رجل عجوز

قضيت سنين بعمل الأكل يوميًا لراجل عجوز… كان ديما وحيد من غير زياره ولا سؤال… ولما ، وصيته خلتني أنا وولاده التلاتة واقفين مش قادرين ننطق بكلمة… أنا عندي ٤٥ سنة، أم لسبع عيال، وبقالي سبع سنين بمر عليه كل يوم بطبق أكل. الراجل اسمه عم “عبدالرحمن”… ساكن لوحده في بيت قديم متقشر، تلات بيوت بعدي. جرايد متكومة قدام بابه، كأن محدش قرب منه بقاله سنين.
كان دايمًا يزعق لعيالي لو لعبوا قريب من السور… يقول عليهم “”، ويشوه صورتي قدام الجيران إني مش بعرف أربي. حتى لما كنت بسلم عليه، كان يلف ضهره ويقفل الباب في وشي.
ولا مرة حد دخل بيته… ولا حتى حد يعرف عنه حاجة.
الناس كلها افتكرت إني اتجننت لما بدأت أوديله أكل.
بس أنا فاكرة اليوم اللي لقيته واقع في الشارع في عز البرد… كان رافض يطلب مساعدة، بس إيده كانت … مش من السقعة… من حاجة أعمق بكتير.
لما سندته لحد باب بيته، بصلي بنظرة كلها تعب وقال بصوت :
“إنتِ بتساعديني ليه؟ أنا ماستاهلش…”
حطيت إيدي على كتفه وقلتله:
“مفيش حد يستاهل يفضل لوحده.”
ساعتها فهمت… ورا دي كلها، كان في راجل نسي يعني إيه طيبة.
أنا نفسي كنت بمر بظروف صعبة… جوزي سابني
بديون وهموم، وبشتغل ٣ شغلانات عشان أصرف على عيالي. ساعات كنا بنقسم طبق الأكل بالعافية… ومع كده، كنت دايمًا بعمل طبق زيادة… ليه هو.
كان يقف على الباب متكشر ويقول:
“أنا ماطلبتش صدقة.”
بس الطبق كان بيرجع فاضي كل مرة.
لحد يوم… الباب ما اتقفلش.
دخلت لأول مرة.
وشفت الحقيقة…
حيطان بيته كلها متغطية صور… عيال… أعياد ميلاد… ضحك متجمد في الزمن.
سألته: “دول ولادك؟”
لف وشه وقال ببرود:
“كان عندي تلاتة… وبطلوا ييجوا.”
لا زيارة… لا تليفون… ولا حتى في الأعياد.
سبع سنين على نفس الحال… والناس شايفاني مجنونة.
لحد يوم التلات اللي فات… النور قدام بيته منورش.
دخلت… لقيته نايم على … بهدوء غريب… كأنه أخيرًا ارتاح.
في العزا… ولاده التلاتة جم لابسين شيك، بيتكلموا بس عن الورث… ولا حد فيهم حتى بصلي.
المحامي شغل التسجيل…
وفجأة… صوت عم عبدالرحمن ملى المكان كله…
واللي قاله بعدها… قلب كل حاجة.
صوت عم عبد الرحمن في التسجيل مكنش زي ما كنت بسمعه، كان قوي، حاد، وكأنه بيحاكمهم وهو .
قال بالنص: “ولادي التلاتة.. اللي استكثروا عليا مكالمة تليفون في العيد، واللي كانوا مستنيين اللحظة دي عشان يبيعوا الحيطان اللي
ربيتهم فيها.. البيت ده والمحل اللي في وسط البلد والفلوس اللي في البنك.. كل ده ملك للي كانت بتأكلني ‘لقمة حلال’ وأنا حي، مش للي مستنيين ‘ورث ‘ وأنا .”
القاعة اتقلبت، ولاده قاموا يزعقوا والمحامي هداهم وكمل التسجيل.. عبد الرحمن كمل وقال:
“بس أنا عارف إن القانون والشرع هيديهم حقهم غصب عني.. عشان كدا أنا عملت حاجة تانية. البيت ده مسجل باسم ‘ستوتة’ (اسمي) بيع وشراء من خمس سنين، والمحل متباع لجمعية خيرية بتصرف على الأيتام.. أما الفلوس اللي في البنك، فهي ‘مهر’ مؤخر لبنتي اللي معرفتش أربيها.. بنتي اللي هي أنتِ يا ستوتة.”
بصيت للمحامي وأنا مش فاهمة، المحامي طلع ظرف وقالي: “عم عبد الرحمن سابلك الورقة دي يا أم السبعة.”
فتحت الورقة بخط إيده :
”يا بنتي، أنا كنت بختبر صبرك كل يوم بالزعيق عشان أشوف آخر طينتك إيه.. لقيتك أنضف من الدهب. ولادي مش هسيبهم يتهنوا بقرش واحد، أنا عن ابني الكبير ، وبعت ورق ابني التاني لمديره.. أنا مكنتش قاعد في البيت ده بقرأ جرايد قديمة، أنا كنت براقبهم وهما بالحيا.. ودلوقتي جه وقتي إني .”
الحدث :
الابن
الكبير وصوته جايب آخر الشارع: “أنتِ عملتيله ! أنتِ !”.. ولسه ، لقيت الحارة كلها، كل الستات والرجالة اللي كانوا بيقولوا عليا مجنونة، وقفوا قدامه زي السد المنيع.
وفي اللحظة دي، دخل المحامي تاني وقال جملة وقفت قلب الكل:
“يا جماعة، التسجيل لسه مخلصش.. عم عبد الرحمن ساب ‘شرط’ أخير في الوصية عشان ولاده ياخدوا نصيبهم الشرعي من الفلوس السايلة اللي باقية في البنك.”
الكل سكت.. والابن الصغير سأل بلهفة: “شرط إيه؟”
صوت عبد الرحمن طلع تاني بضحكة سخرية:
“عشان تاخدوا مليم واحد.. لازم تعيشوا في البيت القديم ده، من غير موبايلات، من غير خدم، وتطبخوا أكلكم بنفسكم لمدة ٤٠ يوم.. والست ستوتة هي اللي هتشرف عليكم، وتمضيلي ورقة إنكم ‘بني آدمين’.. لو وافقت، الورث ليكم، لو رفضتوا.. الفلوس كلها هتروح لبناء مدرسة باسمي.”
النهاية المشوقة:
دلوقتي التلاتة “باشوات” واقفين قدام باب البيت القديم المتقشر، شنطهم ماركات عالمية، والناس بتتفرج عليهم وهم داخلين “سجن” أبوهم اللي هجروه سنين. وأنا واقفة ماسكة المفاتيح في إيدي.. الموازين اتقلبت، والسبع سنين صبر، ربنا ردهم لي في لحظة واحدة، وبقيت
أنا اللي هعلم ولاد الراجل اللي كان بيقول على عيالي “” يعني إيه أصل وشبع.








