في يوم عبد الأم

في يوم عيد الأم، دوّى التصفيق في المكان كله عندما قدّمت ابنتي هدية فاخرة لحماتها خاتم ألماس باهظ الثمن وتذاكر سفر درجة أولى وعندما جاء دوري، ناولتني زهرة لا يتجاوز ثمنها خمسين جنيهًا وهي تقول بابتسامة باردة
أنتِ تفهمين يا أمي.
وضعتها بهدوء على الطاولة ثم عدتُ إلى منزلي، وفتحتُ ملف رهن منزلها، واتخذتُ قرارًا لم يكن أحد يتوقعه.
الجزء الأول
إلى المرأة التي علّمتني حقًا معنى الأمومة! أعلنت نرمين بصوت مرتفع، قبل أن تُلبس حماتها خاتم ألماس يُقدّر بأكثر من مليون جنيه.
كنتُ أجلس في الطرف الآخر من الشرفة، أحمل كيس هدية خفيفًا لدرجة أنه بدا فارغًا.
اسمي ليلى عبد الرحمن، عمري 67 عامًا، وكنت أظن أنني رأيتُ كل الطرق التي يمكن أن تكسر بها الابنة قلب أمها لكنني كنت مخطئة في ذلك اليوم.
منذ أن توفي زوجي حسن قبل ثلاث سنوات، أصبح منزلنا في الإسكندرية واسعًا أكثر مما ينبغي. في ذلك الصباح، أعددتُ فنجان قهوة واحدًا فقط، وضعتُ صورته بجانب المزهرية، وحاولتُ إقناع نفسي أن دعوة نرمين تعني أن لي مكانًا ما في حياتها.
في الليلة السابقة، اتصلت بي بسرعة وكأنها مستعجلة.
هنتغدى عند ماما أمجد الساعة 1 لو حابة تيجي.
لم تقل عايزة تبقي معايا قالت لو حابة تيجي، وكأنها تسمح لي بالحضور فقط.
كان منزل الحاجة
سميرة في أحد أحياء القاهرة الراقية يبدو وكأنه خارج من مجلة حديقة مرتبة، عمال خدمة، وطاولة كبيرة تحت مظلة أنيقة. عندما وصلت، لم ترفع نرمين عينيها إلا لثوانٍ.
أهلاً يا ماما اقعدي هناك، المكان فاضي.
هناك كانت بجانب باب المطبخ بعيدًا عنها، وعن زوجها أمجد، وعن الأطفال.
لمدة ساعة تقريبًا، استمعتُ لأحاديث لم يوجّه لي أحد فيها كلمة واحدة. ثم حان وقت الهدايا.
قدّم أمجد صندوقًا مخمليًا. وفتحت نرمين ظرفًا يحتوي على تذاكر رحلة بحرية لمدة 14 يومًا في أوروبا، مع إقامة فاخرة وسفر درجة أولى.
بكت الحاجة سميرة من التأثر. صفق الجميع. واحتضنتها نرمين بحب لم أره في عينيها منذ سنوات.
ثم قال أمجد
وفي حاجة كمان لمدام ليلى.
اقتربت مني نرمين وقدّمت لي كيسًا صغيرًا من صيدلية. في داخله كانت زهرة بلاستيكية وردية، وبأسفلها ملصق السعر ما زال موجودًا ومعها بطاقة مكتوب فيها فقط
شكرًا على كل حاجة يا ماما.
ساد الصمت.
خفضت الحاجة سميرة نظرها، وحتى أمجد بدا عليه الإحراج.
جميلة كذبتُ بابتسامة هادئة شكرًا يا بنتي.
لكنها كانت قد أدارت ظهرها بالفعل لتعود للحديث عن الرحلة.
جلستُ ساعة أخرى، أحمل تلك الزهرة في حجري، بينما تعامل ابنتي حماتها كأنها ملكة وتعاملني أنا كواجب ثقيل.
وعندما غادرت، قالت فقط
خلي بالك وانتي سايقة.
في تلك الليلة، وضعت الزهرة على مكتب حسن وبكيت كما لم أبكِ منذ يوم وفاته.
لكن الألم تحوّل سريعًا إلى سؤال
كم أعطيتُ حتى أصبحتُ لا أساوي أكثر من زهرة بلاستيكية؟
فتحتُ ملفات شركتي مجموعة عبد الرحمن للاستشارات.
أخرجتُ الفواتير، التحويلات، العقود، وكشوف الحساب لآخر 15 سنة.
تعليم نرمين 900 ألف جنيه.
زفافها مليون و ألف.
مقدم شقتها مليون و ألف.
إنقاذ مشروع أمجد مليون و ألف.
سيارات أقساط مدارس تأمين رحلات وقروض لم تُرد أبدًا.
عندما انتهيتُ من الحساب تجاوز المبلغ 7 ملايين جنيه.
ولم أكن قد فتحت بعد أخطر ملف
قرض منزلها ورواتبها وكل عقودها كانت مرتبطة مباشرة بشركتي.
في الساعة الثانية و دقيقة فجرًا أمسكتُ الهاتف، واتصلتُ بمحاميتي.
لم أكن أصدق ما أنا على وشك فعله
ولا ما قد تفعله ابنتي لإيقافي.
الجزء الثاني
الجزء الثاني
عايزة أفتح كل الملفات يا أستاذة دينا حالًا. قلتها بصوت ثابت، رغم أن يدي كانت ترتجف.
ساد صمت قصير على الطرف الآخر من الخط، قبل أن ترد محاميتي بهدوء
ليلى إنتِ متأكدة؟ الخطوة دي مش سهلة ومش هتكون بدون عواقب.
أغمضت عينيّ للحظة، وتذكرت تلك الزهرة البلاستيكية تذكرت مكاني بجانب باب المطبخ وتذكرت نظرة ابنتي وهي تمر من جواري وكأنني غير موجودة.
أنا متأكدة.
في صباح اليوم التالي، بدأت الأمور تتحرك.
أول خطوة كانت مراجعة عقد الشقة الشقة التي تعيش فيها نرمين وزوجها.
الشقة لم تكن باسمها بالكامل كما كانت تظن بل كانت مرهونة بضمان شركتي، وأنا الضامن الأساسي.
اتصلت بالبنك.
نحتاج تحديث حالة الضمان وإعادة تقييم المخاطر.
لم أقل أكثر من ذلك لكن الرسالة وصلت.
بعدها بساعات، أوقفتُ تحويلًا شهريًا كنت أرسله لها منذ سنوات تحت مسمى مساعدة.
ثم طلبتُ من الإدارة المالية مراجعة عقود شركة زوجها أمجد الشركة التي أنقذتها من الإفلاس قبل سنوات.
النتيجة جاءت صادمة حتى لي.
أكثر من 80 من عقودهم كانت تمر عبر شركتي.
ببساطة كل ما لديهم كان قائمًا عليّ.
في الثالثة عصرًا، رن هاتفي.
ماما؟ صوت نرمين كان متوترًا بشكل لم أسمعه من قبل البنك كلمني بيقولوا في مشكلة في القرض! إيه اللي بيحصل؟
شعرتُ بشيء غريب ليس انتقامًا بل هدوء بارد.
معرفش يا حبيبتي يمكن لازم تراجعي أوراقك كويس.
بس إزاي؟! كل حاجة كانت تمام!
زي ما أنا كنت فاكرة إن كل حاجة تمام بينا وطلعت غلط.
صمتت.
ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية
ماما لو زعلانة من موضوع امبارح أنا كنت بهزر بس
ابتسمتُ بسخرية لم ترها.
بهزار؟ الزهرة كانت هزار؟
لم ترد.
أغلقتُ المكالمة بهدوء.
في المساء، اتصل بي أمجد بنفسه.
مدام ليلى أكيد في سوء تفاهم إحنا عيلة واحدة.
العيلة بتدي قيمة لبعض يا أستاذ أمجد مش بتدي زهرة بلاستيك.
دي تفاصيل صغيرة
ولا حاجة صغيرة ولا حاجة هتفضل زي الأول.
وفي اليوم التالي حدث ما لم يتوقعه أحد.
وصل إنذار رسمي لإعادة تقييم الضمان البنكي.
تم تعليق عقدين رئيسيين لشركة أمجد.
وتلقى محاسبهم إشعارًا بمراجعة مالية شاملة.
خلال 48 ساعة فقط بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم.
وفي اليوم الثالث وقفت نرمين أمام باب منزلي.
كانت عيناها محمرتين ووجهها شاحبًا.
ماما ممكن نتكلم؟
نظرتُ إليها طويلًا نفس الطفلة التي كنت أحملها بين ذراعي لكنها الآن تقف أمامي كغريبة.
اتفضلي.
دخلت وجلست ثم انفجرت
ليه بتعملي فينا كده؟!








