغير ادتهولها الممرضة.

قعدت جنبها.

قالتلي:

— أنا عايزة بابا.

عيني دمعت.

حضنتها بحذر.

— وأنا كمان.

رفعت وشها.

— ماما قالت بابا مش هييجي.

— بابا عند ربنا يا حبيبتي.

قالت:

— عارفة.

وبعدين سكتت لحظة.

وقالت:

— بس بابا كان بيكلم أخويا.

اتجمدت.

بصيتلها.

— إمتى؟

أشارت ناحية أخوها.

— لما كان بيعيط تحت.

قلبي خبط بقوة.

قلت:

— بابا كان بيكلمه إزاي؟

قالت بكل براءة:

— من الحيطة.

حسيت قشعريرة في جسمي.

— من الحيطة؟

هزت راسها.

— أخويا كان يحط ودنه ويقول: “بابا سابها هنا.”

بصيت ناحية سرير أخوها.

هو كان صاحي.

وسمع كلامها.

وشه اتغير فورًا.

قلت:

— ساب إيه يا حبيبي؟

قال بسرعة:

— مفيش.

— أختك بتقول بابا ساب حاجة في الحيطة.

— هي صغيرة… بتقول كلام.

لكن لأول مرة من ساعة ما شفته…

حسيت إنه مش خايف من أمه.

كان خايف من السؤال نفسه.

قربت منه.

— أنا مش هضغط عليك.

سكت.

وبعدين دمعة نزلت من عينه.

قال:

— بابا قال محدش يشوفها غيرك.

نفسي وقف.

— إيه اللي محدش يشوفه غيري؟

بصلي مباشرة.

وقال:

— الحاجة اللي حطها في الحيطة قبل ما يموت.

في اللحظة نفسها…

موبايل المحقق رن بره الغرفة.

رد.

سمعت صوته يعلى:

— لقيتوها؟

سكت.

وبعدين دخل علينا بسرعة.

وشه كان متوتر.

قال لي:

— محتاج تيجي معايا.

وقفت.

— فين؟

— البيت.

— ليه؟

بص ناحية الطفل.

وبعدين رجع بصلي.

— لأن الفريق لقى تجويف متقفل جوه حيطة المخزن.

قلبي وقف.

سألته:

— جواه إيه؟

قال:

— لسه ما فتحناهوش.

وبعدين أضاف:

— بس مكتوب عليه اسمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى