عزمت خطيب ابنتي

على العشاء لكن في منتصف السهرة، لاحظتُ أنه يُسقط الشوكة تحت الطاولة كل بضع دقائق، بينما كانت ابنتي ترتجف كلما انحنى لالتقاطها. الجزء الثاني دفعت مريم يده عنها بعـ,ـنفٍ مفاجئ. فانكشف للحظة شيءٌ معدني أسفل الطاولة وحين انخفضت عيناي نحوه، رأيت طرف سـ,ـكينٍ حاد يلمع بين أصابعه. شعرتُ بأن أنفاسي توقفت تمامًا.
لم تكن سـ,ـكين مطبخ كبيرة، بل سـ,ـكينًا معدنية صغيرة بحجم الكف تقريبًا.
لكن مجرد رؤيتها تحت السفرة، بين يدَي خطيب ابنتي، جعل الدـ,ـم يبرد في عروقي.
رفع سامي رأسه نحوي بسرعة.
ثم سحب السـ,ـكين إلى جواره بهدوء، وكأنه يخشى أن أراها بوضوح.
أما مريم
فكانت تبكي بصمت وهي تضم ذراعها إلى صدرها.
همستُ وأنا أحدق في يده
لماذا تحمل سـ,ـكينًا داخل بيتي يا سامي؟
فابتسم ابتسامة صغيرة وقال
مجرد شيء أحمله معي دائمًا الدنيا لم تعد أمانًا يا خالتي.
ثم أخفى السـ,ـكين سريعًا بجوار ساقه قبل أن أستوعب ما يحدث.
لكن مريم انهارت فجأة.
هزّت رأسها بعنـ,ـف وهي تبكي، وكأنها تحـ,ـارب نفسها قبل أن تتكلم.
ثم خرج صوتها مرتجفًا ومكسورًا
أقسم لكِ يا أمي حاولت حاولت أن أبتعد عنه لكنه لم يتركني
تغير وجه سامي فورًا.
اختفت ابتسامته الهادئة تمامًا.
وقال ببرود
مريم اخرسي.
لكنها لم تتوقف هذه المرة.
وكأنها وصلت أخيرًا إلى اللحظة التي لم تعد قادرة على الصمت بعدها.
كنتُ أريد فسخ الخطوبة منذ شهرين لكنه كان يلاحقني في كل
مكان
ثم نظرت إليّ بعينين مليئتين بالرعب
قال إنه سيقـ,ـتلكِ إذا تركته.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
أما سامي فوقف ببطء من مكانه.
وقال بنبرة منخفضة مخيفة
أنتِ تبالغين.
لكن مريم بدأت تتكلم بسرعة، وكأن الكلمات تهرب منها دفعة واحدة
كان ينتظرني أسفل البيت ويمنعني من الخروج وأجبرني على ترك عملي
ثم شهقت وهي تبكي
وقال إنه سيشوّهنا قبل أن يقتـ,ـلنا إذا حاولتُ الهرب منه.
صرختُ فيه أخيرًا
اخرج من بيتي حالًا!
لكنني أدركتُ خطئي فورًا.
لأن وجه سامي تغيّر تمامًا في تلك اللحظة.
اختفى ذلك الشاب المهذب الذي عرفه الجميع.
وبقي شيء آخر
شيء بارد ومظلم.
اتجه نحو باب الشقة بهدوء.
ثم أغلقه وأدار المفتاح ببطء.
نظرتُ إلى الباب بصدمة.
بينما تراجعت مريم إلى الخلف وهي ترتجف.
وقال سامي دون أن يرفع صوته
لن يخرج أحد من هنا قبل أن ننتهي من الحديث.
أمسكتُ يد ابنتي بسرعة وضممتها خلفي.
قلت له وأنا أحاول الثبات
سامي افتح الباب.
لكنه اقترب خطوة.
ثم أخرى.
وفي يده
ظهرت السـ,ـكين من جديد.
شهقت مريم وهي تتراجع أكثر.
أما أنا فشعرتُ بأن ركبتَيّ بالكاد تحملانني.
ثم قال بصوتٍ هادئ ومرعب في الوقت نفسه
كنتُ أحاول أن أبقى محترمًا لكن ابنتكِ لا تفهم.
وفجأة
أمسك ذراعي بعنف شديد حتى صرختُ من الألم.
ثم رفع السـ,ـكين قرب رقبتي مباشرة.
تجمّدتُ في مكاني.
بينما انفجرت مريم بالبكاء وهي تصرخ
أرجوك لا تؤذِها! سأفعل أي شيء تريده!
اقترب
وجهه من وجهي حتى شعرتُ بأنفاسه.
وقال بصوتٍ خافت
هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية.
وفي تلك اللحظة
سمعنا صوت طرقٍ عنـ,ـيف على باب الشقة.
تجمّد سامي فورًا.
ثم جاء صوت رجل من الخارج يصرخ
يا خالتي فاطمة! افتحي الباب! هل أنتما بخير؟
نظر سامي بسرعة نحو الباب.
أما أنا
فلم أفهم ما الذي يحدث.
لكن مريم رفعت عينيها فجأة نحو أعلى الخزانة في زاوية الصالون.
تتبعتُ نظرتها
فرأيت هاتفًا قديمًا صغيرًا موضوعًا بين أواني الزينة.
كان يبدو كجهازٍ معطّل تُرك هناك منذ زمن، لذلك لم ينتبه إليه سامي.
وكان على الوضع الصامت، بينما خُفِّض سطوع شاشته إلى أدنى درجة.
لكن الشاشة كانت ما تزال مضيئة.
وفهمتُ فجأة أن مريم شغّلت البث منذ بداية السهرة.
ظلّ سامي يحدّق في الهاتف لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ فقط
لكنني شعرت خلالها أن الهواء اختفى من الشقة كلها.
أما مريم، فكانت تبكي وهي ترتجف خلفي.
ثم همست بصوتٍ مكـ,ـسور
كنتُ خائفة يا أمي
فهمتُ كل شيء فورًا.
الهاتف.
البث.
ولهذا كان الجيران يطرقون الباب الآن.
ولأول مرة منذ دخوله الشقة
بدا الارتباك الحقيقي على وجه سامي.
اقترب ببطء نحو الخزانة، وأبعد السكـ,ـين قليلًا عن رقبتي دون أن يشعر.
فاستغلت مريم اللحظة وابتعدت نحوي بسرعة.
رفع الهاتف بيده المرتجفة.
نظر إلى الشاشة.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة مخيفة
ابتسامة شخص أدرك أن صورته التي أخفاها طويلًا انهارت أخيرًا أمام الجميع.
قال
بصوتٍ منخفض
إذن كنتِ تخططين لهذا من البداية.
صرخت مريم فورًا
لم أخطط لشيء! كنتُ فقط خائفة منك!
لكن سامي لم يكن يستمع.
ظل يحدّق في الهاتف للحظات، ثم أغلق البث بعصبية وألقى الجهاز على الأرض حتى تحـ,ـطم.
وفي الخارج
ارتفعت أصوات الرجال أكثر.
يا سامي افتح الباب!
نحن نسمع الصراخ!
افتح قبل أن نكسـ,ـر الباب!
بدأت أنفاسه تتسارع لأول مرة.
وأحسستُ أن سيطرته التي كان يتباهى بها بدأت تتفكك.
لكنه فجأة أمسك شعري بعنف أكبر، وقرّب السـ,ـكين من رقبتي حتى شعرتُ بطرفها البارد يلامس جلدي.
شهقتُ من الألم.
أما مريم فصرخت وهي تركض نحوه
اترك أمي!
لكنه دفعها بقوة حتى ارتطم جسدها بطرف الأريكة.
ثم صرخ لأول مرة منذ دخوله الشقة
ابقَي مكانك!
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى الرجال خارج الباب صمتوا بعد سماع صوته.
كان وجه سامي مختلفًا تمامًا الآن.
عيناه حمراوان.
وأنفاسه متقـ,ـطعة.
ولم يعد ذلك الشاب الهادئ الذي جلس قبل قليل يتحدث عن الصلاة والاحترام.
قال وهو يضغط على ذراعي بقوة
كل هذا بسببكِ.
ثم نظر إلى مريم
كنتُ سأجعلكِ تعيشين كملكة لكنكِ أردتِ إذلالي.
صرخت مريم وسط بكائها
أنتَ مريض!
فشدني معه خطوة وهو يقترب منها أكثر.
وقال من بين أسنانه
أنا ضحّيت بكل شيء لأجلكِ!
ثم أشار إلى الباب بعصبية
والآن العمارة كلها تشاهدني كأنني مجـ,ـرم بسببكِ!
في الخارج، عاد الطرق على الباب بعـ,ـنف أكبر.
ثم سمعنا صوت رجل آخر يقول
الشرطة في الطريق!
وهنا فقط
ظهر الخوف الحقيقي على وجه سامي.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم خطوتين.
وكأن كلمة الشرطة أعادته إلى الواقع فجأة.
ولأول مرة
لم يعد يبدو غاضبًا
فقط.
بل بدا كرجل يشعر أن كل الصورة التي صنعها عن نفسه بدأت تنهار أمام الجميع.
نظر سريعًا نحو النافذة
ثم نحو الباب
وكأنه يبحث عن طريقةٍ للهـ,ـروب.
لكنه أدرك أن أصوات الرجال في الخارج تحاصر الشقة بالكامل.
أما مريم فاستغلت اللحظة وركضت نحوي بسرعة.
أمسكتني وهي تبكي
أنتِ بخير؟!
لكن سامي رفع السـ,ـكين نحونا بعـ,ـنف وهو يصرخ
لا تقتربا من الباب!
توقفنا فورًا.
كان يرتجف الآن.
ويده التي تمسك السـ,ـكين لم تعد ثابتة.
وكان يتكلم كمن فقد السيطرة على أفكاره.
قال بصوت متقـ,ـطع
إذا دخل أحد أقسم أنني سأقتـ,ـلهم أولًا ثم أقـ,ـتل نفسي
شعرتُ بمريم ترتعش بجانبي.
أما أنا فكنت أحاول التفكير بأي طريقة لإنهاء هذا الكابوس.
ثم فجأة
رنّ هاتف سامي.
نظر إلى الشاشة.
وكان اسم والدته يظهر عليها.
تجمّد للحظة.
ثم ضغط على الهاتف بعنـ,ـف حتى أغلقه.
لكن الهاتف عاد يرنّ مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي كل مرة، كان وجهه يزداد اضـ,ـطرابًا أكثر.
ثم سمعنا صوت رجل يصرخ من الخارج
افصلوا الكهرباء!
وبعد ثوانٍ
دوّى صوت ارتطـ,ـامٍ قرب صندوق الكهرباء في الممر.
ثم انطفأت الشقة كلها
دفعة واحدة.
غرق المكان في ظلام كامل.
وارتفعت شهقة مريم بجانبي.
ساد الظلام لثوانٍ طويلة بدت كأنها دقائق.
ولم نعد نسمع سوى أنفاس سامي المرتبكة.
ثم أضاء ضوء هاتفه المرتعش جزءًا من وجهه للحظة
فرأيت لمعان السـ,ـكين يهتز بين أصابعه.
كان يتحرك بعشوائية داخل الظلام، وكأنه يبحث عن مخرج أو طريقة للهـ,ـرب.
وفجأة
دوّى صوت ارتطامٍ عنيف بباب الشقة حتى اهتزّت الجدران.
ثم صرخة رجالٍ من الخارج
ابتعدوا عن الباب!
تلتها ضـ,ـربة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي اللحظة نفسها جاء صوت حاد من الممر
شرطة! افتح الباب فورًا!
تراجع سامي خطوة إلى الخلف.
ثم رفع السـ,ـكين نحونا من جديد.
لكن هذه المرة
لم يعد يبدو مخيفًا كما كان قبل دقائق.
بل بدا كإنسانٍ انهار كل شيء داخله فجأة.
قال بصوتٍ متقطع
هي السبب
وأشار إلى مريم.
هي التي أوصلتني لهذا.
صرختُ فيه لأول مرة دون خوف
أنتَ الذي دمّـ,ـرت نفسك!
ارتجفت يده أكثر.
وفي اللحظة التالية
انطلقت ضـ,ـربة هائلة على الباب.
ثم انكسر القفل أخيرًا.
وانفتح الباب بعنـ,ـف.
دخل رجال الشرطة أولًا.
وخلفهم بعض رجال العمارة والجيران.
وفي
اللحظة التي رأى فيها سامي كل تلك الوجوه
ارتخت أصابعه فجأة.
فسقطت السـ,ـكين من يده على الأرض.
رنّ صوتها في الشقة كأنه نهاية شيءٍ ثقيل ظل يخنقنا شهورًا.
اندفعت مريم نحوي فورًا.
ثم ارتمت في حـ,ـضني وهي تبكي بشكلٍ هستيري.
أما أنا
فكنت ما أزال عاجزة عن استيعاب أن كل هذا يحدث فعلًا داخل بيتي.
اقترب أحد رجال الشرطة من سامي بحذر.
لكن سامي لم يقاوم.
ظل واقفًا مكانه شاحب الوجه، ينظر إلى الأرض كأن كل قوته اختفت فجأة.
ثم قيدوا يديه.
وفي أثناء إخراجه من الشقة
رفع رأسه نحو مريم.
لثانية واحدة فقط.
لكنني رأيت في عينيه شيئًا جعل الدم يبرد داخلي.
لم يكن ندمًا.
ولا خوفًا.
بل غضبًا مريضًا لأنه فقد السيطرة عليها.
فشددتُ مريم إلى صدري أكثر.
وبعد دقائق
امتلأت الشقة بأصوات الجيران والأسئلة والهمسات.
كانت أم ياسين تبكي وهي تضم مريم.
وأحد الرجال يقول
والله لو لم نرَ البث ما صدّقنا.
أما مريم
فكانت جالسة على الأريكة ترتجف بالكامل.
اقتربتُ منها ببطء.
جلستُ أمامها.
ثم أمسكتُ وجهها بين يديّ.
وقلتُ بصوتٍ مرتجف
لماذا تحملتِ كل هذا وحدكِ
يا ابنتي؟
فانفجرت بالبكاء من جديد.
وقالت بصعوبة
كنتُ خائفة عليكِ يا أمي
ثم شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها
في أول مرة طلبتُ منه أن ننفصل أمسك يدي بقوة وقال إن أول شخص سيؤذيه إذا تركته سيكون أنتِ.
أغمضتُ عينيّ للحظة وأنا أشعر بأن قلبي يتمزق.
وأضافت
كنتُ أظن أن صمتي سيحميكِ
ثم نظرت حولها إلى الشقة الممتلئة بالناس، والباب المكسـ,ـور، وآثار الفوضى في كل مكان.
وقالت بصوتٍ ضعيف
لكنني كنتُ أمـ,ـوت كل يوم.
وأنا أبكي معها لأول مرة منذ سنوات.
وفي تلك الليلة
فهمتُ شيئًا لن أنساه ما حييت.
فترة الخطوبة ليست مجرد وقتٍ لشراء الأثاث أو انتظار موعد الزفاف
بل فرصة حقيقية لاكتشاف الطباع التي يحاول البعض إخفاءها.
فالإنسان مهما أتقن التمثيل
لا يستطيع أن يُخفي حقيقته إلى الأبد.
الخوف المفاجئ.
العزلة.
الرغبة في السيطرة.
الغيرة المَرَضية.
مراقبة الهاتف.
منع الطرف الآخر من العمل أو الخروج أو الكلام بحرية.
كلها ليست حبًّا
بل بدايات خطرٍ حقيقي.
وكم من امرأةٍ تجاهلت تلك العلامات
ثم وجدت نفسها تعيش داخل خوفٍ يومي لا ينتهي.
أما مريم
فقد نجت تلك الليلة.
لكنني أعلم أن هناك فتياتٍ كثيرات ما زلن حتى الآن يجلسن في صمت
خوفًا من شخصٍ يظنه الجميع رجلًا محترمًا.








