عام

زوجة من اجل الطعام

 أبي قبل أن تدخل، هناك شيء يجب أن تعرفه عن إيناس. بقي غسان واقفًا تحت المطر، والقبعة في يده، والزي العسكري ملتصقًا بجسده. لم يُنزل سليم العصا من يده. أردت أن أوقفه، لكنني لم أستطع الحركة. كنت قد تخيلت عودة غسان مرات كثيرة. في أسوأ لياليّ، كنت أراه . وفي أفضلها، كنت أراه سالمًا، فوق حصانه الداكن، يسأل إن كان أطفاله ما زالوا أحياء.

لكنني لم أتخيله هكذا أبدًا.
بنظرة مكسورة.
وساق يجرّها جرًّا.
وروح تستأذن كي تدخل بيتها.
قال غسان بصوت خافت
قل.
ابتلع سليم ريقه.
إيناس لم تعتنِ بنا فقط.
نظر إلى إخوته.
كانت ريم تحتضن ليان. وكان التوأم، نيقولا وجوليان، حافيَين لكنهما نظيفان. وكان آدم يضع بطانية فوق كتفيه. أما روز، الأكثر هدوءًا بينهم، فكانت تحمل شمعة وتحاول أن تمنع المطر من إطفائها.
رفع سليم وجهه.
إيناس أنقذتنا.
أغمض غسان عينيه.
أما أنا، فشعرت أن تلك الكلمة فوقي ككيس قمح ثقيل.
همست
لا تبالغ.
فجاء صوت من الطريق
بل يبالغ.
ظهرت الحاجة أمينة خلف غسان، ملفوفة بعباءتها السوداء، وخلفها رجلان يحملان صندوقًا. كانت جافة، مستقيمة، كأن المطر لا يجرؤ على لمسها.
قالت
هذه المرأة سحرتكم. يعود ابني من ، فتستقبلونه وتتحدثون عنها كأنها قديسة.
استدار غسان ببطء.
أمي.
حاولت الحاجة أمينة أن تعانقه.
لكنه لم يتحرك.
لاحظت رفضه، لكنها أخفته

بسرعة.
بني، الحمد لله أنك عدت. جئت فور أن علمت أنك قادم. هناك أمور كثيرة يجب إصلاحها. هذا البيت في فوضى أخلاقية.
تقدمت ريم خطوة.
البيت كان حين كنتِ تأتين إليه.
رمقتها الحاجة أمينة بنظرة .
اخرسي يا فتاة.
اختبأت ليان خلف طرف عباءتي.
رأى غسان تلك الحركة.
رآها كما يرى المرء جرحًا لم يكن يعرف أنه موجود.
سأل
لماذا تخافون من أمي؟
لم يجب أحد.
كان المطر سقف الفناء. وفي الساحة كانت أواني الريحان تتحرك مع الريح. ورائحة خبز الذرة ما زالت تخرج من الفرن، ممزوجة برائحة التراب المبلل ودخان الحطب.
أنزل سليم العصا، لكن صوته لم يهدأ.
لأنك عندما توقفت عن الكتابة، قالت إنك .
قطب غسان حاجبيه.
أنا كتبت.
شعرت في صدري.
لم يصلنا شيء بعد ثلاثة أشهر.
قال غسان
أرسلت رسائل كلما استطعت. من المعسكر. ومن المدن التي مررت بها. ومن قطار مليء بالجنود والنساء اللواتي يخبزن على صفائح سوداء. وأرسلت مالًا.
شدّت الحاجة أمينة على مسبحتها.
فوضى. تضيع فيها الأشياء.
ضحك سليم بمرارة.
غريب. الشيء الوحيد الذي لم يضع هو ما أردتِ أنتِ أن يعرفه الناس.
نظر غسان إلى أمه.
أين مالي؟
رفعت ذقنها.
كنت أديره.
عندها فهمت.
الليالي التي لم نجد فيها طحينًا.
الأيام التي غليت فيها قشور البطاطا لأخدع الجوع.
المرات التي بعت فيها الصابون في السوق لأشتري الفاصولياء.
والثوب الأسود الذي أحضرته لي قبل أوانه.
لم يكن حدادًا.
كان حكمًا.
قلت
كنتِ تديرينه؟
نظرت إليّ كما يُنظر إلى شيء حقير.
لا تتدخلي.
تقدم غسان خطوة نحوي.
إنها زوجتي.
وقعت الكلمة هذه المرة بشكل مختلف.
ليست كاتفاق.
ولا كعقد.
بل كدفاع.
احترقت عيناي بالدموع.
ضحكت الحاجة أمينة.
زوجتك كانت مريم. هذه الفتاة كانت حاجة مؤقتة.
توتر الأطفال.
وأنا أيضًا.
لأن ذلك كان صحيحًا.
في البداية.
خفض غسان نظره لحظة، متألمًا من اسم زوجته الأولى. ثم نظر إلى البيت.
كانت صورة مريم فوق الرف، غير مخفية ولا مغطاة. كل أسبوع كنا نبدل لها الزهور. وفي يوم الذكرى، وضعنا لها الخبز والماء والشمعة. وكانت ليان تترك دميتها ذات العين الواحدة قرب الصورة حتى لا تشعر بالوحدة.
مشى غسان نحو الرف.
لمس الإطار.
أنتِ وضعتِ هذا؟
قلت
الأطفال. أنا فقط أشعلت الشمعة.
ارتجفت أصابعه.
ظننت أنني سأعود فأجد الخراب.
تحدث سليم قبلي
الخراب كان موجودًا عندما رحلت. إيناس هي التي أصلحته.
الحاجة أمينة الأرض بعصاها.
كفى! هذه المرأة لم تصلح شيئًا. دخلت هنا بسبب الجوع، وجعلت أبناءك يتعلقون بها، والآن تريد أن تبقى وتستولي على الأرض. لذلك جئت بالحاج لؤي.
تنحنح أحد الرجلين قرب الصندوق.
كان الحاج لؤي، تاجر مواشٍ ومُقرِضًا معروفًا. له شارب كثيف وعينان كعيني أفعى. وكان دائمًا ينظر إليّ أكثر مما ينبغي عندما أمر أمام الدكان.
قال
يا غسان، والدتك وأنا بيننا اتفاق. أنت تحتاج إلى الراحة. والبيت يحتاج إلى رجال حقيقيين. أستطيع أن آخذ الأرض مقابل الديون، وأترك العائلة في بيت مناسب.
سأل غسان
أي ديون؟
أجابت الحاجة أمينة بسرعة
الديون التي صنعتها هذه المرأة.
ذهبت إلى المطبخ.
ثم عدت بعلبة قديمة.
لم يكن داخلها حلوى.
كان داخلها إيصالات.
ضممت يدي كي لا ترتجفا.
هنا كل شيء. ما استدنته من دكان الحاج محمود. وما سددته بالبيض والخياطة والخبز والصابون. وما بعته من أشيائي. وما سحبته والدتك باسمك ولم يصل إلى البيت.
شحبت الحاجة أمينة.
أخذ غسان الأوراق.
قرأ ببطء.
ظل المطر ينهمر، لكن داخل البيت لم يكن أحد يتنفس.
قال
هنا مكتوب أن راتبي سُحب من مركز المدينة.
قالت الحاجة أمينة
نعم، بواسطتي. أنا أمك.
تابع غسان
وهنا مكتوب أن إيناس دفعت ثمن الطحين، والدواء، وخشب إصلاح السقف.
عدّل الحاج لؤي قبعته وقال
النساء يكتبن أشياء كثيرة ليظهرن كضحايا.
تقدم سليم نحوه.
انتبه.
رفع غسان يده.
سليم.
توقف الصبي.
بحكم العادة.
وبحكم الحب.
وبحكم غضب مكبوت.
نظر غسان إلى أطفاله واحدًا واحدًا.
هل جُعتم؟
لم يتكلم أحد.
لكن ليان تكلمت.
أحيانًا كانت إيناس تقول إنها أكلت، لكنني رأيتها تعض يدها.
تجمد جسدي.
ليان
قالت
وعندما أصابتني الحمى، مشت ليلًا إلى البلدة لتحضر الطبيب. وقعت في الساقية، وعادت مغطاة بالطين.
أضافت ريم
وباعت عباءتها الزرقاء كي تشتري الدواء.
وقالت روز، التي نادرًا ما كانت تتكلم
الحاج لؤي بالمكنسة

عندما حاول أن يأخذها إلى الحظيرة.
تغير وجه غسان.
ببطء.
وبطريقة مخيفة.
تراجع الحاج لؤي.
كان سوء فهم.
لم أكن أريد قول ذلك.
لكنني لم أعد في داخلي فتاة في الثانية والعشرين.
خلال عام واحد، جعلني هؤلاء الأطفال أكبر وأقوى.
قلت
لم يكن سوء فهم. قال لي إن المرأة الجائعة لا تستطيع أن تتدلل بالشرف.
أفلت غسان الأوراق.
فوق الطاولة كأوراق يابسة.
ثم تقدم نحو الحاج لؤي.
لم يكن سريعًا.
لم يكن يحتاج أن يسرع.
فالرجل العائد من كان يحمل  في عينيه.
قال
اخرج من بيتي.
يا غسان، أنا
اخرج قبل أن أنسى أن أطفالي ينظرون.
لم يجادل الحاج لؤي.
أخذ قبعته وخرج تحت المطر، ينزلق في الطين كحيوان خائف.
حاولت الحاجة أمينة الكلام.
غسان، هذه المرأة تقلبك على .
نظر إليها.
صمتت العجوز.
كانت تلك الجملة أقوى من صفعة.
توكأ غسان على الكرسي قرب الطاولة. رأيت أن ساقه تؤلمه، لكنني رأيت أيضًا أن ما يؤلمه أكثر هو أنه عاد متأخرًا.
قال
سليم لماذا كنت تحمل العصا؟
شد الصبي فكه.
لأنك عندما لم تكن هنا، كنت أنا رجل البيت.
أغمض غسان عينيه.
ما كان يجب أن تكون كذلك.
لكن أحدًا كان يجب أن يكون كذلك.
مزقنا الصمت.
مد غسان يده إليه.
لم يتحرك سليم.
لثانية ظننت أنه سيرفضه مرة أخرى.
لكن ليان ركضت وعانقت ساق غسان السليمة.
أبي، إيناس تصنع لنا شراب

القرفة عندما يخيفنا الرعد.
انحنى غسان كأنه أصيب .
حملها بصعوبة.
لمست ليان لحيته.
إنها تؤلم.
ضحك ضحكة مكسورة.
ثم بكى.
لم يبكِ كما يبكي الرجال في الحكايات، بغضب وكبرياء.
بكى بصمت.
والطفلة ملتصقة بصدره.
اقترب التوأم. ثم آدم. ثم روز. تأخرت ريم أكثر، لأنها تعلمت ألا تترك ما تحمله بسهولة. وكان سليم آخرهم.
بقي واقفًا.
بعمر اثني عشر عامًا فوق كتفيه.
وطفولة نصف .
نظر إليه غسان.
سامحني.
ابتلع سليم ريقه.
لا أعرف إن كنت أستطيع.
إذًا لا تسامحني الآن.
وهنا انكسر شيء داخله.
اقترب الصبي، فاحتضنه غسان بذراعه الحرة.
كنت أنظر إليهم من باب المطبخ.
كأنني غريبة.
كأن عملي انتهى.
مئزري.
رأتني الحاجة أمينة أفعل ذلك، فابتسمت بخبث.
أخيرًا فهمتِ مكانك.
رفع غسان رأسه.
إلى أين تذهبين يا إيناس؟
صعب عليّ الكلام.
عاد والدهم. لم يعودوا بحاجة إليّ كما كانوا.
قالت ريم
لا.
وتعلقت ليان بعباءتي.
قلتِ إنك لن ترحلي اليوم.
انحنيت أمامها.
ولن أرحل اليوم يا صغيرتي. فقط سأمنحكم مساحة.
نظر إليّ سليم كأنني .
هذا ما يقوله الجميع قبل أن يرحل.
غرستني الجملة في الأرض.
ترك غسان ليان مع ريم، ثم سار نحوي. كان يعرج. كان مبللًا. كانت رائحته خليطًا من البارود القديم والعرق والطريق والمستشفى.
قال
إيناس عندما رحلت، تركت لكِ حملًا لم يكن حملك.
قلت
صار حملي منذ قلت نعم.
لا. أنا اشتريتك بالجوع.
لم أحوّل نظري عنه.
في البداية.
تنفس بعمق.
والآن؟
لم أجب.
لأنني لو قلت الحقيقة، لانسلخت من جلدي.
تدخلت الحاجة أمينة بيننا.
لا تمثلا علينا. غسان، غدًا نرسلها مع بعض المال. لقد أدت ما عليها. الأطفال يحتاجون امرأة من عائلة.
ضحكت ريم ببرود.
مثلك؟
رفعت الحاجة أمينة يدها لتصفعها.
أو حاولت.
أمسكت يدها في الهواء.
تجمد البيت كله.
لم أكن قد لمست تلك المرأة من قبل.
لم أرفع صوتي عليها، رغم أنها داست اسمي مرارًا.
لكن تلك الليلة، وغسان عائد، والأطفال ينظرون، لم أكن لأسمح ليد أخرى أن تعلمهم الخوف.
قلت
ليس عليهم.
حاولت الحاجة أمينة أن تسحب يدها.
اتركيني يا جائعة!
أمسك غسان معصم أمه وأبعد يدها عني.
اخرجي.
نظرت إليه كأنها لا تعرفه.
تطردني؟
أطلب منك أن تخرجي من بيت أطفالي.
أنا التي ولدتك.
ثم سرقتِ رسائلي.
فتحت فمها.
كنت أحميك.
لا. كنت تستبدلينني بكبريائك.
ارتجفت الحاجة أمينة.
ولأول مرة رأيتها عجوزًا.
ليست قوية.
عجوزًا فقط.
مريم لم تكن لتكلمني هكذا.
نظر غسان إلى صورة مريم.
مريم لم تكن لتترك أبناءها جائعين كي تحافظ على سلطتها.
حطمتها الجملة.
أمسكت مسبحتها، وأطبقت شفتيها، وخرجت تحت المطر دون أن تودع أحدًا.
ولم يركض أي طفل خلفها.
وكان ذلك كافيًا.
في تلك الليلة لم ينم أحد مبكرًا.
صنعت قهوة بالقرفة والسكر لأن غسان كان يرتجف من البرد. سخنت ريم الفاصولياء. قسم سليم خبز الذرة. تشاجر التوأم على الجلوس قرب والدهم. ولم تترك ليان كمّه حتى نامت.
استمع غسان إلى كل شيء.
كيف دجاجة عندنا سليم كأنها جندي.
كيف تعلمت ريم صنع الخبز بعد مئة محاولة.
كيف أبعدت روز عقربًا عن فراش التوأم.
كيف سمّى آدم كل عنزة في الحظيرة.
وكيف بكت ليان ثلاثة أيام لأنها ظنت أن دميتها أيضًا.
كنت أقدم الصحون وأشغل نفسي.
وكان غسان ينظر إليّ.
ليس كرجل ينظر إلى امرأة.
بل كغريق ينظر إلى اليابسة.
وعندما نام الأطفال أخيرًا، خرجت إلى الفناء.
كان المطر قد توقف. والقمر يضيء البرك الصغيرة. وكانت الأشجار تلمع كأن أحدًا غسلها بالفضة.
خرج غسان خلفي.
قلت له
لا يجب أن تقف.
قال
مررت بما هو أسوأ.
هذا ليس حجة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كانت أول ابتسامة له لا تؤلم.
اتكأ على عمود السقيفة.
قال سليم إن هناك شيئًا يجب أن أعرفه عنك. أظن أنه لم يكمل.
نظرت نحو الحظيرة.
الأطفال يتكلمون كثيرًا.
قال بصوت أوقفني
إيناس أخبريني أنتِ.
شدّدت عباءتي على صدري.
لا يوجد الكثير لأقوله. كانوا جائعين فأطعمتهم. كانوا خائفين، فأبقيت صوتي في المطبخ كي يعرفوا أن أحدًا مستيقظ. كانت لهم أم ، ولم أرد أن آخذ مكانها.
خفض غسان عينيه.
لكنك فعلتِ.
قلت
لا.
تذكرت مريم.
وصورتها.
وليان وهي تضع لها الزهور.
الأم لا يُؤخذ مكانها كغرفة فارغة. أنا فقط صنعت مكانًا آخر.
غطى غسان عينيه بيده.
يا الله.
قلت
لا تشكرني بعد.
لماذا؟
لأنني لا أعرف

إن كنت أستطيع البقاء.
رفع وجهه.
كان الألم الذي رأيته فيه يكاد يجعلني أتراجع.
بسببي؟
قلت
بسببي أنا.
امتلأ الصمت بصوت الحشرات.
ومن بعيد، في البلدة، دق جرس المسجد أو الكنيسة القديمة، لا أدري. في قريتنا كانت الأصوات تعرف الأخبار قبل الناس.
قلت
تزوجت بسبب الجوع. وأنت تزوجت بسبب اليأس. لكن خلال هذا العام صرت شيئًا لم يطلبه أحد مني. لا أعرف ماذا أكون في هذا البيت الآن بعد عودتك.
اقترب غسان خطوة.
أنتِ إيناس.
كدت أضحك.
هذا لا يكفي.
بالنسبة لي، كان يجب أن يكفي منذ اليوم الأول.
لم أعرف ماذا أفعل بهذه الإجابة.
أدخل يده في جيب سترته الممزقة، وأخرج ورقة مطوية، مبللة قليلًا.
هذه إجازتي المؤقتة من الخدمة. أعادوني إلى البيت بسبب ساقي. لا أعرف إن كنت سأعود إلى الجبهة. لا أعرف إن كنت سأمتطي الخيل كما كنت. لا أعرف إن كان أطفالي سيسامحونني.
نظر إليّ.
لكنني لا أريد أن أعود الرجل الذي تركك وحدك مع الجوع.
قلت
الرجال يعدون كثيرًا حين يعودون مجروحين.
إذًا لا تصدقيني بالكلام.
أخرج ورقة أخرى.
قبل أن آتي، مررت بمركز المدينة. وضعت البيت والأرض باسمك أيضًا.
تجمدت.
ماذا فعلت؟
ما كان يجب أن أفعله قبل أن أرحل. إن متّ، لا أحد يطردك. لا أمي. ولا مُقرض. ولا أهل القرية.
شعرت أن الأرض تحركت تحتي.
لا أحتاج أن تدفع لي.
قال
هذا ليس دفعًا.
إذًا ما هو؟
ابتلع

ريقه.
احترام.
دخلت الكلمة صدري بألم ناعم.
احترام.
لا صدقة.
لا شفقة.
لا جوع.
احترام.
في صباح اليوم التالي، عرفت القرية كلها قبل أن يصيح الديك.
خرجت الحاجة أمينة إلى الناس تقول إنني سحرت ابنها. وقال الحاج لؤي إن غسان عاد مختلًا من . والنساء اللواتي كن يسمينني المشتراة صرن ينظرن إليّ كأنني أخفي سكينًا.
لكن غسان ذهب معي إلى السوق.
يعرج.
وسليم إلى جانبه.
وليان بين ذراعيه.
اشترى الطحين، والفلفل، والصابون، وقماشًا لخياطة القمصان، وشريطًا أحمر للصغيرة.
ثم أمام الحاج محمود ونصف القرية، وضع النقود فوق الطاولة.
دين زوجتي.
رفع الحاج محمود حاجبيه.
يا غسان، أنا لم
قال غسان
كله.
أخرج الرجل دفتره.
ولم يبعد غسان يده عن ظهري.
ليس كمالك.
بل كدرع.
بعد ذلك ذهبنا إلى دار العبادة.
استقبلنا الشيخ بنظرة مندهشة.
ظننت أنك تحتاج إلى الراحة.
نظر غسان إلى المكان وقال
أحتاج إلى الحقيقة.
لم يكن زواجًا جديدًا.
كنا متزوجين بالفعل.
لكن غسان طلب أن يجدد عهده أمام أطفاله، دون زينة ولا موسيقى ولا ناس. نحن فقط، والشيخ، وشمعتان، ورائحة بخور قديمة.
قال غسان بصوت خشن
في المرة الأولى عرضت عليها سقفًا. اليوم أعرض عليها اسمًا واحترامًا ومكانًا. إن أرادت أن تقبل.
نظر إليّ الجميع.
نظرت إلى الأطفال.
كانت عينا سليم رطبتين. وكانت ريم تبتسم بخفة. والتوأم يتدافعان

ليريا جيدًا. وروز تمسك بيد آدم. وليان تضم دميتها ذات العين الواحدة إلى صدرها.
ثم نظرت إلى غسان.
لم أكن أحبه كما في القصص.
ليس بعد.
لكنني رأيت خجله.
والرجل الذي يستطيع أن ينظر إلى خجله دون أن يلوم امرأة، ربما يستحق فرصة.
قلت
أقبل أن أبقى لكن ليس كخادمة.
خفض غسان رأسه.
أبدًا.
قلت
وإن رحلت مرة أخرى دون أن تترك الحقيقة، فسأغلق الباب بنفسي.
ابتسم سليم.
وكتم الشيخ ضحكة.
يبدو عهدًا واضحًا جدًا.
عاد بنا الظهر إلى البيت.
لم يتغير كل شيء دفعة واحدة.
كانت ما تزال بعيدة وقريبة، كالرعد خلف النخيل. أحيانًا يمر جنود يطلبون الماء. وأحيانًا تصل أخبار عن طرق مقطوعة، وقرى منهكة، ونساء يتبعن القوافل بأطفالهن وحصرهن وقدورهن وشجاعة تفوق شجاعة كثير من الرجال.
لكن بيتنا لم يعد جرحًا مفتوحًا.
تعلم غسان أن يجلس في المطبخ دون أن يأمر.
وتعلم أن ريم تعرف العجين أفضل مما يعرف هو أي أمر عسكري.
وتعلم أن سليم لم يكن متمردًا، بل متعبًا.
وتعلم أن ليان لا تنام إلا إذا سمعَت القصة نفسها مرتين.
وتعلمت أنا أن العودة ليست دائمًا تهديدًا.
أحيانًا تكون إصلاحًا.
بعد أشهر، حين علت الزروع واخضرت الأرض، عادت الحاجة أمينة.
كان سوادها أقدم، وكبرياؤها أضعف.
وقفت عند الباب.
لم يركض أحد ليعانقها.
ولم نطردها.
خرج غسان أولًا.
إن جئتِ لتأمري، فلا تدخلي.
شدّت على

مسبحتها.
جئت لأرى أحفادي.
الأحفاد يُرون باحترام.
خفضت الحاجة أمينة عينيها.
ثم نظرت إليّ.
تأخرت طويلًا قبل أن تتكلم.
إيناس.
كانت تلك أول مرة تقول اسمي بلا سم.
لم يكن اعتذارًا.
لكنه كان شرخًا في الجدار.
فتحت الباب.
يمكنك الدخول لتأكلي. لدينا مرق وخبز طازج. إن رفعتِ صوتك، تخرجين.
اختنق سليم بالضحك داخل البيت.
ونظر إليّ غسان كأنني ربحت معركة بلا سلاح.
ربما فعلت.
في ذلك اليوم أكلنا جميعًا على المائدة الطويلة التي أصلحها سليم بألواح جديدة. وضعت ليان زهورًا برية في كأس. وقدمت ريم الصلصة. وتشاجر التوأم على آخر قطعة خبز.
نظرت الحاجة أمينة إلى البيت.
السقف ثابت.
الأسرّة نظيفة.
الصورة مضاءة.
الأطفال يتكلمون ويضحكون ويعيشون.
ثم نظرت إلى يديّ المحروقتين من الفرن والعمل.
لم تقل شكرًا.
لكنها لم تنادني جائعة مرة أخرى.
مع الوقت، عاد غسان يركب الخيل، وإن كانت ساقه تؤلمه كلما تغير الطقس. لم يعد إلى الجبهة. قال إنه حارب من أجل الوطن، والآن عليه أن يحارب من أجل بيته. زرع معي. تعلم أن يرقع الثياب بشكل سيئ، وأن يستمع بشكل أفضل.
وفي ليلة باردة، وضعنا الطعام والشمعة قرب صورة مريم.
وضعت صورة مريم في الوسط.
وكأس ماء.
وخبزًا.
وزهورًا.
ودمية ليان، التي بقيت بعين واحدة.
ووضع غسان شمعة أخرى للرجال الذين لم يعودوا.
أما أنا، فوضعت شمعة للفتاة التي

كنتها، تلك التي قبلت الزواج بسبب الجوع وظنت أن ذلك يجعلها قليلة القيمة.
شدّت ليان طرف عباءتي.
أمي إيناس، هل يعود

إذا تركنا لهم طريقًا؟
نظرت إلى غسان.
ونظر إليّ بعينين لم يعد فيهما ذنب فقط.
قلت
يعودون إذا بقي هناك حب يتذكرهم.
فكرت ليان قليلًا.
إذًا أمي مريم تعود، لكنها لا تغضب لأنك هنا.
شعرت أن الهواء نقص من حولي.
ركع غسان بجانبها.
لا يا صغيرتي. أظن أنها تشكر إيناس لأنها وجدتنا.
ابتسمت الطفلة راضية، وعادت لترتيب الزهور.
ومن عند الباب،

همس سليم
وجدَتنا حين لم نكن نحن نعرف أين نحن.
لم يجب أحد.
لأن ذلك كان صحيحًا.
في تلك الليلة، بعد أن نام الأطفال، بقينا أنا وغسان في الفناء. كان الهواء يمر بين الأشجار. وكان البيت تفوح منه رائحة البخور والخبز والحطب.
أمسك غسان يدي.
ليس كما فعل يوم الزواج، حين كنا غريبين يوقعان على حاجة.
هذه المرة أمسكها ببطء.
كمن يسأل.
كمن يعرف أن اليد لا تُؤخذ قهرًا.
قال
إيناس لا أعرف إن كان قلبي ما يزال كاملًا.
نظرت إلى يدينا.
يداه تحملان ندوب .
ويداي تحملان ندوب العمل والماء.
قلت
لا أحد في هذا البيت يملك قلبًا كاملًا لكنه ينبض.
ابتسم غسان.
وفي ذلك الصمت فهمت أنني لم أصل إلى هذا البيت كي لا من الجوع فقط.
كنت قد وصلت إلى بيت مكسور.
وسبعة أطفال مكسورين.
ورجل مكسور.
ومن غير أن أدري، وأنا أرممهم واحدًا واحدًا
كنت أرمم نفسي أيضًا.
فتح غسان الباب تلك الليلة وهو يتوقع أن يجد ذنبًا.
لكنه وجد خبزًا دافئًا، وأطفالًا أحياء، وامرأة لم تعد تعرف كيف ترحل.
وما غيّر روحه لم يكن رؤيتي بالمئزر.
ولا السقف الذي تم إصلاحه.
ولا البيت النظيف.
بل أنه فهم أن الحب عاش في ذلك البيت عامًا كاملًا
دون أن يطلب الإذن.
وكان يحمل اسمي.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى