عام

قصة مارجريت حنا فتاة الأسكندرية

في سبعينيات القرن الماضي، عاشت مدينة الإسكندرية واحدة من أكثر الحكايات رعىباً وإثىارة للجىدل، الحكاية التي ظل الأهالي يتناقلونها لعقود طويلة باسم “عىفريتة الشاطبي”. بدأت القصة مع سائق تاكسي اعتاد أن يعمل في ساعات متأخرة من الليل، وفي إحدى الليالي الباردة، بينما كان يسير في شارع هادئ بمنطقة الإبراهيمية، ظهرت أمامه فتاة شابة لا يتجىاوز عمرها العشرين. كانت شاحبة الوجه، ترتدي ملابس بسيطة،

 

وطلبت منه بصوت خافت أن يوصلها إلى منطقة الشاطبي. ركبت في المقعد الخلفي، وجلست بلا حركة، لا تنطق ولا تلتفت، ولم يظهر عليها أثر التنفس أو التعب. لاحظ السائق أن الجو داخل السيارة أصبح أثقل وأبرد، لكنه استمر في القيادة حتى وصل إلى بوابة حديدية ضخمة في الشاطبي. هناك نزلت الفتاة، وألقت عليه جملة قصيرة باردة: “انتظرني هنا”. فتحت البوابة ودخلت. انتظرها طويلاً. مرّت عشر دقائق ثم نصف ساعة، ولم تعد.

نزل ينادي عليها، واقترب من البوابة، فاكتشف أنه يقف أمام مقاىر المسيحيين. تردّد صدى صوته داخل المكان الخالي، ولم يجبه أحد. تقدّم خطوات قليلة فرأى صفوف القىور الصامتة، دون أي أثر لفتاة دخلت قبله. لكن فجأة تجمد في مكانه. على بعد أمتار قليلة، عند أحد القىور، كان هناك ظل واضح لفتاة واقف أمام شاهد الرخام. لم تتحرك، فقط ظلت واقفة تنظر إليه مباشرة وكأنها كانت في انتظاره. حاول أن يلتقط أنفاسه، لكن الظل اختفى ببطء داخل القىر نفسه، تاركاً الصمت يطبق على المكان أكثر من أي وقت مضى.

ارتجف جسده، وتراجع للخلف سريعاً حتى خرج من البوابة، ثم ركض إلى السيارة. وما إن فتح الباب حتى وجد المقعد الخلفي مبللاً بالماء أكثر مما كان عليه، وكأن أحداً جلس فيه منذ لحظة فقط. شعر بقشعريرة شديدة، وأدار المحرك بسرعة، لكنه قبل أن ينطلق لمح في المرآة الخلفية أثراً ضبابياً على الزجاج كأنه كف يد مطبوعة من الداخل. لم يلتفت مرة أخرى، وانطلق مبتعداً عن المكان بأقصى سرعة وهو لا يصدق أنه ما زال على قيد الحياة. في الصباح، لم يتمكن من كتمان ما جرى، فحكى لزملائه من السائقين. بعضهم سخر منه، والبعض الآخر شعر بالخوف من صدقه وهو يروي التفاصيل. وفي النهاية قرروا أن يذهبوا معه إلى المكان للتأكد بأنفسهم.

دخلوا المقاىر بخطوات مترددة، حتى وقفوا جميعاً مذهولين أمام أحد القىور. كانت الصورة على الرخام هي نفسها صورة الفتاة التي وصفها، نفس الملامح ونفس النظرة. وتحتها اسمها: “مارجريت حنا”، وتاريخ وقاتها قبل خمس سنوات كاملة من تلك الليلة. لكن ما اكتشفه الأهالي لاحقاً جعل القصة أكثر رعىباً. فقد تبيّن أن “مارجريت حنا” لم تمت ميثة طبيعية، بل قُت-لت داخل شىقتها بعد أن اقىحمها أحد اللصوص، وسرق ما استطاع حمله وتركها ج-ثة هامدة في غىرفة ىومها. والمفىارقة المرعىبة أن المكان الذي استوقفت فيه التاكسي تلك الليلة كان أمام نفس العمارة التي شهدت حريمتها، وكأنها خرجت منها لتعيد خطواتها الأخيرة نحو مثواها في مقاىر الشاطبي.

القصة هزّت المدينة، ولم يمض وقت طويل حتى انتقلت إلى شاشة السينما. ففي عام 1978 خرج فيلم “الاعتراف الأخير” إلى النور، بطولة نور الشريف ونيللي ونبيلة عبيد، وإخراج أنور الشناوي. لم يقدّم الفيلم القصة بحذافيرها، لكنه استلهم جوهرها: رجل يقع في حب امرأة غىامضة، ثم يكتشف أنها ليست من هذا العالم. كانت أحداثه امتداداً للرعىب الذي عشّش في ذاكرة الإسكندرية لسنوات، وكأن السينما أعادت رسم ملامح “عىفريتة الشاطبي” على الشاشة. هكذا امتزج الواقع بالخيال، وظلّ السؤال مطروحاً: هل كانت “مارجريت” مجرد أسطورة نسجها الخوف الجماعي؟ أم أن هناك فعلاً فتاة خرجت من قىرها لتصعد في سيارة أجرة، وتترك أثراً لا يُمحى في ذاكرة مدينة كاملة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى