سر ال 5 جنيه

كان يوم عادي جداً، أو يعني أنا كنت فاكراه كده في الأول.. الشمس كانت خلاص بتغيب والدنيا بدأت تليل، والزحمة في السوق الشعبي كانت تخنق. الأصوات عالية، والبياعين بينادوا، وكل واحد بيجري عشان يروح بيته. أنا كنت واقفة في الطابور عند “الفرارجي” المشهور في منطقتنا، مستنية دوري عشان أجيب فرخة لبيتي بعد يوم شغل طويل وتعبان. كنت سرحانة في همومي وفي بكرة هنعمل إيه، لحد ما عيني جت على البنت اللي واقفة قدامي بالظبط في الطابور عند الكاشير.
البنت ميكملش سنها 8 سنين.. ليدوب طفلة. كانت لابسة هدوم على قدها خالص، نضيفة بس باهتة ومغسولة ميت مرة، وجزمتها الصغيرة باين عليها أثر المشي الكتير في التراب. ملامحها كانت بريئة أوي، وعينيها الواسعة كان فيها لمعة خجل ومسؤولية أكبر من سنها بكتير. كانت ماسكة في إيديها الصغيرة ورقتين فلوس: واحدة بـ 50 جنيه، والتانية بـ 10 جنيه.
تقدمت البنت بخطوات مرعوبة ومترددة للكاشير، وقالت بصوت واطي ومكسوف:
“عمو.. ماما عايزة بـ 60 جنيه بانيه.”
الراجل بتاع الفراخ بص لها ببرود، وحط الفراخ على الميزان، وقطعها وحطها في كيس أسود صغير، ومد إيده وقالها بنبرة ناشفة ومن غير أي رحمة:
“الحساب 65 جنيه يا شاطرة.”
البنت لونها خطف في ثانية، وبقت تبص للكيس وللفلوس اللي في إيدها وهي محتارة حيرة توجع القلب. مدت إيدها بالـ 60 جنيه وقالتله بترجاه:
“يا عمو.. أنا معايا 60 جنيه بس.. والله العظيم ما معايا غيرهم في إيدي.”
بس الكاشير ده كان عينيه زايغة، وبدل ما يمشي الـ 5 جنيه عشان خاطر طفلة غلبانة، لمح طرف ورقة تانية مستخبية في جيبها الصغير. بص لها بجرأة وقسوة وقالها:
“بس أنا شايف في جيبك 5 جنيه كمان.. هاتيها عشان الحساب يكمل!”
البنت اترعشت وخبّت جيبها بإيدها الصغيرة كأنها بتدافع عن كنز أو سر حياتها، والدموع بدأت تملى عينيها وهي بتقول:
“يا عمو أرجوك.. دي 5 جنيه ماليش دعوة بيها.. أنا حسابي 65 جنيه؟ طب شيل حتة بانيه وخلي الحساب 60.. بس سيب الـ 5 جنيه دي معايا.. دي مهمة أوي والله ومقدرش أديهالك!”
الراجل رفض بجاحة غريبة، وقال بصوت عالي سمّع المحل كله:
“أنا مش هشيل حاجة من الكيس ولا هغير البون.. هاتي الـ 5 جنيه دي عشان تاخدي الأكل، أنا ورايا التزامات وبجيب حاجات بفلوس، ماليش دعوة بظروف حد!”
نار حرقت دمي
في اللحظة دي، حسيت بنار قادت في صدري. دموع البنت وقساوة الراجل وبجاحته حرقوا دمي بجد! ما استحملتش أشوف كسرة البنت دي قدام عيني عشان خاطر مبلغ تافه. من غير ما أفكر ثانية واحدة، مديت إيدي في شنطتي، وطلعت 5 جنيه، ورميتهاله بحدة وأنا بقوله وعيني بتطق شرار:
“خد الـ 5 جنيه بتاعتك أهي.. وسيب البنت تاخد حاجتها وتمشي!”
الراجل أخد الفلوس بكل بجاحة ومن غير ما يرمش، وسلم الكيس للبنت. في اللحظة دي، البنت لفت وبصتلي.. نظرة عمري ما هنساها طول ما أنا عايشة. عينيها كانت مليانة دموع بس دموع راحة وفرحة. وبصتلي بكل براءة، وقالت كلمات هزتني من جوايا:
“شكراً يا طنط.. شكراً ربنا يخليكي.. ربنا يرزقك ويجبر بخاطرك.”
قالتها تلات مرات وهي عمالة ترجع لورا وعينيها في عيني، وبعدين طلعت تجري بأقصى سرعتها بره المحل، كأنها خايفة الراجل يرجع في كلامه وياخد منها كيس الأكل.
وقفت في مكاني وأنا دمي بيغلي من كتر التأثر، وعقلي عمال يودي ويجيب: “أنا لو مكنتش واقفة الصدفة دي، الكاشير ده كان هيعمل إيه مع البنت؟ كان هيذلها أكتر؟ كان هيأخد الفلوس ويحرمها من الأكل؟ طب هو معندوش بنت زيها؟ إيه اللي كان هيحصل في ميزانيته لو اعتبر الـ 5 جنيه دي لله؟” بس السؤال اللي كان هياكل عقلي: “إيه سر الـ 5 جنيه اللي البنت كانت هتموت وتمسك فيها دي؟”
حسيت إن ورا الورقة دي حكاية كبيرة، ومطوعنيش قلبي أبداً إني أروح بيتي وأنام مرتاحة والبنت دي قلبها مرعوب. حاسبت بسرعة، وقررت أمشي وراها.







