عام

أخويا

كنت ببعت لأهلي 150 ألف جنيه كل شهر، وفي الآخر أخويا قالي إنتي “عالة” ي من البيت. وأمي وقفت معاه وضدي، عشان كدة سبت البلد وسافرت. والمضحك بقى، إنهم خدوا خوزوق محترم بعدين…​اسمي نادية، عندي 34 سنة، واتعلمت الدرس القاسي: فيه أهالي مش بيكرهوك عشان بتاخد منهم، هم بيكرهوك عشان بتفكرهم إنهم هم اللي بياخدوا منك!​على مدار 3 سنين، كان أول كل شهر ليه نفس الطقوس: أفتح أبلكيشن البنك، نفس التحويل، لنفس الشخص:

150 ألف جنيه — “ماما” (مصاريف البيت)

​الموضوع بدأ بعد ما بابا توفى، وأقساط البيت اللي في أطراف المدينة بقت جبل فوق كتافنا. ماما عيطت في مطبخي وقالت لي: “مش عايزة بيتي يضيع مني”، وأخويا باهر كان قاعد على الكنبة بيلعب في موبايله ولا كأن فيه حاجة بتحصل، كالعادة.

​أنا اللي قلت: “أنا هشيل الليلة”.

​كان عندي شغل “أونلاين” في الأمن السيبراني، دخله ممتاز وشغل مستقر. قلت لنفسي هساعد فترة مؤقتة بس لحد ما ماما تقف على رجلها، ولحد ما “باهر” يلاقي شغلانة عدلة، ولحد ما الدنيا تروق.

​بس الدنيا ماراقتش.. الدنيا استهتفت فلوسي واستحلتها.

باهر مابقاش ممتن، بالعكس، بقى حاسس إن ده حقه مكتسب. بقى بيتعامل مع تحويلاتي دي زي الهواء، حاجة مابيفكرش فيها طول ما هو بيتنفس.

​الخبطة

​في يوم حد، رجعت من سفرية شغل لقيت شنطتي محطوطة في الطرقة بره.

باهر كان واقف، مربع إيده ورافع مناخيره في السماء وكأنه “سي السيد”.

قال لي: “ماتنفعيش تفضلي عايشة هنا، سنك بقى 34 سنة، شكلك بقى يكسف”.

​برقت له وقلت له: “باهر.. أنت ناسي إن أنا اللي بدفع أقساط البيت؟”

ضحك بقلة ذوق وقال: “أيوه، عشان إنتي عالة.. بتلزقي في البيت ده عشان تحسسي نفسك إن ليكي لازمة وإحنا محتاجين لك”.

​الكلمة نزلت عليا زي القلم على وشي. ماما ظهرت من وراه، كانت بتفرك في إيدها وعينها رايحة جاية بيننا. استنيتها تسكته، تقول له “عيب دي أختك”.

بدل ده، همست وقالت: “يا نادية، أبوس إيدك بلاش مشاكل، باهر أعصابه تعبانة”.

​”تعبانة؟!” بصيت لها وقلت براحة: “ده لسه قايلي يا عالة”.

صوت ماما بقى حاد وخايف: “إنتي دايماً بتكبري المواضيع وتنكدي علينا”.

​في اللحظة دي فهمت “قانون العيلة” اللي كنت ماشية عليه: باهر من حقه يشتم، ويطلب براحه، وياخد اللقطة، وياخد الفلوس.. عشان هو “الابن اللي قاعد معاها”، وأنا مجرد “البنت اللي بتدفع”.

​زوري وجعني من كتمة العياط وقلت لها: “يعني إنتي مختاراه هو؟”

​دخلت أوضتي، لميت شنطة واحدة، ورميت المفاتيح على الرخامة.

ماصوتش، ماقلتش إني  الفلوس، وماعملتش نمرة دراما.

أنا مشيت بس.

​بعد أسبوعين، كنت في الطيارة لـ “لشبونة” في البرتغال، تذكرة ذهاب من غير عودة، ولاب توبي في ضهري. شركتي كان ليها فرع هناك وكانوا عارضين عليا أنقل من شهور وكنت بقول لأ عشان “أهلي”.

المرة دي قلت “أيوة”.

​ماكتبتش بوستات، ولا عرفتهم مكاني. اختفيت.. في هدوء ونضافة.

والمضحك في الموضوع؟

إنهم مالحظوش في الأول!

​أصل الناس لما بتتعود على خيرك، مابيحسوش بيك وأنت موجود.. بيحسوا بس لما الفلوس تقف والمصايب تبدأ تخبط على بابهم.

عدى شهر.. شهرين.. وأنا في لشبونة، قافلة موبايلي القديم ومركزة في شغلي وحياتي الجديدة. كنت بدفع لنفسي إيجار شقة بتطل على البحر بدل ما كنت بدفع أقساط بيت ناس مش شايفيني.

​وفجأة، قررت أفتح “الواتساب” القديم من باب الفضول.. وبالفعل، بدأت “المفاجآت”:

​أول قلم: الرسائل

 

​لقيت عشرات الرسائل والمكالمات الفايتة. أول أسبوعين كانت الرسايل عادية:

​ماما: “نادية، الفلوس لسه مانزلتش يا حبيبتي، شوفي البنك كدة؟”

​باهر (بغرور): “يا نادية خلصينا، فيه قسط للبيت وقسط لعربيتي الجديدة، ما تستهبليش وتأخرينا.”

​بعد الأسبوع الثالث، النبرة اتقلبت 180 درجة:

​ماما (بتعيط في فويس): “يا بنتي ردي عليا، المحضر جه البيت والبنك بعت إنذار بسحب البيت! أنتي فين؟”

​باهر (شتايم وقلة أدب): “أنتي فاكرة نفسك مين؟ عشان قرشين تعملي فينا كدة؟ ردي فوراً!”

​المفاجأة الكبيرة: “باهر العاطل”

​اتضح إن باهر “البرنس” كان واخد قرض بضمان البيت عشان يفتح مشروع “كافيه”  فيه من أول شهر، وكان بيسدد أقساط القرض وعربيته من الـ 150 ألف اللي ببعتهم، والباقي كان بيروح لمصاريف البيت.

​لما الفلوس وقفت، السلسلة كلها انفرطت:

​البنك حجز على العربية.

​صاحب البيت (اللي كان بابا مشتريه بنظام تمويل) هدد بطردهم.

​باهر، “الراجل اللي شايل البيت”، هرب وساب ماما لوحدها تواجه الديون عشان خايف من الحبس!

​المواجهة

​في يوم، لقيت مكالمة من رقم غريب.. رديت، كانت ماما.

صوتها كان مكسور، مهدود، وكأنها كبرت 20 سنة.

​ماما: “نادية.. بيتي هيضيع يا بنتي. أخوكي سابني ومش، وأنا مش عارفة أعمل إيه.”

​أنا (بهدوء غريب): “مش باهر هو اللي شايلك يا ماما؟ مش أنا كنت العالة اللي ملهاش لزمة؟”

​ماما (بتعيط): “سامحيني.. كنت فاكرة إنك مهما حصل مش هتتخلي عننا. أنتي بنتي الكبيرة.”

​أنا: “وأنا كنت فاكرة إن ده بيتي، بس باهر طردني وانتي سكتي. البيت ده مابقاش يلزمني، والأقساط اللي دفعتها تمن حريتي.”

​النهاية السعيدة (ليا أنا)

​قفلت السكة. ماكنتش شمتانة، بس كنت حاسة بنظافة من جوه.

ماما اضطرت تبيع البيت وتدفع الديون وتسكن في  إيجار صغيرة على قد معاش بابا. وباهر؟ اشتغل “سواق” على عربية نص نقل عشان يعرف يصرف على نفسه، ومحدش بقى بيعمل له حساب.

​أما أنا، فبقيت “نادية” الجديدة. اللي عرفت إن “الأهل” مش مجرد، الأهل هم اللي بيصونوا قيمتك.. مش اللي بيعتبروك “ماكينة صراف آلي” ويمسحوا بيك الأرض لو الماكينة عطلت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى