بنتي الوحيده حكايات اسما 3

فضلت ماسكة الصورة بإيد بتترعش.
— نفس الدكتور؟
بنتي هزت راسها.
— أيوه.
— إنتِ متأكدة؟
— عمري ما نسيت وشه.
بصيت للصورة تاني.
الجزء المقطوع ماكانش سايب غير طرف كتف راجل وبالطو أبيض.
قلت:
— طب لو هو موجود في الصورة… ليه حد قصه؟
بنتي ردت:
— علشان محدش يعرف إنه كان موجود من البداية.
اتنهدت وأنا حاسة إن كل ذكرى في حياتي بقت مشكوك فيها.
ولادتي.
بنتي.
جوزي.
حتى جنازتها.
قلت:
— اسمه إيه؟
بنتي سكتت.
— اسم الدكتور إيه؟
قالت:
— أنا فاكرة لقب بس.
— إيه؟
— كانوا بينادوه “الدكتور الكبير”.
بصيت لها باستغراب.
— دي مش معلومة.
— عارفة، بس ده اللي كنت بسمعه.
الطفل اتحرك في حضنها، فهديته بإيدها.
أنا بصيت له.
— الطفل ده ابن سلمى فعلًا؟
بنتي شدته لصدرها.
— أيوه.
— وأبوه فين؟
سكتت.
— فين؟
قالت:
— دي قصة تانية.
قلت بعصبية:
— مفيش قصة تانية. من اللحظة دي مفيش أسرار.
بصتلي في عيني.
— أبوه هو السبب إن سلمى اختفت.
قلبي وقع.
— مين أبوه؟
قالت:
— ابن الراجل اللي كان هنا.
اتجمدت.
— ابن اللي هرب؟
هزت راسها.
— أيوه.
حطيت إيدي على جبيني.
— يعني سلمى اتجوزت ابنه؟
قالت:
— لأ.
— أمال؟
نزلت عينيها.
— كانت مرتبطة بيه.
— وهو عارف إن عنده ابن؟
— عارف.
— وعايز الطفل؟
— أكتر مما تتخيلي.
سكتنا لحظة.
وبعدين افتكرت المكالمة.
قلت:
— سلمى قالتلي ماصدقش حد في … حتى إنتِ.
وشها اتغير.
— قالت كده؟
— أيوه.
ابتلعت ريقها.
— كانت خايفة.
— منك؟
— لأ.
— أمال ليه تحذرني منك؟
سكتت.
قربت منها.
— إنتِ مخبية إيه؟
قالت بسرعة:
— مفيش.
ضحكت بسخرية.
— واضح إن دي الكلمة المفضلة في العيلة دي.
بصت للباب.
— إحنا لازم نمشي من المستشفى.
— مش قبل ما الأمن يمسك الراجل.
— هو مش هيتقبض عليه.
— ليه؟
— لأن عنده ناس هنا.
وقتها الباب اتفتح.
دخل الدكتور اللي كان معانا من أول ما جيت.
قال:
— الأمن بيدور عليه، بس للأسف خرج من باب جانبي.
بنتي بصتلي كأنها بتقول: شوفتِ؟
الدكتور قرب.
— وكمان لازم أنبهكم لحاجة.
قلت:
— إيه؟
قال:
— فيه شخص سأل عن الحالة من شوية.
— مين؟
— قال إنه قريبها.
بنتي وشها اصفر.
— اسمه إيه؟
الدكتور بص في الورقة.
— قال اسمه كريم.
بنتي قامت واقفة فجأة.
الطفل بدأ يعيط.
قلت:
— مين كريم؟
قالت:
— أبو الطفل.
أنا بصيت للدكتور.
— هو هنا؟
قال:
— كان هنا من عشر دقايق.
— ودخل؟
— لأ، الاستقبال رفض من غير إذن.
بنتي بدأت تجمع حاجتها بسرعة.
قلت:
— إنتِ بتعملي إيه؟
— هنمشي.
— إنتِ لسه تعبانة.
— لو فضلنا هنا، الطفل هيتاخد.
الدكتور قال:
— حالتك فعلًا محتاجة متابعة.
هي ردت:
— أمضي خروج على مسؤوليتي.
قلت:
— مش هنخرج نجري وإحنا مش فاهمين حاجة.
بنتي قربت مني.
— ماما، أنا ضيعت تلتاشر سنة بعيد عنك. مش مستعدة أضيع ابن أختي كمان.
أول مرة لما قالت “ماما” حسيت الكلمة دخلت قلبي بدل ما تخوفني.
مديت إيدي ولمست وشها.
كانت دافية.
حقيقية.
مش حلم.
قلت بصوت واطي:
— اسمك إيه دلوقتي؟
اتكسرت ملامحها.
— إيه؟
— الاسم اللي عيشتي بيه السنين دي.
سكتت.
— مش معقول فضلتِ باسمك الحقيقي.
هزت راسها.
— لأ.
— كان إيه؟
قالت:
— مريم.
كررت:
— مريم.
ابتسمت وسط دموعها.
— بس أنا عمري ما حبيته.
— ليه؟
— علشان كل ما حد كان يناديني بيه، كنت أحس إنه بيكلّم واحدة غيري.
حضنتها.
أنا اللي قربت المرة دي.
جسمها اتخشب لحظة.
وبعدين انهارت في حضني.
كانت بتعيط زي طفلة.
— وحشتيني يا ماما.
ضمّيتها أكتر.
أنا كمان كنت بعيط.
— ليه سبتيني كل ده؟
— كنت خايفة.
— وأنا؟
— كنت فاكرة إني بحميكي.
بعد ثواني بعدت عنها.
— خلاص. من النهارده مفيش حماية بالكذب.
هزت راسها.
— حاضر.
قلت:
— أول حاجة، هنروح الشرطة.
وشها اتغير.
— لأ.
— ليه؟
— مش دلوقتي.
— ليه؟
قالت:
— علشان سلمى عندها دليل لو اتفتح رسمي قبل ما نلاقيها… ممكن يقتلوها.
سكت.
— دليل على إيه؟
— على كل حاجة.
— إيه كل حاجة؟
بصت للدكتور.
وبعدين قالت:
— على شبكة تزوير شهادات ميلاد ووفاة بقالها أكتر من عشرين سنة.
حسيت بقشعريرة.
— والدكتور؟
— واحد منهم.
— وأبوكي؟
سكتت.
قلت:
— كان واحد منهم؟
قالت:
— في البداية أيوه.
رجعت خطوة.
— جوزي كان بيبيع أطفال؟
قالت بسرعة:
— لأ. على الأقل مش اللي أنا عرفته.
— أمال كان بيعمل إيه؟
— كان بيظبط ورق.
— ورق إيه؟
— هويات جديدة، شهادات وفاة، شهادات ميلاد…
وقفت مكاني.
— زي اللي عملوهولك.
هزت راسها.
— بالظبط.
قلت:
— يعني اللي عمله في ناس… رجع واتعمل في بنته؟
عينها دمعت.
— أيوه.
سكتنا.
بعدين سألت:
— سلمى عرفت الكلام ده منين؟
قالت:
— من بابا.
— إمتى؟
— قبل ما يموت.
دي كانت مفاجأة جديدة.
— هو قابلها؟
— أيوه.
— إمتى؟
— قبل وفاته بشهور.
حسيت كأني بتخبط من كل ناحية.
— يعني جوزي قابل البنت اللي سرقها مني… وماقالليش؟
— كان ناوي يقولك.
ضحكت.
— الجملة دي بقت ملهاش معنى.
قالت:
— بس حد سبقه.
— مين؟
— الدكتور.
قلت:
— عمل إيه؟
— هدد بابا إن لو اتكلم، هيكشف كل اللي عمله زمان.
— وبعدين؟
— بابا مات.
سكتت.
أنا رفعت عيني لها.
— بتقوليها كأنها مش موتة طبيعية.
بنتي ما ردتش.
قلت:
— أبوكي مات بسبب المرض.
— ده اللي اتقالك.
أنا صرخت:
— كفاية!
حتى الدكتور اتخض.
قلت:
— مش كل موتة في حياتي هتطلع كدبة!
بنتي كانت بتبصلي بحزن.
— ماما…
— أنا كنت معاه آخر أيامه!
— عارفة.
— كان عنده تعب في القلب!
— عارفة.
— والدكتور قال…
وقفت.
بنتي بصتلي.
أنا حسيت الدم جمد في عروقي.
— الدكتور…
قلت بصوت واطي:
— مين الدكتور اللي كان بيتابع أبوكي قبل ما يموت؟
بنتي ما ردتش.
لأنها عرفت إني افتكرت.
أنا نفسي افتكرت.
نفس الاسم.
نفس العيادة.
نفس الراجل اللي كان جوزي رافض يغيره رغم إني كنت شايفة علاجه مش جايب نتيجة.
بصيت لبنتي.
— هو؟
هزت راسها.
— أيوه.
قعدت على الكرسي.
— يعني نفس الدكتور حضر ولادتي…
— أيوه.
— وكتب وفاة بنتي…
— أيوه.
— وعالج جوزي قبل موته…
— أيوه.
حطيت إيدي على بوقي.
— يا نهار أسود.
في اللحظة دي تليفوني رن.
بصيت للشاشة.
رقم غريب.
بنتي قالت:
— ماترديش.
قلت:
— يمكن سلمى.
رديت.
— ألو؟
محدش اتكلم.
ثواني.
وبعدين سمعت صوت راجل كبير.
— مدام؟
قلت:
— مين؟
— أنا محتاج أقابلك.
— مين حضرتك؟
قال:
— الشخص اللي جوزك كتب اسمه ورا الصورة.
جسمي اتجمد.
بصيت للصورة.
“الحقيقة عند فؤاد.”
قلت:
— إنت فؤاد؟
قال:
— أيوه.
بنتي قربت مني.
قلت:
— إنت فين؟
قال:
— قبل ما أقولك، لازم أعرف حاجة.
— إيه؟
— الراجل اللي كان عندك في المستشفى لسه معاكي؟
قلت:
— لأ، هرب.
فؤاد سكت.
وبعدين قال:
— يبقى عندنا وقت قليل.
قلت:
— سلمى فين؟
قال:
— لو كنت أعرف كنت جبتها.
— إنت تعرفها؟
— أنا اللي ربيتها.
بصيت لبنتي.
هي شهقت.
قلت:
— إنت اللي ربيت بنتي؟
— أيوه.
نبرة صوته اتكسرت.
— وأنا آسف.
قلت:
— آسف؟!
— مش وقت الحساب.
— بالنسبة لي جه وقته.
قال:
— لو عايزة بنتك التانية ترجعلك حية، اسمعيني.
سكت.
قال:
— ماتروحيش بيتك.
— ليه؟
— مراقب.
— عرفت منين؟
— لأن الراجل اللي خرج من عندك من شوية كلمني.
قلبي وقع.
— قالك إيه؟
— قاللي أرجع الطفل.
— وإنت مالك بالطفل؟
فؤاد سكت لحظة.
وبعدين قال:
— لأن الطفل ده السبب في كل اللي بيحصل.
قلت:
— ليه؟
قال:
— لأن أبوه مش الشخص اللي بنتك فاكرة إنه أبوه.
بصيت لمريم.
هي كانت سامعة.
وشها اتغير.
قالت:
— كداب.
أنا سألت فؤاد:
— أمال أبوه مين؟
سمعنا نفسه على الناحية التانية.
ثم قال:
— أبوه الحقيقي…
وسكت.
— قول!
قال:
— ابن الدكتور.
الأوضة كلها سكتت.
مريم همست:
— مستحيل.
فؤاد كمل:
— وسلمى اكتشفت الحقيقة من تحليل نسب عملته من غير ما حد يعرف.
قلت:
— يعني كريم مش أبوه؟
— لأ.
— طب كريم عايز الطفل ليه؟
قال:
— لأنه فاكر إنه ابنه.
مريم قربت من التليفون.
— إنت بتكدب!
فؤاد عرف صوتها.
— مريم؟
هي اتجمدت.
— إنت عارفني؟
قال:
— أعرف عنك أكتر مما تتخيلي.
قالت:
— فين سلمى؟
— معرفش.
— إنت اللي ربيتها، يبقى إنت آخر واحد أثق فيه.
سكت لحظة.
ثم قال:
— عندك حق.
أنا قلت:
— فين نقابلك؟
أداني عنوان لمخزن قديم خارج المدينة.
مريم هزت راسها بعنف.
— لأ. ده فخ.
فؤاد سمعها.
— لو كنت عايز أأذيكم، كان زمان الناس اللي بره المستشفى دخلوا عليكم.
مريم بصت ناحية الشباك.
— ناس إيه؟
سكت.
مشت للشباك بسرعة.
أنا قربت.
في الناحية التانية من الشارع كان فيه عربية سودا واقفة.
جواها راجلين.
واحد منهم ماسك موبايل وباصص ناحية الدور بتاعنا.
مريم سحبتني لورا.
— لازم نمشي من مخرج تاني.
الدكتور قال:
— فيه باب خدمة في آخر الممر.
قلت لفؤاد:
— هقابلك.
مريم بصتلي.
قفلت المكالمة.
قالت:
— ماما، إحنا منعرفش ده مين.
قلت:
— وأنا عمري ضاع وأنا بخاف أسأل مين.
بصيت للطفل.
— المرة دي هنفهم كل حاجة.
خرجنا من باب الخدمة.
الدكتور ساعدنا نوصل للجراج الخلفي.
ركبنا عربيتي.
مريم قعدت ورا ومعاها الطفل.
أنا دورت العربية.
لكن قبل ما أتحرك…
لقيت ظرف أبيض محطوط تحت المسّاحة قدام الزجاج.
نزلت بسرعة وجبته.
مريم قالت:
— ماتفتحيهوش!
فتحته.
جواه فلاشة صغيرة.
وورقة.
سطر واحد بس:
“لو قابلتي فؤاد، ماتشربيش أي حاجة عنده.”
وتحت الجملة…
اسم واحد.
اسم أنا مستحيل أنساه.
اسم صاحبة بنتي اللي افتكرت إنها ماتت مكانها من تلتاشر سنة.
بصيت لمريم.
قلت:
— صاحبتك اللي دفناها…
وشها اتغير.
— مالها؟
ناولتها الورقة.
قرأتها.
إيديها بدأت ترتعش.
لأن المكتوب تحت التحذير كان:
“أنا عايشة.”
مريم رفعت عينيها لي.
— مستحيل…
قلت:
— يعني مين اللي في القبر؟
وفجأة الطفل في حضنها بدأ يصرخ.
مريم حاولت تهديه.
لكن وهي بتحرك البطانية…
وقع منها شيء صغير على كرسي العربية.
قطعة معدن.
جهاز صغير جدًا.
مسكته.
قالت:
— إيه ده؟
بصيت له.
كان عليه ضوء أحمر بيومض.
مريم وشها شحب.
— جهاز تتبع.
بصت للطفل.
ثم لي.
وقالت:
— ماما… هم مش بيراقبونا من بره المستشفى.
سكتت.
— هم كانوا عارفين مكان الطفل طول الوقت.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت عربية بتدور بسرعة خلفنا.
بصيت في المراية.
العربية السودا كانت داخلة الجراج.
مريم صرخت:
— دوسي يا ماما!
حطيت العربية على الحركة وانطلقت.
لكن قبل ما نخرج من بوابة الجراج…
تليفون مريم وصلته رسالة.
فتحتها.
وكان فيها صورة لينا إحنا الاتنين جوه العربية.
متصورة من ثواني.
وتحتها جملة واحدة:
“وصّلوا الطفل للدكتور… وإلا سلمى مش هتشوف الصبح.”
يتبع…
مريم فضلت باصة للرسالة على شاشة الموبايل ووشها بقى أبيض.
“وصّلوا الطفل للدكتور… وإلا سلمى مش هتشوف الصبح.”
أنا بصيت في المراية.
العربية السودا لسه ورانا.
قلت:
— امسكي الطفل كويس.
مريم صرخت:
— ماما، هما وراكي!
— شايفاهم.
— اعملي حاجة!
— بعمل.
لفيت في أول شارع جانبي بسرعة.
العربية السودا دخلت ورانا.
مريم كانت بتبص من الشباك الخلفي وهي بتتنفس بسرعة.
— بيقربوا!
قلت:
— عندك الجهاز؟
رفعت جهاز التتبع الصغير.
— أيوه.
مديت إيدي.
— اديهولي.
— هتعملي بيه إيه؟
— اديهولي بس.
أخدته منها.
قدامنا كانت فيه عربية نقل صغيرة ماشية ببطء.
قربت منها ناحية اليمين.
فتحت الشباك.
مريم قالت:
— ماما إنتِ بتعملي إيه؟!
استنيت لحد ما بقينا جنب صندوق العربية النقل…
ورميت جهاز التتبع جوه.
مريم فتحت بوقها.
— إنتِ عرفتي تعملي كده منين؟
قلت وأنا ببص للطريق:
— لما تعيشي تلتاشر سنة وإنتِ فاكرة بنتك ماتت، بتتعلمي إن الخوف مالوش لازمة.
بعد ثواني، العربية النقل كملت في اتجاه…
وأنا أخدت شارع تاني.
العربية السودا وقفت لحظة.
وبعدين كملت ورا النقل.
مريم شهقت.
— راحوا وراه!
قلت:
— مؤقتًا.
اتنهدت.
لكن أنا ما ارتحتش.
لأن السؤال الحقيقي ماكانش مين بيتابعنا.
السؤال كان:
مين حط جهاز التتبع في بطانية الطفل أصلًا؟
بصيت لمريم في المراية.
— مين لمس الطفل النهارده؟
قالت:
— أنا… والممرضات.
— وكريم؟
— لأ.
— والراجل اللي كان عندنا؟
سكتت.
قلت:
— لمس الطفل؟
هزت راسها.
— قبل ما تيجي… أيوه.
قلبي انقبض.
— يعني هو اللي ممكن يكون حطه.
قالت:
— ممكن.
قلت:
— أو حد في المستشفى.
مريم بصتلي.
— إنتِ شاكّة في الدكتور اللي كان معانا؟
— أنا بقيت شاكّة في كل حد.
سكتنا.
وبعدين سألتها:
— عنوان فؤاد بعيد؟
— حوالي نص ساعة.
قلت:
— مش هنروح له.
اتفاجئت.
— مش إنتِ اللي قولتي هنقابله؟
— غيرت رأيي.
— ليه؟
— علشان اللي كتب الورقة قال مانشربش عنده حاجة.
— يمكن حد بيحاول يخوفنا منه.
— ويمكن حد بيحاول ينقذنا.
مريم حضنت الطفل أكتر.
— طب هنروح فين؟
قلت:
— مكان محدش يتوقعه.
— فين؟
بصيت لها في المراية.
— المقابر.
وشها اتغير.
— مقابر مين؟
قلت:
— قبرك.
سكتت تمامًا.
بعد حوالي أربعين دقيقة وقفنا قدام المقابر.
المكان كان شبه فاضي.
الجو قرب يليل.
مريم نزلت وهي شايلة الطفل.
وقفت قدام البوابة كأن رجليها رفضت تتحرك.
قلت:
— مالك؟
قالت:
— أنا عمري ما جيت هنا.
بصيت لها.
— ولا مرة؟
— كنت ممنوعة.
— من مين؟
— كلهم.
مشينا لحد القبر.
أنا كنت عارفة الطريق من غير ما أبص.
تلتاشر سنة وأنا باجي هنا.
في عيد ميلادها.
في ذكرى موتها.
لما كنت بزعل.
لما أفرح وأحس بالذنب إني فرحت وهي مش موجودة.
وقفت قدام القبر.
الاسم كان محفور.
اسم بنتي.
تاريخ ميلادها.
وتاريخ وفاتها.
مريم بصت للاسم.
مدت إيدها على الحجر.
وبدأت تعيط.
— أنا مدفونة هنا وأنا واقفة قدامك.
ماعرفتش أرد.
قلت بعد شوية:
— صاحبتك كان اسمها إيه؟
مريم بصتلي.
— ليلى.
— وأهلها؟
ملامحها اتشدت.
— ماكانش ليها حد تقريبًا.
— يعني إيه؟
— أبوها كان ميت، وأمها عايشة برا ومقطوعة عنها.
قلت:
— وعلشان كده كانت سهلة تختفي؟
بصت للأرض.
— أظن.
أنا طلعت الورقة من جيبي.
“أنا عايشة.”
قلت:
— لو ليلى عايشة…
بصينا للتراب.
— يبقى مين هنا؟
مريم همست:
— لازم نفتح القبر.
بصيت لها بسرعة.
— إحنا مش هنفتح قبر بإيدينا.
— أمال هنعرف إزاي؟
قلت:
— رسمي.
ضحكت بمرارة.
— رسمي؟ بعد كل اللي عرفناه؟
— أيوه. لازم نبدأ نعمل حاجة صح.
سكتت.
لكن فجأة الطفل بدأ يتحرك بعصبية.
مريم بصت له.
— مالك يا حبيبي؟
مدت إيدها جوه البطانية.
وبعدين وقفت.
— ماما…
قلت:
— إيه؟
طلعت ورقة صغيرة كانت مخبية بين طبقات البطانية.
أنا قربت.
— دي كانت موجودة؟
— والله أول مرة أشوفها.
فتحتها.
كان مكتوب:
“القبر اتفتح قبل كده.”
بصينا لبعض.
قلت:
— يعني إيه؟
مريم قلبت الورقة.
وراها تاريخ.
من ست شهور.
قالت:
— قبل ما سلمى تختفي.
أنا بصيت للقبر.
لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.
الأسمنت حوالين طرف الرخامة…
كان لونه مختلف شوية.
أحدث.
قربت.
لمسته.
مريم قالت:
— ماما…
قلت:
— حد فتحه فعلًا.
سمعنا صوت ورا ضهرنا:
— وكان لازم يفضل مقفول.
لفينا بسرعة.
كان فيه راجل كبير واقف بعيد شوية.
لابس جاكيت غامق.
وشعره أبيض.
مريم حضنت الطفل.
قلت:
— إنت مين؟
قال:
— فؤاد.
أنا اتجمدت.
— إنت إزاي عرفت إننا هنا؟
قال:
— ماعرفتش. كنت جاي لوحدي.
مريم قالت:
— صدفة يعني؟
فؤاد بص لها.
— مفيش صدفة في اللي حصل لكم.
قلت:
— ماتقربش.
وقف مكانه.
— مش هقرب.
طلعت الصورة من شنطتي.
— إنت اللي ربيت سلمى؟
قال:
— أيوه.
— وهي فين؟
— لو كنت أعرف، ماكنتش هاجي هنا.
قلت:
— جاي تعمل إيه؟
بص للقبر.
— أتأكد إن الحاجة لسه موجودة.
مريم قالت:
— حاجة إيه؟
سكت.
أنا قلت:
— القبر اتفتح من ست شهور.
ملامحه اتغيرت.
— مين قالك؟
رفعت الورقة.
— دي.
قرب بعينه منها.
— مين حطها؟
— مش عارفين.
فؤاد تنفس ببطء.
— يبقى سبقونا.
قلت:
— سبقونا لإيه؟
بص للقبر.
— جوزك حط هنا حاجة قبل ما .
قلبي دق.
— إيه؟
— ملف.
مريم قالت:
— ملف إيه؟
— أسماء.
— أسماء مين؟
فؤاد قال:
— كل الأطفال اللي اتغيرت هوياتهم.
أنا حسيت بطني اتقبض.
— يعني سلمى كانت واحدة منهم؟
— أيوه.
— وفي غيرها؟
بصلي.
— عشرات.
مريم قالت:
— والدكتور؟
قال:
— اسمه في الملف.
أنا سألت:
— والراجل اللي كان في المستشفى؟
فؤاد قال:
— اسمه كمان.
— وإنت؟
سكت.
قلت:
— إنت اسمك موجود؟
قال:
— أيوه.
مريم رجعت خطوة.
— يبقى إنت واحد منهم.
قال:
— كنت.
قلت:
— “كنت” ما تمسحش اللي عملته.
— عارف.
سكتنا.
بعدين قلت:
— مين في القبر؟
فؤاد بصلي نظرة غريبة.
— إنتِ لسه فاكرة إن فيه حد؟
اتجمدت.
— قصدك إيه؟
قال:
— لما القبر اتفتح من ست شهور…
سكت.
مريم قالت:
— قول!
— كان فاضي.
أنا حسيت إني مش سامعة صح.
— إيه؟
— الجثمان اتشال.
قلت:
— مين شاله؟
— معرفش.
— وإزاي عرفت؟
قال:
— سلمى هي اللي فتحته.
مريم شهقت.
— سلمى؟
— أيوه.
— ليه؟
فؤاد قال:
— لأنها كانت بتدور على الملف.
قلت:
— لقيته؟
— لأ.
— يبقى مين أخده؟
قال:
— جوزك ماحطش الملف جوه التابوت.
— أمال فين؟
بص للحجر.
— تحت شاهد القبر.
مريم نزلت بسرعة عند الحجر.
أنا صرخت:
— استني!
لكنها كانت بدأت تبص حوالين القاعدة.
فؤاد قرب خطوة.
— الناحية اليمين.
بصيت له.
— قولتلك ماتقربش.
وقف.
مريم حركت قطعة حجر صغيرة.
وتحتها كان فيه تجويف ضيق.
مدت إيدها.
وطلعت كيس بلاستيك قديم ملفوف كويس.
قالت:
— فيه حاجة.
أنا قلبي دق بعنف.
فتحنا الكيس.
كان فيه مفتاح صغير.
مش ملف.
فؤاد وشه تغير.
— لأ…
قلت:
— إيه؟
— ده مفتاح خزنة.
مريم قلبته.
كان عليه رقم محفور.
قلت:
— خزنة فين؟
فؤاد سكت.
— إنت عارف.
قال:
— عارف.
— فين؟
رفع عينه لي.
— المستشفى القديمة اللي ولدتي فيها.
أنا حسيت بقشعريرة.
— المستشفى اتقفلت من سنين.
— عارف.
مريم قالت:
— والخزنة لسه هناك؟
فؤاد قال:
— لو محدش لقاها.
قلت:
— هنروح.
قال بسرعة:
— لأ.
بصيت له.
— ليه؟
— لأن لو سلمى لقت المفتاح قبلنا، كانت راحت هناك.
— وده معناه إيه؟
قال:
— معناه إن آخر مكان ممكن تكون اختفت منه…
هو المستشفى.
مريم الطفل.
— يبقى نروح دلوقتي.
فؤاد بص للطفل.
وبعدين قال:
— الطفل مينفعش ييجي.
مريم شدت عليه.
— مش هسيبه.
— لو الناس اللي بندور عليهم هناك…
— مش هسيبه.
أنا قلت:
— هييجي معانا.
فؤاد هز راسه.
— إنتوا مش فاهمين.
قلت:
— فهمنا.
قال:
— لأ.
قرب سنة صغيرة.
— الطفل ده مش بس ابن سلمى.
مريم قالت بعصبية:
— عارفين حكاية النسب.
فؤاد بص لها.
— مش دي المشكلة.
سكتنا.
قال:
— الطفل اتولد في نفس المستشفى القديمة.
بصيت له.
— المستشفى مقفولة من سنين.
قال:
— قدام الناس.
جسمي كله قشعر.
— يعني إيه؟
— فيه جناح تحت الأرض لسه شغال.
مريم همست:
— شغال في إيه؟
فؤاد بص للطفل.
— نفس الشغل القديم.
أنا قلت:
— تغيير هويات؟
قال:
— وأكتر.
سكت للحظة.
— سلمى دخلت هناك وهي حامل.
مريم فتحت عينيها.
— ليه؟
— لأنها كانت بتحاول تجمع دليل.
— وخرجت بالطفل؟
— أيوه.
— وبعدين اختفت؟
فؤاد هز راسه.
— بعد أسبوعين.
قلت:
— ليه كانوا عايزين الطفل؟
فؤاد بصلي مباشرة.
— لأن تحليل النسب اللي عملته سلمى ماكشفش بس مين أبوه.
— أمال كشف إيه؟
قال:
— كشف إن الأب الحقيقي قريب دم مباشر من الراجل اللي ماسك الشبكة كلها.
مريم سألت:
— الدكتور؟
قال:
— لأ.
أنا قلت:
— مين؟
فؤاد فتح بوقه…
لكن صوت عربية قرب من المقابر.
اتلفتنا.
نور عالي ظهر عند البوابة.
فؤاد قال بسرعة:
— اطّفوا الموبايلات.
مريم قالت:
— مين دول؟
— مش وقت أسئلة.
مسك إيدي.
أنا سحبتها.
— ماتلمسنيش.
قال:
— لو فضلتوا هنا هياخدوا الطفل.
سمعنا أبواب عربيات بتتفتح.
أكتر من باب.
فؤاد أشار ناحية ممر ضيق بين القبور.
— من هنا.
جرينا.
مريم قدامي والطفل في حضنها.
أنا وراها.
فؤاد ورايا.
سمعت صوت راجل بينادي:
— دوروا ناحية القبر!
عرفت الصوت.
نفس الراجل اللي هرب من المستشفى.
جرينا لحد باب حديد صغير في آخر المقابر.
فؤاد فتحه بمفتاح كان معاه.
خرجنا على أرض فضاء.
عربيته كانت مركونة بعيد.
ركبنا.
وأول ما اتحرك…
قلت:
— المستشفى.
فؤاد بصلي في المراية.
— متأكدة؟
قلت:
— آه.
— لو دخلنا، مفيش رجوع.
ضحكت ضحكة باردة.
— أنا رجعت بنتي من النهارده.
— مفيش حاجة بعد كده.
بعد ساعة تقريبًا وصلنا.
المستشفى القديمة كانت واقفة وسط الضلمة.
مبنى مهجور.
شبابيك مكسورة.
بوابة صدية.
مريم قالت:
— مستحيل حد يكون شغال هنا.
فؤاد قال:
— اللي شغال مش فوق.
دخلنا من باب جانبي.
ريحة التراب والرطوبة خنقتني.
مشينا في ممرات طويلة.
وفجأة وقفت.
قدامي باب قديم.
عرفته.
قلت:
— أنا كنت هنا.
مريم بصتلي.
— إيه؟
— دي كانت الولادة.
فؤاد قال:
— لأ.
بصيت له.
— أنا فاكرة.
قال:
— اللي ولدتِ فيها كانت تحت.
— مستحيل.
— إنتِ كنتِ لما نقلوكي.
سكت.
مشينا لحد سلم خدمة قديم.
نزلنا.
دور.
اتنين.
تلاتة.
وفي الآخر…
وصلنا لباب معدني.
فؤاد كتب رقم على لوحة صغيرة.
الباب فتح.
نور أبيض قوي ظهر.
مريم شهقت.
المكان تحت كان نضيف.
ممرات.
أجهزة.
أبواب حديثة.
مش مستشفى مهجورة.
مكان شغال.
قلت:
— يا نهار أبيض…
فؤاد أشار:
— الخزن في آخر الممر.
مشينا بسرعة.
لقيناها.
دخلت المفتاح.
فتح.
جواها ملف أسود.
وفلاشة.
وظرف مكتوب عليه اسمي.
إيدي اترعشت.
فتحت الظرف.
كان بخط جوزي.
“لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكي.”
بدأت أقرأ.
“سامحيني على كل حاجة. بنتنا التانية ما اتاخدتش علشان أحميها.”
وقفت.
مريم قربت.
— كملي.
دموعي نزلت.
كملت:
“أنا سلمتها.”
مريم حطت إيدها على بوقها.
أنا قريت:
“لكن مش للناس اللي فاكرة إنهم أخدوها.”
قلبي دق.
“سلمى اتسلمت لشخص كنت فاكر إنه هيربيها بعيد عن الخطر.”
بصيت لفؤاد.
قال:
— أنا.
كملت القراءة.
“فؤاد ماكانش يعرف الحقيقة كلها.”
فؤاد اتجمد.
“لأن سلمى ماكنتش بنتي.”
الأرض اتحركت تحت رجلي.
قلت:
— إيه؟
مريم قالت:
— مستحيل.
كملت وأنا مش شايفة من الدموع:
“التوأم اللي اتولد يومها كان بنتنا… وبنت لست تانية.”
أنا وقفت.
— يعني إيه؟
مريم خطفت الورقة تقريبًا.
قرأت.
“حصل تبديل وقت الولادة.”
قالت:
— لأ…
أنا قلت:
— يبقى مين بنتي؟
قلبنا الصفحة.
وكان فيه سطر أخير:
“بنتك الحقيقية هي البنت اللي عاشت معاكي واحد وعشرين سنة.”
بصيت لمريم.
وشها انهار.
قلت:
— يعني إنتِ بنتي فعلًا.
هي بكت.
لكن الجملة اللي بعدها…
كانت أسوأ.
“أما سلمى… فهي بنت الدكتور.”
فؤاد قال:
— إيه؟!
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت تصفيق بطيء ورا ضهرنا.
لفينا.
كان فيه راجل كبير واقف عند باب الممر.
بالطو أبيض.
شعر فضي.
وعصاية في إيده.
ابتسم.
وقال:
— أخيرًا وصلتي للحقيقة.
أنا عرفت وشه فورًا.
رغم السنين.
الدكتور اللي ولدني.
الدكتور اللي قاللي عندك بنت واحدة.
الدكتور اللي كتب شهادة وفاة بنتي.
بص لمريم.
ثم للطفل.
وقال:
— هاتوا حفيدي.
مريم حضنت الطفل أكتر.
أنا وقفت قدامها.
قلت:
— حفيدك إزاي؟
ابتسم.
— لأن سلمى بنتي.
سكت لحظة.
ثم أشار لمريم.
— وهي…
ابتسامته اختفت.
— مش بنتك.
أنا صرخت:
— الورقة بتقول إنها بنتي!
قال:
— الورقة كتبها جوزك بناءً على اللي كان فاكره.
وقرب خطوة.
— لكنه مات قبل ما يعرف آخر تبديل حصل ليلة الولادة.
قلبي وقف.
قلت:
— آخر تبديل إيه؟
الدكتور بص لمريم.
وقال:
— البنت اللي ربيتيها واحد وعشرين سنة…
سكت.
— اتبدلت هي كمان.
مريم همست:
— أنا مين؟
الدكتور ابتسم.
— إنتِ البنت التالتة.
يتبع…







